Menu

نحو يوم الأرض الخالد

فلسطينيو الداخل بين استثناء أوسلو وترانسفير صفقة القرن

سليمان أبو إرشيد

نشر هذا المقال في العدد الأخير من مجلة الهدف الرقمية

أعادت مسألة الترانسفير لمنطقة المثلث، التي وردت في صفقة القرن، فلسطينيي الداخل إلى صلب القضية الفلسطينية بعد أن اعتقد هؤلاء أن أمرهم قد قضي في أوسلو، الذي أخرجهم من دائرة حل القضية الفلسطينية. وبينما رفضت اتفاقيات أوسلو حتى الاعتراف بأسرى الداخل أسوة بسائر الأسرى الفلسطينيين، الذين سرت عليهم اتفاقيات الإفراج وما زال بعضهم يمضي في السجون منذ عقود، فإن صفقة القرن أجازت مبادلة مئات الآلاف منهم باعتبارهم فلسطينيين بمئات آلاف المستوطنين في إطار التعديلات الحدودية وملاءمتها للواقع الديمغرافي. وإن كان استثناء فلسطينيي الداخل من الحل في أوسلو، قد اعتبر من قبلهم بمثابة تنازل أو تخلي فلسطيني عنهم، فإن إدراج المثلث في صفقة القرن هو "تنازل وتخلي إسرائيلي" ودليل ملموس على أن "الهوية الإسرائيلية" التي يحملونها لا تشكل حماية لهم من مخططات الترانسفير والتهجير المستقبلية. ويشكل فلسطينيو الداخل الباقية الباقية الناجية من عمليات التهجير والتطهير العرقي التي مارستها الصهيونية خلال نكبة 48، والجزء الباقي في الوطن الذي أقامت عليه دولتها على أنقاض الشعب الفلسطيني.

ورغم اضطرار إسرائيل لمنح هذه البقية الباقية الهوية الإسرائيلية بغية الحصول على الاعتراف الدولي بدولتها التي أقيمت على 78% من مساحة فلسطين التاريخية، فإنها فرضت عليهم الحكم العسكري ومنعتهم من الدخول والخروج من قراهم ومدنهم سوى بتصريح حتى عام 1966. ونجحت إسرائيل خلال تلك الفترة في ضبط الحدود الخارجية والداخلية، عبر التحكم بحركة الفلسطينيين وتنقلاتهم وتسهيل الاستيلاء على "أملاك الغائبين"، الذين جرى تهجيرهم عام 1948 وعلى أملاك "الغائبين الحاضرين"  ممن نزحوا عن قراهم ومنعوا من العودة إليها رغم بقائهم داخل البلاد.

وبالأرقام، فقد استولت إسرائيل على 4 ملايين و600 ألف دونم من الأرض الفلسطينية، كما صادرت في الخمسينيات والستينيات مناطق واسعة في الجليل والمثلث بلغت مساحتها مليون و400 ألف دونم من الأرض، إضافة إلى مصادرة 700 الف دونم في النقب.

الحكم العسكري كأداة سيطرة:

إلى جانب مصادرة الأرض وتدمير القرى الفلسطينية المهجرة والاستيلاء على الممتلكات والعقارات في المدن الفلسطينية التي جرت تحت ظلاله، فقد تولى الحكم العسكري مسألة التحكم بتفاصيل حياة المواطن العربي الفلسطيني، فهو صاحب القرار النهائي المتعلق بشؤون العمال والفلاحين وأصحاب المهن والتجار والمثقفين، وصاحب الحل والربط في شؤون التعليم والخدمات الاجتماعية، وهو الوكيل على تسجيل السكان والولادات والوفيات والزواج والطلاق، ناهيك عن شؤون الأراضي وتعيين المعلمين والموظفين وإقالتهم، وهو يقوم بدور الضابط في شؤون الأحزاب السياسية والنشاط السياسي والاجتماعي وشؤون المجالس المحلية والبلدية.

ويمكن القول، أن الحكم العسكري نجح بتحقيق ثلاثة أهداف وضعتها له إسرائيل، هي تسهيل عمليات مصادرة الأراضي، التدخل في الانتخابات البرلمانية للكنيست والمجالس البلدية لصالح حزب 'مباي' الحاكم، ومنع نشوء أو إقامة أية حركة سياسية فلسطينية مستقلة، وفي هذا السياق جرى منع حركة الأرض التي أقيمت في ستينيات القرن الماضي وتم زج قادتها في السجون.

يوم الأرض 1976:

كانت الأرض وما زالت محور الصراع الأساسي بين فلسطينيي الداخل والمؤسسة الإسرائيلية، التي ما زالت تواصل حتى اليوم مخططات نهب ما تبقى من أراضٍ فلسطينية في الجليل والمثلث والنقب وزرعها بالمستوطنات، حيث ما زالت تلك المناطق التي تسكنها أغلبية فلسطينية تشكل هاجسًا ديموغرافيًا يقض مضاجع الدولة العبرية. وقد حظيت منطقة الجليل التي تمتد من حدود لبنان وحتى مرج بن عامر، وتبلغ مساحتها مليون ونصف دونم، عشية يوم الأرض 76 بـ "اهتمام" تلك الدوائر ومخططاتها التهويدية، وجاء في نص "مشروع تهويد الجليل" الذي كشف عنه عشية يوم الأرض 76، "أن القضية الخاصة بالجليل هي قلة السكان اليهود بالنسبة لغير اليهود (العرب) الذين يؤلفون 70% من مجموع السكان"، وبلع عدد السكان غير اليهود (العرب) سنة 1973 في الجليل 147 ألفًا مقابل 62 ألف يهودي، بينما سكن في أطراف الجليل، كما ورد في المشروع، 40 ألفًا من غير اليهود (العرب) في ضواحي عكا وطمرة وشفاعمرو".

أما أهداف المشروع فتمثلت بـ:

  1. تغيير الوضع الديمغرافي الراهن بين السكان اليهود وغير اليهود بواسطة مشروع تطوير طويل الأمد.
  2. تحويل إقليم الجليل الجبلي إلى منطقة ذات أغلبية يهودية.
  3. ضمان توزيع صحيح للسكان اليهود في الجليل.
  4. تعزيز اقتصاد السكان الموجودين فيه (اليهود) والذين سينضمون إليهم في المستقبل.

ويمتد المشروع على مرحلتين: المرحلة الأولى حتى سنة 1980، والمرحلة الثانية حتى سنة 1990، ويشمل إقامة ثماني قرى صناعية، اثنتين منها في الجليل الغربي واثنتين في مجموعة مستوطنات سيجف واثنتين في منطقة حزون؛ الأمر الذي يعني مصادرة آلاف الدونمات العربية.

وكترجمة فعلية لهذا المشروع، قامت السلطات بإغلاق قسم كبير من أراضي منطقة "المل" التابعة لسخنين وعرابة ودير حنا، والمعروفة بالقاموس العسكري الإسرائيلي بالمنطقة 9، وذلك تمهيدًا لمصادرتها، كما شرعت بإجراءات مصادرة 45000 دونم من أراضي الناصرة وعين ماهل والمشهد والرينة وكفركنا، بغية توسيع مسطح مستوطنة "نتسيرت عليت".

تشكيل لجنة الدفاع عن الأراضي:

بتاريخ 29/7/1975 عقد اجتماع تشاوري في حيفا بحضور سياسيين ورجال فكر وثقافة من مختلف الاتجاهات والمشارب، لبحث مخططات الجديدة لمصادرة الأراضي وتقرر في ختام الاجتماع تشكيل لجنة مبادرة للدفاع عن الأراضي والدعوة لاجتماع موسع بتاريخ 15/8/1975، ومن ثم عقد مؤتمر شعبي للدفاع عن الأراضي.

المؤتمر عقد بتاريخ 18/10/1975 وانبثقت عنه رسميًا لجنة الدفاع عن الأراضي التي أعلنت الاضراب في يوم الأرض وقادت معركة الدفاع عن الأرض لاحقًا. وقد تشكلت سكرتارية اللجنة في حينه من: القس شحادة شحادة، صليبا خميس، المحامي حنا نقارة، المحامي محمد ميعارين، مسعد قسيس، رئيس مجلس محلي معليا، محمد محاميد، رئيس مجلس محلي أم الفحم، عبد الرحيم يحيى، رئيس مجلس محلي الطيبة، يوسف نسيب حيدر، رئيس مجلس محلي البقيعة، المحامي حبيب أبو حلو، والدكتور انيس كردوش.

وكان المؤتمر الشعبي للدفاع عن الأراضي الذي شارك به الآلاف وعقد في الناصرة، هو أكبر مؤتمر عقده الفلسطينيون داخل الخط الأخضر، وقرر المؤتمر إعلان الاضراب العام والشامل إذا لم تتراجع حكومة إسرائيل عن خطة مصادرة الأراضي، وانبثقت عنه اللجنة الشعبية، ربما تكون الوحيدة في تاريخ نضال الجماهير الفلسطينية داخل "إسرائيل"، من حيث شموليتها واستعدادها الكفاحي.

وعشية يوم الاضراب، أي ليلة 29-30/3/76 كانت الدبابات الإسرائيلية تطوق قرى سخنين، عرابة ودير حنا التي سميت لاحقًا مثلث يوم الأرض وتفرض حظر التجول على سكانها الذين كسروا الحظر وخرجوا يهتفون "بالروح بالدم نفديك يا جليل"، "بالروح بالدم نفديك يا فلسطين"؛ هتاف تعمد بدماء شهداء يوم الأرض الستة الذين سقطوا في سخنين وعرابة وكفركنا والطيبة، وكسر صمت ثلاثة عقود، وشكل إعلانًا عن فشل سياسات القمع والاضطهاد والحكم العسكري في تبديد الهوية الفلسطينية لهذا الجزء الحي من الشعب الفلسطيني.

الأرض والهوية:

اعتبرت هبة يوم الأرض 76 انتفاضة غضب اعتمل في الصدور على مدار ثلاثة عقود ماضية، وشكلت نقطة تحول، ليس في علاقة هذه الجماهير مع المؤسسة الإسرائيلية فقط، بل والاهم في علاقتها مع ذاتها، حيث اعتبرت تمردًا على سنوات التردد والخوف، وخروجًا للمارد من القمقم الذي حبس فيه.

 ولاقت هذه الانتفاضة ترجماتها مباشرة في تعاظم دور وهيبة القوى الوطنية و"تكسير ما عرف بعكاكيز السلطة والقوائم المرتبطة بأحزابها، وبروز تيارات وطنية فلسطينية المضمون والملامح مثل حركة أبناء البلد والحركة التقدمية لاحقًا، وتشكل عشرات الأطر والجمعيات والمؤسسات الوطنية المحلية والقطرية وعلى رأسها اللجنة القطرية للسلطات المحلية العربية ولجنة المتابعة.

وبدون شك، فإن يوم الأرض 76 يعتبر محطة هامة في إعادة تشكيل الهوية الوطنية الفلسطينية للعرب في منطقة 48 وتجسيدها العملي، بما يستجيب ويتوافق مع المد الوطني الفلسطيني في مختلف الساحات وتعاظم شأن الثورة الفلسطينية بين تجمعات الشعب الفلسطيني في مختلف المواقع.

والحال كذلك، لا غرابة أن يرفرف العلم الفلسطيني في سماء الجليل والكرمل والنقب والمثلث في مهرجانات ومسيرات يوم الأرض اللاحقة، تعبيرًا عن البعد الوطني للصراع على الأرض، وتحديًا لمحاولات الأسرلة وتبديد الهوية، وتأكيدًا للانتماء الوطني لهذا الجزء من الشعب الفلسطيني.