Menu

صفقة القرن بين الهلوسة وإمكانية التطبيق

د.فايز رشيد

نُشر هذا المقال في العدد الأخير من مجلة الهدف الرقمية

  ستظل "صفقة القرن" الشغل الشاغل للفلسطينيين والعرب والعالم ولعدونا الصهيوني وحليفته الاستراتيجية بالطبع, وغيرها. يدّعي نتنياهو وترامب أنهما قرآ كل المشاريع السابقة للتسوية بين الفلسطينيين و"الإسرائيلين" في التحضير وتجهيز بنود هذه الصفقة التي سأتناولها بكلمات قليلة (فالكل بات يعرف بنودها وتفاصيلها وتداعياتها): نعم, يريدون تصفية القضية الوطنية الفلسطينية تصفية شاملة على القاعدة المعروفة منذ القدم "أرضٌ أكثر وعربٌ أقلّ"! باعتبار صفقتهما هي الحلّ الأمثل للتسوية. الكيان بخاصة  وبمساندة حليفته الاستراتيجة الأول يتبعان منذ سنوات طويلة, طريق تهيئة الأجواء لطرح حل كـ "صفقة القرن" ولجعلها مقبولة دولياً وعربياً ومناطقياً, أما كيف؟ فنقول: نتنياهو وترامب كاذبان فعدد هذه المشاريع التسووية (التصفوية) 83 مشروعاً, أولها بدأه المدعو ماك غي ممثل وزير الخارجية الأمريكي آنذاك جيمس بيرنز في عام1947 بإيعاز من الرئيس هاري ترومان بعد التشاور مع رئيس وزراء بريطانيا كليمنت أتلي. فرق هائل بين كل من تلك المشاريع وأحدها عن الآخر, وأولها ظهر حين لم تتم بعد رسمنة إنشاء الكيان الصهيوني.

"صفقة القرن" جاءت بعد ما يقارب الـ  71 عاماً على إنشاء الكيان, أي يمكن القول أنها حصيلة عقود من الاحتلال للجزء الأول من فلسطين, ثم الثاني, ونتيجة لكم هائل من المذابح للفلسطينيين وبعد فترة ضد العرب, وبعد سلسلة طويلة من كل أشكال العدوان والحروب والعنصرية والأهم الاستيلاء المخطط والمتدرج للأرض الفلسطينية. كذلك إلى جانب تهجير ثلاثة أرباع مليون فلسطيني عنوة في محاولة لتقليل عدد الفلسطينيين ديموغرافياً, وباعتبار أن من جرى تهجيرهم سينسون بلدهم بالتقادم والتكيف التدريجي في الواقع الجديد. حاولت دولة الكيان شطب الذاكرة والهوية والثقافة الفلسطينية بتخطيط مركّز ومنظّم، فليس صدفة مثلما يقول المبدع وليد الخالدي في كتابه "كي لا ننسى" مسحت الصهيونية (الكيان) عن وجه الأرض ما يقارب 500 قرية وبلدة فلسطينية، وغيّرت أسماء المدن والشوارع والأحياء والمناطق وغيرها, إضافة إلى اكتساب شرعية الوجود بعد أخطر حدث مرّ على القضية الفلسطينية وهو توقيع اتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو ومن ثم اتفاقية وادي عربة بنتائجها الكارثية.

ظلّ الكيان يحاول نيل أكبر تأييد لوجوده، وبخاصة تدعيم تحالفه المشترك والاستراتيجي مع أمريكا بعد ظهورها كقوة عالمية أولى جديدة بعد نتائج الحرب العالمية الثانية في مواجهة الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية. الولايات المتحدة أخذت دوراً في تقاسم جديد مع الدور الاستعماري البريطاني خاصة وإلى حد ما الفرنسي (حرب السويس عام 1956) والغربي عموماً. لم تُهمل إسرائيل الأمم المتحدة بعد أن امتلكت شرعيتها مرهونة بإعادة اللاجئين, بل جعلت منها ومن منظماتها محافل لكسب تأييد دول كثيرة على صعيد العالم, ودوماً استعملت أمريكا حق الفيتو إذا ما مسّ قرار ما دولة الكيان في مجلس الأمن.

بالنسبة لـ"صفقة القرن" كان لا بد من تهيئة الأوضاع الرسمية العربية إليها لقبولها أولاً وللضغط على الجانب الفلسطيني لقبولها ثانياً, ولتحمل تداعياتها المالية والديموغرافية: التوطين وغيره ثالثاً. أما كبف جرى التخطيط الصهيوني الاستعماري للسياسات العربية مستقبلاً؟ فقد بدأ عملياً من مؤتمر كامبل بنرمان للدول الاستعمارية بعد الظهور الرسمي للصهيونية وتحديد أهدافها ورسمنتها في مؤتمر بازل عام 1897. جاءت اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور في سنتين متتاليتين لرسم وطبع المنطقة العربية بالتصور الاستعماري، وبما يخدم الدولة الصهيونية الجديدة في المنطقة. طبعاً لم تسر الأحداث التاريخية وفق خط مستقيم، حيث فرضت حركة التحرر الوطني العربية معاركها ونالت أقطار عربية كثيرة استقلالها عن الاستعمار, وظهر الرئيس جمال عبد الناصر كحالة وطنية عربية عامة, وكان الكثير من الزعماء العرب يبررون انقلاباتهم العسكرية دوماً: "لأجل تحرير فلسين". العلامة الفارقة كانت حرب عام 1967 واحتلال كل فلسطين ووفاة عبدالناصر. نعم كانت انطلاقة الفصائل الفلسطينية المسلحة الرد الطبيعي على هزيمة 1967, ثم بدأ التآمر والضغط للتخريب على "أنبل ظاهرة عربية"-كما وصفها عبد الناصر- والضغط العربي على القيادة الرسمية الفلسطينية للالتحاق بنهج التفاوض وصولاً إلى توقيع اتفاقيات أوسلو, وانقسمت الساحة الفلسطينية, وكان قبلها برنامج النقاط العشر الذي شرع الأبواب للولوج في نهج التسوية. من جانب ثان ففي مؤتمرات هرتسيليا الاستراتيجية تم التخطيط وتنفيذ تدريجي لشكل العلاقات الإسرائيلية مع غالبية النظام الرسمي العربي, والوصول بها إلى التحالف العلني في سبيل تطبيق صفقة القرن. ما تقدّم لم يهدف إلى سرد تاريخي للأحداث, ولكن للتدليل على وضع العدو الصهيوني للخطط الطويلة المدى وتنفيذ مخططاته تدريجياً بالتحالف مع حليفتهم الاستراتيجية الأولى الولايات المتحدة.

للأسف، ومن المحزن حدود البكاء مواصلة قيادات السلطة الفلسطينية وسط انتقادها ورفضها اللفظي الكلامي العلني لـ"صفقة القرن" ووسط رفض جماهيرنا الفلسطينية الجمعي وكافة فصائلنا الفلسطينية, ووسط مقاومة باسلة عظيمة قام ويقوم بها مقاومون من كافة المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية ومن منطقة 48 وقصف صاروخي ولو متقطع لمواقع العدو من قطاع غزة, ووسط رفض جماهيري عربي لصفقة العار, وانتقاد العديد من دول العالم لبنودها لظلمها الكبير للفلسطينيين وشطبها لكل حقوقهم, مواصة قياداتٌ من السلطة اللقاءات مع إسرائيليين, تارة في تل أبيب وأخرى في رام الله، وذلك بتنظيم مما يسمى "لجنة التواصل مع "المجتمع" الإسرائيلي"التابعة للمنظمة، وفقاً لما أوردته "وكالة الأنباء الرسمية الفلسطينية". وهذان اللقاءات ليسا اليتيمان منذ إعلان "صفقة القرن"، إذ سُجّلت مشاركة شخصيات فلسطينية في لقاء مع إسرائيليين في تل أبيب داخل فلسطين المحتلة عام 1948 تحت ذريعة "مواجهة صفقة القرن وتوضيح الرؤية الفلسطينية للسلام لناشطين يرفضون صفقة القرن وشخصيات يسارية ومستوطنين غير متطرفين"، وحمل "لقاء تل أبيب" شعار "برلمان السلام"! ذكّر هؤلاء بأحد تصريحات نتنياهو وأحدثها, فهو يقول: "إن فريق فرض السيادة سيكمل مهمته, نعم, سنحوّل الضفة الغربية بكاملها إلى جزء لا يتجزأ من إسرائيل".

وفي إصرار على معاندة الإرادة الشعبية، وتأكيد عدم جدية السلطة لرفض الصفقة، صرح نبيل أبو ردينة الناطق باسم السلطة الفلسطينية بأن: "التنسيق الأمني مستمر, ونحن جاهزون لتوقيع اتفاقية سلام خلال أسبوعين"! عن أي سلام يتحدث السيد أبو ردينة؟ وهل سمع بلجنة بينيت التي عينها نتنياهو لبحث تفاصيل ضم منطقة غور الأردن وشمال البحر الميت إلى الكيان؟

للعلم ما قلناه في عنوان المقالة عن الهلوسة, نقصد بها هلوسة القيادات الأمريكية والإسرائيلية, الذين يجلسون في البيت الأبيض ويقررون ما سيفعلون لتصفية قضية الفلسطينيين بطريقتهم، هم ليسوا مهلوسين فقط، بل بلهوانيين تماماً, حين يتصوروا ككل المستعمرين الغاصبين, الذين يستطيعون تحقيق أهدافهم بالقوة, ورغم عن إرادة الشعب المعني الطامح إلى تحرير أرضه, والعيش حرّاً في وطنه, كلّ وطنه حرّاً وكريماً! هكذا تصور هولاكو وتيمورلنك من قبل وكذلك هتلر وموسوليني وغيرهم! إنها العقلية الفاشية والنازية التي هزمت معتنقيها وأصحابها. الصهيونية هي الأكثر وحشية مقارنة مع الظاهرتين السابقتين، وكل الظواهر الشبيهة في التاريخ سقطت شرّ سقطة, هذا عامل. أما العامل الأساسي وهو الأهم (الذي لم يقرأ نتنياهو وكل القيادات الصهيونية قديمهم وحديثهم عنه) وهو نضالات شعبنا الفلسطيني وصلابة معدنه ونضالاته ومقاومته الصلبة الرائعة المستمرة على مدى قرون منذ الصليبيين, مروراً بالعثمانيين والبريطانيين وصولاً إلى اللحظة! لذلك صرّحت غولدا مائير: "بأنها تصاب بالغصّة صباح كلّ يوم يولد فيه فلسطيني". وصرّح رابين: "بأنه يتمنى أن يصحو يوماً ويكون البحر قد ابتلع غزة".. قُتل هو وبقيت غزة كما كل فلسطين شوكة في حلق الكيان وكل قيادته وحلفائهم. هؤلاء لم يقرؤوا تاريخ مقاومة الشعب الفيتنامي (على سبيل المثال وليس الحصر) عندما لم يجد السفير الأمريكي في سايغون سوى جبل لتسلقه للصعود إلى هليوكبتر للهروب بعد الانتصار الكبير لجبهة التحرير الفيتنامية, تعلمّ يا ترامب, اقرأ التاريخ يا نتنياهو... ستنهزم أنت وكل صهاينتك ومؤيديك وحلفائك، وسترحلون عن أرضنا, عن تاريخنا, عن دمنا, عن أيامنا, عن مقدساتنا, والأفضل أن ترحلوا طائعين، أو سترحلوا حتماً مجبرين.. ولترحل صفقة العار معكم, فهي لن تُطبّقْ.