منذ إسقاط النظام 2011، واغتيال الرئيس معمر القذافي، إثر تدخل فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة العدواني العسكري، والذي رفضته أفريقيا، غرقت ليبيا بالفوضى، ودخلت الجزائر في موقف حائر، وفضلت عدم تدخلها المباشر "في الشؤون الداخلية لليبيا" وأعلنت التزامها بخريطة الطريق التي اقترحها الاتحاد الإفريقي وقبل بها النظام الليبي، والتي نصت على وقف فوري للأعمال العدائية وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية، وإطلاق حوار فوري بين الأطراف المتنازعة.
ورغم أن الأزمة الليبية قد أوجدت فراغًا أمنيًا خطيرًا، وسببت المتاعب والمرارة لجيران ليبيا وأدت إلى زعزعة الاستقرار في كل المنطقة، إلا أن الأطراف الدولية الفاعلة، قد نجحت في تهميش الصوت الأفريقي لسنوات عدة، رغم مطالبات الاتحاد الأفريقي المستمرة بأخذ دور فاعل في إحياء عملية السلام، والإنصات إلى الجزائر في إيجاد حل سياسي تفاوضي.
عارضت الجزائر تدخل الناتو بقوة، وحذرت من أن هذا الاعتداء سيمهد عمليًا إلى تفكيك البلاد وإدخالها مع كل الإقليم بحالة من عدم الاستقرار الذي لا يمكن السيطرة عليه. ورغم أن علاقات الجزائر بالزعيم القذافي لم تكن في أحسن حالتها، حيث شكل "العقيد" منافسًا مزعجًا للحكومة الجزائرية في أفريقيا بشكل عام، وخاصة في جنوب الصحراء الكبرى ودول الساحل، إلا أن السلطات الجزائرية بقيت تدعمه حتى اللحظات الأخيرة، حتى أن مواقفها الداعمة هذه قد تسببت بغضب عدد كبير من الشخصيات السياسية والعسكرية الليبية المعارضة، خاصة عندما استقبلت الجزائر عددًا من أفراد عائلة الزعيم المغدور.
بعد عدة أشهر من الترقب، قررت الحكومة الجزائرية الاعتراف ب "المجلس الوطني الانتقالي"، الذي اعتبرته -مع بعض التحفظات- يشكل إرهاصًا لانبثاق الدولة الليبية الجديدة، في سعيها لملء فراغ السلطة الناشئ عن انهيار عصر القذافي، رغم إدراك الجزائر بأن هذا المجلس يخضع للرعاية الغربية وغير قادر على تأكيد نفسه باعتباره قوة سيادية، ولكن سرعان ما بدأت علاقة الجزائر مع المجلس بالتدهور، بعد اتهام الأخير الحكومة الجزائرية بتزويد القوات الموالية للقذافي، بالوقود والمعدات العسكرية.
أدى التدخل الغربي إلى عسكرة المجتمع الليبي على نطاق واسع، وزعزعة الأمن والاستقرار في منطقة الساحل والصحراء بأكملها، فتحولت الضرورات الأمنية والإستراتيجية إلى عناصر حاسمة في تحديد الموقف الجزائري اللاحق، وأصبح من الملح على الحكومة الجزائرية أن تتعامل بالفعل مع عدة دول ضعيفة على حدودها، ومع فصائل "جهادية" في جوارها وداخل حدودها.. تهديدات جدية قادت الجزائر إلى تعزيز حراسة حدودها الوطنية بطول 1000 كيلو متر، بإنشاء قواعد دفاعية ثابتة ومتحركة، لحماية أراضيها من أن تتحول إلى ممر سهل لحركة الإرهاب وقاعدة خلفية للمليشيات والجماعات الإرهابية الليبية. وفي العام 2012 تم إغلاق الحدود مع ليبيا، عدا عن توجيه المساعدات الإنسانية التي كانت تسلم للهلال الأحمر الليبي، وبعض القبائل المشتركة بين البلدين.
على الرغم من فشل العملية الانتقالية في ليبيا، وبروز سلطتين متصارعتين، واصلت الجزائر ممارسة التكتيك الانتظاري والدعوة إلى المصالحة الوطنية، وللحفاظ على أمن حدودها، دخلت في حوار مع الأخوان المسلمين الذين يشكلون مكون رئيسي في طرابلس وميليشياتها، ومع مسؤولين ليبيين دعموا القذافي في الشرق الجزائري، ولكنها استبعدت من الحوار، الكيانات الإرهابية مثل داعش وأنصار الشريعة، الذين يرفضون العملية السياسية ونتائج العملية الانتخابية بالمطلق.
واستمر الموقف الجزائري بالتأكيد على خطورة الذهاب إلى الحل العسكري الذي من شأنه تصعيد العنف، ودفع الجماعات الإرهابية إلى التوطن، وتثبيت قواعدها في عموم المنطقة، "يمكن هزيمة الإرهاب بالقوة، لكننا نحتاج أيضًا إلى إجراء حوار ومصالحات إذا أردنا القضاء عليه".
في منتصف العام الماضي، وفي محاولة لجر الجزائر لكي تتورط بشكل مباشر في الصراع الداخلي الليبي، طلبت حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، من الجزائر تفعيل الاتفاقية الأمنية الموقعة في العام 2001 بين البلدين للتعاون العسكري، وذلك بمطالبة الحكومة الجزائرية بالتدخل المباشرة لمواجهة الهجوم المسلح الذي يشنه الجنرال حفتر على العاصمة، إلا أن الجزائر التي تعيش مرحلة انتقالية مضطربة، بقيت متشبثة بمبدأ الحوار والحل السياسي، وذكرت بأن الدستور الجزائري "يحظر على الجيش التدخل خارج الأراضي الوطنية".
بوصول عبد المجيد تبون إلى الرئاسة، والاستقرار النسبي الذي حصل في هيئة القيادة الجزائية، صرح الرئيس الجديد: بأن "الجزائر هي أول وأهم طرف معني باستقرار ليبيا، ولن نقبل أبدًا أن يبقى بلدنا بعيدا عن الحلول الممكنة للملف الليبي"، وأضاف: بأن "ليبيا تمثل العمق الإستراتيجي للأمن الإقليمي المغاربي بشكل عام والجزائري بشكل خاص".
لقد أصبح واضحًا بأنه قد بات من الصعب على الحكومة الجزائرية أن تبقى محايدة، بعد أن تجاوزت جميع البدان بما فيها البعيدة، المعايير الجيوسياسية من خلال إدارة معاركها بالوكالة على الحدود الشرقية للجزائر، وبالخصوص الموقف التركي الفاضح الذي اقتنص اتفاقية بحرية مع حكومة السراج، وأعلن تدخلا عسكريًا مباشرًا لصالح حكومة طرابلس، وبدأ بإرسال معدات عسكرية ثقيلة وقوات مقاتلة ومرتزقة، لتكون طرفًا فاعلًا في الصراع الداخلي الليبي، مما شكل إحراجًا شديدًا للجيش الجزائري، وأثار مخاوف السلطات من أن يؤدي هذا التدخل التركي إلى إشاعة عدم الاستقرار، وانتشار الأسلحة، وتنشيط المنظمات الإرهابية الأصولية التي تتحرك على طول الحدود بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو والجزائر وليبيا.
الموقف العملي الجزائري ما زال حائرًا، فهو من ناحية ينادي بحل سياسي تفاوضي بين أطراف المعادلة الليبية، ولكن في نفس الوقت، يرفض الدخول في لعبة المحاور، كما تعبر القيادة الجزائرية عن عدم رضاها عما تسميها بالانحرافات المصرية الإماراتية، وعززت تواصلها مع الجارة تونس لتنسيق خطواتها في هذا المجال، كما أكدت على مواقفها بتفضيل الحوار والحل السلمي، في مؤتمر برلين حول ليبيا، وما زالت تعتبر بأن حكومة الوفاق الوطني، هي السلطة الشرعية المعترف بها دوليا، ومن الممكن البناء على هذا الاعتراف رغم هشاشته، كما أن الاتفاقية الأمنية الموقعة بين البلدين ما زالت نافذة المفعول، وأن أي دور جزائري مستقبلي يمكن أن يجد له حوامل في موادها ونصوصها.

