Menu

الصهيونية ومعاداة السامية

د. صلاح زقوت

نُشر هذا المقال في العدد الأخير من مجلة الهدف الذي يحمل الرقم (1485) في التسلسل العام، وهو العدد الحادي عشر في النسخة الرقمية.

في 16/10/2004 وقّع الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن على قانون مراجعة معاداة السامية ٢٠٠٤، ويؤكد ذلك أن ثمة حالة استنفار وتعبئة تعيشها مجموعات الضغط الموالية لإسرائيل من أجل اعادة رسم استراتيجيات الحماية لدولة الاحتلال، لم يعد بالإمكان الدفاع عن سياستها العدوانيه اتجاه الشعب الفلسطيني. وإزداد ذلك الاستنفار بعد وصول ترامب لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية ومحاولته إنهاء القضية الفلسطينية؛ نقل السفارة إلى القدس ، وإقرار قانون يهودية الدولة وضم أجزاء الأغوار وأجزاء واسعة من الضفة، والإجراءات ضد الأونروا وما يتعلق بقضية اللاجئين غيرها.

منذ نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل ١٦/١٢/١٩٩١ في إلغاء القرار ٣٣٧٩ الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في ١٠/١١/١٩٧٥، والذي يعتبر أن الصهيونيه شكلاً من أشكال العنصريه والتمييز العنصري، ولكسب ذلك نشأ اتجاه صهيوني يعتبر انتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة انتصاراً لإسرائيل، وبالتالي يفترض أن يتم توظيفه في كل المجالات بما في ذلك توسيع مفهوم معاداة السامية ليشمل كل انتقاد لإسرائيل باعتباره ينتقد اليهود (إن الدول لا تقوم على أساس الدين).

وأمام تزايد التعاطف الدولي مع الشعب الفلسطيني ونجاح حركة المقاطعة وانتقاد الممارسات الصهيونيه ورفع الشكاوى إلى محكمه الجنايات الدوليه لمحاكمه مجرمى الحرب لارتكابهم مجازر ضد الشعب الفلسطينى، ترفع اليوم بإطراد مسألة معاداة السامية، كسلاح يشهر في وجه كل من ينتقد الإجرام والممارسات الإسرائيلية. وقد أكدت منظمة العفو الدولية بتاريخ ١٦/٨/٢٠١٩، أن انتقاد سياسة حكومة إسرائيل حرية تعبير وليس معاداة للسامية، وذلك رداً على قرار نتنياهو ووزير داخليته أرييه درعي بمنع دخول عضوي الكونغرس الأمريكي رشيدة طليب وإلهام عمر، وأيضاً على تغريدة الرئيس الأمريكي ترامب، الذي دعم وأيد القرار ووصفه للنائبتين بمعادة السامية.

من هنا يجب التمييز بين العداء للسامية والعداء لدولة إسرائيل ‏التي تجسد الفكرة الصهيونية، كذلك لا بد من الفصل بين اليهودية بصفتها تقليداً دينياً وثقافياً يمتد إلى ما يقارب ٣٥٠٠ سنة، وبين الحركة الصهيونية، وهي حركه سياسيه - فكرية لا يزيد عمرها عن قرن ونصف، وإنشاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين قبل ٧٢ عاماً، وهنا يطرح سؤال من الذي جعل الصهيونية مرادفاً لليهودية؟

‏إن نظرة الصهاينة لليهود ‏جميعاً وكأنهم شيء واحد، ‏بحسب تفسير أحد كتاب مجلة كومنتاري: "إن تشويه إسرائيل تشويه لليهود"، أو كما يرى عالم الاجتماع الإسرائيلي يهود شنهاف: "أن الحركة الصهيونية منذ بداياتها بلورة الذاكرة الجماعية (الأمة اليهودية)، وذلك في سبيل ترسيم حدودها وتعيين أعضاءها، وبالتالي أنتجت وأشاعت صورة عن الماضي تصف مصادر تلك الأمة وصيرورة تطورها على مر التاريخ، وقد جعلت الأيديولوجية الصهيونية التاريخ اليهودي متحاذياً على أساس العلاقة مع الأرض وطورت ما يسمى (الوعي الإقليمي)، والذي بواسطته قسمت الماضي الي فترتين رئيسيتن:

الأولى، العصر القديم وهو الزمن الذي استوطن فيه الشعب اليهودي في أرض إسرائيل قبل خراب الهيكل. والثانية، فترة الشتات الذي انقطعت من خلالها الصلة مع البلاد.

بينما كانت الفترة الأولى ترمز في قراءة الصهيونية إلى مرحلة السيادة، وهي إيجابية كلية يجب تذكرها بحنين جارف في سبيل العودة إليها، فإن الفترة الثانية تعرضت لنفي، أي الشتات، وكان الهدف من ذلك دفع تلك الفترة إلى صيرورة مطلقة من النسيان في أذهان اليهود كافة، وتحديداً اليهود الأوربيين.

وليكن من الواضح أن المسألة الصهيونية لا تتمثل في كونها قومية يهودية، بل شكلاً من أشكال التفوق العرقي، من حيث الفكر والعمل، وأكثر من هذا أنها شكل من أشكال التفوق العقلي الذي يهدف إلي السيطرة على الأخرين، وقد كتب ثيودور هرتزل: 'إذا ما تحققت الدولة اليهودية يوماً ما في فلسطين، فإنها تشكل حصناً لأوروبا ضد أسيا وخطاً أمامياً ضد البربرية". وقد أكد الصهاينة أن أعضاء الجماعات اليهودية، لا ينتمون إلى التشكيلات الحضارية أو القومية التي يوجدون فيها، مفترضين أن ثمة انتماءً يهودياً خالصاً، وأن الشعب اليهودي ذو الهوية الواحدة المستمرة وفي التاريخ اليهودي الواحد. ويذهب البعض إلى القول بوجود عرق يهودي واحد، وينتهي هذا الافتراض إلى أن اليهود حافظوا على هذه الوحدة منذ خروجهم من مصر الفرعونية حتى يومنا هذا، فهل ذلك ينسجم مع الواقع؟

يقول أرثر كوستلر في كتابه إمبراطورية الخزر وميراثها القبيلة الثالث عشر، بأن الغالبية العظمى من اليهود المتبقين في العالم هم من أصل أوروبي شرقي، ومن أصل خزري، وإذا كان الأمر كذلك فإن هذا يعني أن أسلافهم لم يأتوا من وادي الأردن، وإنما من الفولجا، ولم ينحدروا من كنعان، وإنما من القوقاز، وهم يمثلون بداية الجنس الآري، وأنهم أوثق انتماء وراثياً إلى قبائل الهون (شعب مغولي مترحل سيطر على جزء كبير من أوروبا الوسطى والشرقية بقيادة أتيلا حوالي سنة ٤٥٠ م)، منهم إلى ذرية ابراهيم وإسحاق ويعقوب، فإن قضية إمبراطورية الخزر تنبثق ببطء من الماضي وتوشك أن تبدو كما لو كانت أقصى عمليات الخداع الذي يرتكبها التاريخ حتى الآن، وتنفي اكتشافات الانثروبولوجيا الطبيعية وجود جنس يهودي خلافاً للفكرة الشائعة؛ فالمقاييس الانتروبومترية (تبحث في مقاييس أعضاء الجسم الإنساني ونسبها) للجماعات اليهودية في أجزاء كثيرة من العالم، تدل على إنهم يختلفون عن بعضهم اختلافاً كبيرا، ًمن حيث الخصائص الجسدية المهمة "طول القامة، الوزن، لون الوجه، الدليل الرأسي، الدليل الوجهي، فصائل الدم"، وهناك اتفاق عام أن مقارنة نِسب أبعاد الجمجمة وفصائل الدم ... الخ، تظهر تماثلاً بين اليهود وغيرهم من الشعوب المضيفة لهم أكثر مما تظهره من تماثل بين اليهود الذين يعيشون في أقطار مختلفة، كما نلاحظ إنه لا يوجد اختلاف بيولوجي لافت للنظر بين الفلسطينيين والعرب ومن يدينون لليهودية في المنطقة العربية.

في سنة ٧٤٠ م اعتنق ملك الخزر وبلاطة والطبقة العسكرية الحاكمة الدين اليهودية، وصارت اليهودية دين الدولة عندهم، حيث شغلت دولتهم (وهم شعب من اصل تركي) موقعاً استراتيجياً على المعبر الحيوي الواقع بين البحر الأسود وبحر قزوين، وكانت بلاد الخزر أول دولة إقطاعية في أوروبا الشرقية، وكانت على مستوى الإمبراطورية البيزنطية والخلافة العربية، ويرى الأثري والمؤرخ السوفييتى ارتامونوف والمؤرخ الأمريكي دنلوب (لولا الخزر لكانت بيزنطة معقل الحضارة الأوروبية في الشرق ستلقى نفسها محاصرة بواسطة العرب، وربما كان التاريخ اتخذ مساراً آخرًا). ويقول ديميتري أبالوسكي أستاذ التاريخ الروسي في جامعة أوكسفورد (إن ما أضافه الخزر بشكل أساسي إلى تاريخ العالم هو نجاحهم أن يقيموا من سلسلة جبال القوقاز عقبه تصد انقضاض العرب الزاحف من الجنوب). أي إننا نلاحظ أنه لا يوجد أصل قومى واحد لليهود، وأن ظواهر الاندماج أو الانصهار أو الانعزال بين اليهود قديمة قدم ظهور العبرانيين في التاريخ، فاندمجوا في التشكيلين الحضاريين الإسلامي والمسيحي، وقد تحدث يهود العالم العربي اللغة العربية، واشتغلوا بمعظم المهن والحرف، وتأثر تراثهم الديني بالفكر الإسلامي، وبعد انهيار إمبراطورية الخزر المتهودة في القرنين الثاني والثالث عشر، توطن يهود الخزر بعد هجرتهم في مناطق أوروبا الشرقية، وخصوصاً في روسيا وبولندا، حيث وجدت فيهما فجر العصر الحديث أكثر تجمعات اليهود واعتماداً على ما جاء في مادة إحصائيات في الموسوعة اليهودية، فإن جملة عدد يهود العالم في القرن السادس عشر ميلادي بلغ حوالي مليون نسمة، وأن أغلب من اعتنق اليهودية في العصور الوسطى كانوا من الخزر، وأنهم استعملوا اللغه اليادية (الايديش)، وهي خليط بين العبريه وألمانية العصور الوسطى، وتحديداً من المناطق الشرقيه المجاورة للحزام السلافى لأوروبا الشرقية، ومكونات سلافية وغيرها. ووفقاً لأول تعداد رسمي شامل أجري عام ١٨٩٧ كان هناك ١٢٨٩٤ يهودياً تقريباً يعيشون في الإمبراطورية القيصرية التي كانت تصم بولندا، وقد أفاد ٩٦٦٦ منهم أن التركية هي لغتهم الأم (لغتهم الخزرية الأصل) فيما أفاد ٢٦٣٢ شخص بأنهم يتكلمون الروسية، و ٣٨٣ شخص يتكلمون الإيديه. ويقول عالم الدراسات التركية المعاصر زاخاركوفسكي: أن القرائين من الناحية اللغوية هم أصدق الممثلين الحاليين للخزر القدامى، أما في العلم الغربي فكان وضع اليهود متميزاً؛ إذ شكل فيه اليهود جماعة وظيفية وسيطة تضطلع بوظائف لا يقوم بها أعضاء أغلبية المجتمع، وتحتفظ بعزلتها لضمان قيامها بهذه المهن، أي بمعنى أن الجماعات اليهودية باندماجهم في محيطهم الحضاري أو انصهارهم أحياناً، أو انعزالهم عنه أحياناً أخرى، لا يختلفون عن بقية أعضاء الأقليات والجماعات الإثنية أو عن بقية البشر.

فكما هو دارج –ودون الخوض في مسألة صحة الأمر من عدمه-، يرجع لفظ السامية إلى سام ابن سيدنا نوح الوارده في التوراة "سفر التكوين ١:١٠"، أما يهود الخزر كما يقول ملكهم يوسف في رده على رسالة حسداي بن شبروط ( والذي كان بمثابة وزير خارجية بلاط عبد الرحمن الثالث في قرطبة في النصف الثاني من القرن العاشر ميلادي)، فهو يرجع بسلالتهم ليس إلى سام وإنما إلى يافت الابن الثالث لنوح، أو بمزيد من التحديد إلى نوجرمه حفيد يافت وهو الجد الأعلى لكل القبائل التركية، ويؤكد الملك يوسف باعتزاز: "لقد وجدنا بالسجلات العائلية لأبائنا أن نوجرمه كان له عشرة أبناء ونحن أبناء خزر سابعهم".

ونستطيع القول هنا، أن جزيرة العرب هي مهد الجنس السامي، فقد عاشت فيها الشعوب التي نزحت فيما بعد إلى الهلال الخصيب، وهذه الشعوب مع تعاقب الأجيال، توسعت وانتشرت إلى أمّم البابليين والآشوريين والفينيقيين والعبرانيين، ومن هذه المنطقة نشأت العناصر الأصلية للديانة اليهودية، وبالتالي المسيحية ومن ثم الإسلام، وهذه الديانات الثلاث ليست إلا نتاجاً لحياة روحية واحدة، هي الحياة السامية.

إن البابليين والكلدانيين والحيثيين والفينيقيين شعوب كانت ثم زالت، أما العرب فإنهم كانوا وما زالوا، والعرب الآن هم الأكثرية المتبقية من العرق السامي، ولقد احتفظوا أكتر من غيرهم بالمميزات الطبيعية والخاصيات العقلية لهذا العرق. أما لغتهم فعلى الرغم إنها أحدث اللغات الساميه آداباً، فإنها قد احتفظت بخصائص اللسان السامي الأصلي، ومن هنا كانت اللغة العربية أفضل مدخل لدراسة اللغات السامية. يقول أرثر كوستلر إنه إذا صارت القضية على هذا النحو، ألا يصبح مصطلح معادة السامية خاوياً من المعنى، وهو المصطلح الذي قام على سوء الفهم الذي اشترك فيه القتلة وضحاياهم؟!

لم يعانِ اليهود الصهاينة من مشكلة معادة السامية نفسها، بل كانوا في حالة هرتزل وحاييم وايزمن يزعمون على وجه الدقة إنهم يتفهمون معاداة السامية، ويتعاطفون معها، وهرتزل نفسه مؤسس الحركة الصهيونية، هو الذي تفوه بأشد أنواع كره الذات ومعاداة السامية (لأنه غير سامي)، حيث لاحظ أن معاداة السامية ردة فعل على النواقص التي يتصف بها اليهود. من هنا نحن نعارض الصهيونية فكراً وعملاً دون أن نقع فى التحيز ضد اليهود بصفتهم الدينية.

لم يكن هم الصهاينة إلا الاستحواذ على الأراضي العربية، حيث يقول ايلان بابيه عام ١٩٤٨ هو المسار الطبيعي للأيديولوجية الصهيونية، إنه لا يوجد استيطان ناجح بدون تطهير عرقي، وذلك بطرد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين وتشريد بلد كامل بمنهجية. ويقول كيف ممكن لليهود بعد ثلاث سنوات من الهلوكوست بهذه الوحشية؛ ككقتله وُمشردي شعب وسارقي أرضه في ظل صمت المجتمع الدولي، الذي اتخذ قراراً من الغالبية في أوروبا للتكفير عما فعلته أوروبا بحق اليهود: الحل بسيط هو اغتصاب فلسطين.

وفى الختام، نجد أن الشعب الفلسطيني هو ضحية الحرب العالمية الأولى واتفاقيه سايكس بيكو ووعد بلفور والحرب العالمية الثانية -التي كانت تجري بين القوى الاستعمارية الأوربية-، وأن الصهيونيه فكراً وممارسة بما أوقعته من شقاء ومعاناة وقتل وتهجير وتشريد لشعب فلسطين ربما تكون أكثر أشكال معاداة السامية عمقاً وتجذراً فى الأرض اليوم. إن مصطلح معاداة السامية يجب أن ينطبق على كل من يدعم دولة إسرائيل والحركة الصهيونيةالتى تتنكر لحقوق الشعب الفلسطينى وفي مقدمتها حقه في الحرية والاستقلال والعودة وتقرير المصير.

المراجع:

١- عبد الوهاب المسيرى: موسوعة اليهود واليهودية الصهيونيه _ المجلد الأول.

٢_ فليب حتى وآخرون: تاريخ العرب- الطبعة الحادية عشر.

٣_ سمير صالح: دوائر الخراب الاستشراق والعنصرية الصهيونية - الطبعة الأولى.

٤_ آرثر كوستلر: امبراطورية الخزر وميراثها القبيلة الثالثة عشر.