Menu

"صفقة القرن" والصراع في تونس بين التطبيع ومناهضته

منجي مقني

نشر هذا المقال في العدد 12 من مجلة الهدف الرقمية

منذ أكثر من قرن، أي منذ وعد بلفور يعمل أعداء الأمة جاهدين على تصفية قضية فلسطين، بواسطة مشاريع التسوية والاستسلام، ولكن مر قرن والقضية حية في الوجدان؛ كأكثر ما يكون، لم تزدها صفقة القرن، إلا عدالة وتأججًا واشتعالًا.

"طعنة القرن" ومحاولة إنهاء قضية فلسطين العادلة

ظنت الإدارة الأمريكية أن الفرصة مواتية بعد أن أنهكت المنطقة بمؤامرة "الربيع العربي"، وبالحروب الأهلية لإشغال القوى الوطنية المقاوِمة وإجبارها على الدفاع عن وجودها،  فأخرجت لنا كالحاوي من أدراج مخططيها العباقرة مشروعًا من 180 صفحة تحت عنوان "السلام على طريق الازدهار"، عُرف بصفقة القرن التي أعلنها ترامب رسميًا يوم 28/1/2020، وينص المشروع على تسليم فلسطين "نهائيًا" للصهاينة وإنهاء حلم الدولة الفلسطينية بتهجير الفلسطينيين من الدولة اليهودية النقية أو إبقائهم في نقاط مشتتة، لا مقوم حياة لها خارج الارتباط بالكيان الصهيوني، ممزقة بالمستوطنات التي تضم ما يقرب من مليون مستوطن على كامل الضفة، وتسليم القدس كاملة عاصمة للصهاينة، وإنهاء قضية اللاجئين بتوطينهم في دول الشتات أو تهجيرهم لشتات أبعد بإغراءات "مسيلة للعاب".

ومن بنود المشروع إنهاء المقاومة وتجريمها ونزع سلاحها، وخاصة في غزة التي ستتحول إلى "سنغافورة الشرق الأوسط"، حسب صفقة القرن وإنهاء كل البرامج والمناهج المدرسية والكتب "التي تحض على الكراهية أو المعاداة لجيرانهم وتشجيع الأعمال  الإجرامية.."، ووضع اليد على الأماكن المقدسة بما فيها المسجد الأقصى تمهيدًا لهدمه. ويُعتمد لتمرير الصفقة سلاح التطبيع مع الكيان الصهيوني لتلطيف الاستسلام وتسهيل ابتلاعه.

"الربيع العربي" وفسح المجال لصفقة القرن

مهدت الإمبريالية الأمريكية لتمرير الصفقة بإطلاق "الربيع العربي" تحت يافطة "ثورات شعبية" و"إشاعة الديمقراطية" و"توفير التشغيل للشباب".. وتم في خطوة أولى وبعد ضرب العراق استبدال النظامين القائمين في تونس و مصر لتوفير المناخ الحاضن – المتعاون وغير الممانع- الضروري للإطاحة بالنظام الوطني في ليبيا ومن ثم استهداف سوريا وفتح الباب لتهديد أمن واستقرار الجزائر. تم ذلك بتمويل الأنظمة الخليجية وإعلامهم الكاذب، وهي أنظمة لا علاقة لها لا بالديمقراطية ولا بحقوق الإنسان، وبعد نجاح الفصل الأول من "التغيير"، تم الانتقال إلى تفكيك الأنظمة الوطنية لإسقاطها وفسح المجال أمام أنظمة عميلة تنفذ الأوامر الأمريكية، وهكذا ظهر للعلن التحالف الأمريكي الجديد مع الإخوان كرأس حربة في المشروع الإمبريالي الصهيوني الجديد.

كانت تونس نقطة الانطلاق لهذا المشروع الخبيث، حيث استُغـلـت الأوضاع الاجتماعية المتفجرة ونقمة الجماهير واحتجاجاتهم ليتم توجيهها في سيمفونية متناغمة للوصول للهدف المنشود، وحدثت الإرهاصات لتحديد النظام السياسي "الجديد"، الذي كان تحالفًا لأطراف "الترويكا" وعلى رأسها النهضة والمرزوقي وكل من سار على نهجهما، نظامًا لا يضع في اعتباره إلا مصالحه الخاصة والولاء للخارج والرضى الأمريكي واحترام تعليمات صندوق النقد الدولي وعدم خرق الخطوط الحمراء المرسومة له؛ كشرط للتواجد في السلطة، وأهمها شطب أي توجه يمت بصلة لمحاربة الكيان الصهيوني.

استجداء "الأيباك" ورفض أي نص يجرّم التطبيع

دشن زعيم حزب النهضة في تونس راشد الغنوشي هذه الحقبة بزيارته سنة 2011 إلى الولايات المتحدة وإلقاءه خطابًا أمام "لجنة الشؤون العامة الأمريكية – الإسرائيلية" الصهيونية، مؤكدًا على العموميات التطبيعية كـ"التعايش" و"حرية الأديان" وغيرها.

منذ ذلك الوقت، وقفت حركة النهضة وحلفاؤها ضد إدراج بند في الدستور التونسي الجديد يجرِّم التطبيع، وكانت الحجة عدم جواز وضع ذلك في الدستور، بل يكفي سن قانون ينص على ذلك، والآن ترفض النهضة بكل شدة ميلاد هذا القانون احترامًا للخطوط الحمر الأمريكية – الصهيونية للبقاء في السلطة.

الحج للمعبد اليهودي أحد الطقوس الملزمة للمسؤولين التونسيين

مظهر آخر من مظاهر تقديم أوراق الاعتماد لدى الأسياد، هو الزيارة التي يؤديها معظم المسؤولين لـ"الغريبة" بجربة، وهو معبد يهودي قديم ويزور هؤلاء هذا المكان بغطاء "التسامح" و"التعايش بين الأديان" واحترام "الجالية اليهودية في تونس"، ولكن الحقيقة هي استرضاء اللوبي الصهيوني لأن "الغريبة"، والحج السنوي لها في شهر خمسة من كل عام أصبح غطاء للتطبيع ومجيء صهاينة حاملين الجنسية "الإسرائيلية"، وإن كانوا من أصل تونسي. ولم تهدأ "النهضة" التي أسهمت في تشكيل كل الحكومات منذ 2011، إلا بعد أن أقحمت الصهيوني روني الطرابلسي سليل هذه الطائفة اليهودية وزيرًا للسياحة في حكومة الشاهد؛ بحجة إنقاذ الموسم السياحي، حيث شهدت زيارة "الغريبة" في 2019 فضيحة كبرى، بزيارة أحد الوفود "اليهودية" أماكن عدة، منها المرور أمام البيت الذي تم فيه اغتيال الشهيد خليل الوزير سنة 1988، في سيدي بوسعيد وهم يغنون ويرقصون.

وحتى وإن تم إبعاد روني الطرابلسي من الحكومة الحالية، فقد تم استبداله بعد الحملة التي شنت عليه بسبب التطبيع بوزير كان رئيسًا للجامعة التونسية لوكالات الأسفار التي لم تبدِ أي احتراز من الرحلات القادمة من الكيان الصهيوني أو من الوافدين بجوازات صهيونية.

الرئيس الجديد بين التصريحات النارية والواقع المر

الرئيس الجديد الحالي ورغم التصريحات القوية حول قضية فلسطين، فقد أدى الشهر الماضي الزيارة "الواجبة" للغريبة، وبعد أن صرح في حوار تلفزي في 30 جانفي/يناير 2020 أن "صفقة القرن هي مظلمة القرن" و"التطبيع خيانة عظمى" و"فلسطين ليست ضيعة أو بستانًا حتى تكون موضوعًا لصفقة"، بعد هذا التصريح الناري بأيام تم عزل مندوب تونس لدى الأمم المتحدة المنصف البعتي، الذي أعد مشروعًا لمجلس الأمن، الذي تتمثل فيه تونس كعضو غير دائم، وكان المشروع ينص على إدانة صريحة لصفقة القرن، ولكن قبل عرضه وبعد إطلاع كوشنر عليه، سُلـِّـطت كل الضغوط على الدولة التونسية لإلغائه؛ فسُحب المشروع وأُقيل البعتي بحجج واهية، واستُبدل بمندوب آخر وبيان آخر لا يخرج عن العموميات الغامضة؛ مثل "التعبير عن القلق"  وعن "الحل العادل" و"القرارات الدولية" التي مجتها الأسماع والتي تتجنب إغضاب الأمريكي.

محاولات التطبيع الرياضي

تتعدد مظاهر التطبيع، حيث تتتالى المحاولات لتمرير أي مكسب تطبيعي يعمل خاصة على التأثير في الشباب بواسطة الرياضات، وبالخصوص الفردية منها، وكان آخرها المقابلة التي جمعت أُنـْس جابر لاعبة التنس التونسية المصنّـفة في مرتبة متقدمة عالميًا، مع لاعبة صهيونية، حيث أسفرت الصراعات المحمومة في الأوساط الرياضية والدبلوماسية قبل المقابلة، عن غلب المطبعين وإجراء المقابلة لاستغلال شعبية أُنس جابر لدى الشباب لتمرير التطبيع.

علماً أن الوزير الجديد المكلف بالشباب والرياضة والمنتمي للنهضة، والذي كان رئيسًا لجامعة التكواندو التونسية، سبق أن دافع على حضور لاعبِين صهاينة في هذه الرياضة، في بطولة التكواندو التي انعقدت سنة 2018 بمدينة الحمامات بتونس، ولولا رفع بعض الشرفاء لقضية عدلية لدى المحكمة، والتي قضت بمنع هؤلاء اللاعبين الصهاينة، الذين ينحدرون من الجيش الصهيوني من الحضور لنجح الوزير الحالي في الحصول على بطاقة متقدمة في التطبيع.

محطات من التطبيع الثقافي

تتجلى مظاهر أخرى للتطبيع في تونس في المجال الثقافي، الذي يحتل مكانة حساسة لدى الشباب خاصة؛ إذ تتكرر زيارات "فنانين" للغناء في الكيان الصهيوني بحجة الترفيه عن "الجالية التونسية" هناك، والحقيقة أنه لهث وراء الدولار ووراء فتح أبواب "الجنة" تقربًا من اللوبي الصهيوني. وآخر الحفلات أقامها المغني محسن الشريف في الكيان الصهيوني في فيفري/شباط الفارط.

كما أن المجال السينمائي مدخل دائم لإيجاد الثغرات التطبيعية، وقد شاركت وزيرة الثقافة الحالية، حين كانت مديرة في وزارة الثقافة بالمساعدة على تمويل فيلم بالتعاون مع الصهيونية دومينيك فيلاسكي، بما يعادل 100 ألف دولار من المال العام. كما شاركت وزيرة الثقافة الحالية في مهرجان نَانْت للقارات الثلاث (أوروبا، آسيا،إفريقيا)، حيث نَظمت ورشة تكوين للسينمائيين الشبان الصهاينة، تمكنهم من الالتقاء بسينمائيين عرب شباب من بينهم تونسيون.

مواقف جريئة في وجه التطبيع

إن هذا النهج الذي دأبت عليه الأحزاب التي تمكنت من السلطة منذ 2011، إرضاء للأسياد الخارجيين وللحفاظ على المصالح الضيقة بعيدًا عن السيادة الوطنية، وعن القرار الوطني المستقل، وعن الاعتماد على الذات للخروج من الإملاءات التدميرية، إن هذا النهج لا يخفي نضال القوى الوطنية المناهضة للتطبيع، والتي وقفت بصلابة في كل المحطات المفصلية، وآخرها المسيرات العارمة التي شهدتها عدة مدن تونسية ضد "صفقة القرن"، والتي أسهمت فيها أحزاب وجمعيات وطنية وخاصة الاتحاد العام التونسي للشغل.

وعلى المستوى الفردي يمكن إبراز بعض المحطات المضيئة المناهضة للتطبيع مثل رفض اللاعبة عزة بسباس إجراء مقابلة مع صهيونية في مُنديال المبارزة بالسيف المقام في إيطاليا في 2011. كذلك رفض مالك الجزيري اللعب مع صهيوني في الدور ربع النهائي لبطولة التنس في 2013، وكذلك رفض الطفل محمد حميدة (10 سنوات) الالتقاء مع لاعب صهيوني في بطولة العالم للشطرنج في رومانيا في 2016. وفي سنة 2017 رفض الحَكَم الدولي محمد علي الشريف التحكيم في مبارات كاراتي أحد طرفيها صهيوني.

محطات مقبلة من المعركة ضد التطبيع

ما زالت محطات الصراع القادمة متعددة وجب شحذ اليقظة لمواجهتها ومنها:

  1.  الإعداد لإشراك لاعبة صهيونية في الدورة الدولية للتنس بتونس في شهر أفريل/نيسان القادم (عن صحيفة "الشعب" التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل المعروف بمناهضته للتطبيع والمستهدف بالتسرب إليه وإبعاد قياداته ونهجه - عدد 13/2/2020).
  2.  تصريح إيلي الطرابلسي رئيس الجالية اليهودية بتونس؛ أنه لا يجب أن تمس الإجراءات الاحتياطية الخاصة بكورونا بزيارة "الغريبة"، مؤكدًا أن "الكورونا لا تصيب الأوفياء".. فهي على ما يبدو كورونا صهيونية.
  3.  فتح الأبواب أمام البضائع الفلاحية الصهيونية وغيرها، بموجب "اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق مع الاتحاد الأوروبي" التي يدور صراع حاد في تونس حول إمضائها مع الاتحاد الأوروبي، حيث تصبح تونس ملزمة بفتح الأبواب أمام البضائع الفلاحية والخدمات لكل أعضاء الاتحاد الأوروبي وأعضاء منظمة التجارة العالمية بما فيها الكيان الصهيوني.

وجوب فتح معركة السيادة الوطنية

إن مواجهة هذا التيار التطبيعي يتطلب تضافر جهود القوى الوطنية وتوحيد عملها دفاعًا عن السيادة الوطنية والقرار الوطني المستقل، وتلتقي هذه الجهود القيِّمة مع مختلف جبهات محور المقاومة في كل المواقع، والذي جعل صفقة القرن تترنح مثل واضعيها.