Menu

في حتمية الحاجة ل "خالد إسماعيل"

حسين البدري

نُشر هذا المقال في العدد الأخير من مجلة الهدف الرقمية

تتلمذ في مدرسة يحيى الطاهر عبدالله وعبد الحكيم قاسم، وتخرج في أكاديمية عبد الوهاب الأسواني، يكتب عن ريف مصر كأنه يغزل ثوب فارس عربي حمل بارودته والتحق بجيش الزعيم الوطني أحمد عرابي، يبدو مثل "ماركسي أخير" يسود صفحات إبداعاته بسرعة فائقة ويقذفها بين يدي رفاقه زادًا للمعركة النهائية، لذلك كله تكتسب الكتابة عن الروائي المصري الكبير خالد إسماعيل (1968) معنى خاص في زمن تكريس الهزيمة وأفول الأحلام الكبرى.

جرت الأقدار على غير ما يشتهي صاحب "درب النصاري"، ابن قرية كوم العرب في مركز طما بسوهاج، الذي التحق باتحاد الشباب الديمقراطي، منظمة الشبيبة بالحزب الشيوعي المصري وهو بعد طالبا في الثانوية، بعد سنوات قليلة سينطفئ النجم الأحمر في سماء السوفييت، بالتزامن مع بدء رحلة خالد إلى العاصمة والعمل في مهنة الصحافة، كان انهيار الاشتراكية مدويًا، وجرف معه من ضمن ما جرف العديد من الشخصيات، بعضها سقط بمجرد سقوط موسكو، وآخرون حاولوا التكسب قدر المستطاع مثل تجار الحروب، شاهد صاحب "أرض النبي" ذلك عن قرب، ومن زاوية شاهد العيان كتب وأبدع بموهبة فطرية في السرد وثقافة موسوعية عمادها الرئيس الإيمان بعروبة مصر وبحق الفقراء والمهمشين في حياة كريمة وفي العيش بوطن حر.

كانت الثمانينيات سنوات استعادة الحلم والطموح بعد خذلان كامب ديفيد وانهيار تام للناصرية، مع رصاصات الجندي العربي المصري سليمان خاطر على الحدود المصرية مع فلسطين المحتلة أواسط الثمانينيات بدا أن القاهرة تستيقظ من كابوس قصير ومدمر، فيما بعد تأكد طالب الثانوية الذي يتكيء على نضال شقيق أكبر وكفاح والد من العمال أن ما حدث كان عرض مقاومة قصير وانقضى، ودخل الوطن في حالة سبات عميق لم يصحو منه إلا في 2011، في تلك السنوات كان خالد يقاتل مع رفقة قليلة في معركة الوعي، وأنتج 8 روايات ومجموعتين قصصيتين، قبل أن يضيف إلى رصيده بعد ثورة يناير 3 روايات أخرى، أحدثها "قهوة الصحافة" الصادرة قبل نحو 4 أشهر.

الفرار من الهزيمة إلى الاستسلام

في السبعينيات في ذروة صعود المشروع الاستسلامي لأنور السادات وبدء تفكك الميراث الناصري المقاوم، كان على النظام أن يحشد مثقفيه على الضفة الأخرى للإجهاز على ما بقى من صمود في وجدان الشعب المصري، احتشد الكتبة في بلاط رئيس "كامب ديفيد" للتهجم على كل من يجهر بعروبته وتمسكه بالحق الفلسطيني، سار كثيرون في ركب من رفعوا الراية البيضاء، أحدهم وصف أمل دنقل بـ"آخر الشعراء الجاهليين"، ويواصل آخرون معاصرون العمل بدأب مثير للدهشة في إهالة التراب على منجز شاعر المقاومة المصري الأبرز بدعوى الخطابية والحماسية وبوصفه "شاعر القبيلة" وما إلى ذلك من ترهات، في المقابل يجري ترويج مشروعات شعرية أخرى شديدة البؤس والضحالة، تشعر أنها دواوين مترجمة لا تمت للعربية بأية صلة.

كانت ذروة السقوط الفكري في منتصف التسعينيات برهط من المثقفين المصريين يحجون إلى كوبنهاجن لتسويق التطبيع مع العدو الصهيوني تحت لافتات يسارية، كأن اليسار المصري تخلص من كل أزمات الشعب المطحون ولم يبقَ أمامه سوى ما أسماه التعايش السلمي مع محتل استيطاني تتمثل مهمته الرئيسية في العمل كرأس حربة للمشروع الإمبريالي في الوطن العربي. وحدث أن استقل مسرحي مصري سيارته وزار "تل أبيب" ليكسر -حسب وصفه- الحاجز النفسي بين الشعب المصري والصهانية، وهو نفسه الذي كتب بعد هزيمة 1967 مسرحية "أغنية على الممر"، لقد نهشت الهزيمة روحه طوال 30 عامًا، ولم يستطع الإجابة عن أسئلة اللحظة: كيف ولماذا هُزمنا؟ ففر من الهزيمة إلى الاستسلام.

ومنذ بدايات الألفية تجرى محاولات تكريس كتابة تعتمد فقط على ما يطلق عليه المصريون "الإيفيه"، وهذا الانتقال المريب من نموذج الأديب المقاوم إلى آخر نقيض هدفه بالأساس هدم فكرة المقاومة والارتكان إلى "خفة الدم" أو نشر الخرافة والشعوذة التي طبعت الإبداع المصري مؤخرًا.

في سياق إبداعي مهزوم ومتخاذل، يجبر الكاتب على أن يسبح بحمد "ماما سوزان" ووزير ثقافتها فاروق حسني، ثم ينتقل بالتبعية إلى مغازلة إسرائيل وداعميها من قوى الإمبريالية العالمية، ظهر صاحب "ورطة الأفندي" شابًا فتيًا بصدر ممتلئ بالثورة والانحياز للفقراء، ينافح عن فكرته بكل ما أوتي من إبداع، وطوال ربع قرن لم يكف عن فعل المقاومة ومكافحة الهيمنة الثقافية في أعماله الإبداعية، يمتلك طاقة سيزيفية على التحمل، يشهر قلمه في وجه الجميع، النخبة الثقافية، السلطة، أحزاب اليسار الكرتونية، ويدفع ضريبة ذلك من تجاهل نقدي واضح وتشويه متعمد، حتى وصل الأمر إلى أن صاحب أبرز مشروع روائي مصري ينتمي جيليًا إلى فترة التسعينيات يتعرض لإقصاء غريب من دور النشر الشهيرة في القاهرة ومن الدوائر الثقافية الرسمية على حد سواء، ما يبرهن جليًا على غياب الضمير الثقافي العام وسقوط دعاوى اليسار تحديدًا في بناء ما يزعم أنه مشروع وعي مقاوم للأجيال الجديدة.

المثقف العضوي

مساران رئيسيان شكلا المشروع السردي لـ صاحب "كحل حجر"، الأول محاولة إحياء الثقافات المحلية التي تكاد تندثر بفعل التأثير الثقافي للواقعين تحت وطأة الهيمنة الإمبريالية، عبر تصوير حي للحياة في جنوب مصر وشخوص معجونة بماء التراث الصعيدي، مواصلًا ما بدأه الرائد الفذ يحيى الطاهر عبد الله، الذي لم يمهله القدر للمراكمة وبناء مشروع سردي كبير وفارق.

المسار الثاني الذي طبع كتابة خالد إسماعيل تمثل في مقاومة خطط تخريب اليسار المصري الممتدة منذ ثمانينيات القرن الماضي بالاختراقات الإمبريالية عن طريق المنظمات غير الحكومية والتطبيع مع إسرائيل وخيانة مشروع التحرر العربي.

يمتاز أدب خالد إسماعيل بالتدفق السردي البالغ واللغة العربية السهلة والمحكية أحيانًا؛ لأنه يوجه رواياته لعموم القراء وليس النخبة المثقفة فقط، والروايات القصيرة التي ربما تمكن القارئ من مطالعتها في جلسة واحدة، مبعتدًا بشكل كبير عن البدانة الروائية التي طبعت المنتوج الروائي العربي في الفترة الأخيرة.

يُولي صاحب "أوراق الجارح" أهمية خاصة للصراع الطبقي، وربما كان كاتب الفقراء الأول في مصر بلا منازع، وتتوزع شخصياته ما بين مزارع وموظف وصحافي في نطاق جغرافي يجمع مصر كلها.

إن الاحتفاء بالمشروع الروائي لـ خالد إسماعيل هو مقاومة في حد ذاته، وبرهان على أن مصر رغم ما تعانيه من قمع وإفقار ما زالت قلب العروبة النابض، ودليل لكل من قال "لا" في وجه من قالوا "نعم".