العجز عن بلورة موقف عالمى جماعى لمواجهة ما بات يعرف بـ "جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد – 19)" كما كشفته الجلسة الطارئة غير العادية التى عقدها مجلس الأمن الدولى عبر تقنية "الفيديو- كونفرانس" أكد، بما لا يدع مجالاً للشك، أننا نعيش الآن فى "عالم بلا قيادة" وليس فقط أننا نعيش فى "نظام عالمى بلا قيادة". فالنظام العالمى الذى كان يحكم العالم آخذ فى التداعى، ليترك العالم فى حالة " من اللا نظام" بعد أن تساقطت القيم والمبادئ ومعايير الأداء التى ظلت تحكم النظام العالمى الذى تأسس عقب نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 وكان من أهم نتائجها ظهور هذا النظام العالمى بالميثاق الذى تم التوافق عليه لهيئة الأمم المتحدة وما يتضمنه من قيم ومبادئ تنادى بالسلام والتعاون الدولى والحفاظ على السلم والأمن الدوليين.
جلسة الخميس الفائت (9/4/2020) التى عقدها مجلس الأمن بطلب من الأمين العام للأمم المتحدة "انطونيو جوتيريش" وما إنتهت إليه من مشاحنات وإخفاق جاءت بمثابة "نعى" لهذا الظام العالمى. وهى نتيجة تتطابق تماماً مع كل ما يرصده العلماء والخبراء والمتخصصون فى الطب والتكنولوجيا والاقتصاد والعلوم الاجتماعية بفروعها المختلفة وفى القلب منها العلوم السياسية من نتائج خطيرة للتداعيات، التى تجاوزت نطاق الاحتمال وأضحت شبه مؤكدة، والتى أخذت تفرض نفسها على العالم بسبب الانتشار المخيف لفيروس كورونا فى كافة أنحاء العالم والارتفاع المذهل فى أعداد المصابين والمتوفين، والأثمان الباهظة التى سوف يضطر العالم كله لدفعها من أجل التصدى لهذا الوباء. كل هؤلاء يؤكدون أن "عالم ما قبل كورونا قد إنتهى، أو هو فى طريق الإنتهاء، وأن عالم ما بعد كورونا سيفرض نفسه عاجلاً أم آجلاً". وهنا بالتحديد يجدر التساؤل: هل سيفرض نظام عالم ما بعد كورونا نفسه تلقائياً، أى بقوة الدفع الذاتية، أم أن هناك مسئوليات تقع على قوى بعينها ودول بعينها ومؤسسات ومنظمات وهيئات بعينها للقيام بهذه المهمة ، مهمة تأسيس النظام العالمى الجديد بعد كورونا، أى مستوعباً الدروس الهائلة التى سيستخلصها العالم حتماً من هذه النكبة العالمية؟
المشاحنات التى شهدتها جلسة مجلس الأمن جاءت لتؤكد "انفراط وحدة القيادة العالمية"، وذلك لأسباب كثيرة أولها عدم الخروج بأية نتائج من تلك الجلسة تخص الهدف الذى عقدت من أجله، باستثناء عبارة إنشائية جاءت بمثابة مجاملة للأمين العام، وثانيها، أن هذه المشاحنات جاءت صاخبة كانت بين الدول الكبرى الخمس دائمة العضوية فى مجلس الأمن: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا، أى بين القيادة الفعلية للنظام العالمى، وثالثها طبيعة هذه المشاحنات التى تركزت بين رئيسى وفد الولايات المتحدة والصين بشكل عبثى بسبب إصرار "كيلى كرافت" رئيسة الوفد الأمريكى على أن يتضمن أى بيان يصدر عن الجلسة تأكيد لما يتضمنه خطاب الإدارة الأمريكية من شعارات وتسميات واتهامات، وخاصة مفردات من نوع "الفيروس الصينى" و"الأصل الصينى للفيروس" بمعنى التركيز على تحميل الصين مسئولية تخليق هذا الفيروس وانتشاره، وليس التوافق على سياسة مواجهة للوباء الفيروسى الذى أضحى عالمياً أى أضحى "جائحة" ، وهذا ما رفضه بشدة نظيرها الصينى "رانج جون" الذى "طالب برفض جميع أعمال الوصم والتسييس" وأكد أن ما يحتاجه العالم الآن للتغلب على هذا التحدى العالمى هو "التضامن والتعاون والدعم المتبادل وليس تحويل جارك إلى كبش فداء".
ما كشفته هذه المواجهة من حقائق تخص الموقفين الأمريكى والصينى داخل جلسة مجلس الأمن، وما أكدته ممارسات الطرفين الأمريكى والصينى فى التعامل مع هذا الوباء العالمى وما صدر عن كبار المسئولين فى البلدين من تصريحات يؤكد جدية وجود انقسام عالمى يبدو ظاهرياً متركزاً حول "إدارة الصراع مع الوباء الفيروسى" (إن جاز التعبير)، ولكنه فى الحقيقة يدور حول انقسام فى القيم والرؤى والمبادئ، انقسام يصل إلى درجة الصراع بين مدرستين الأولى أمريكية- أوروبية، والأخرى صينية مدعومة من أطراف أخرى وبالذات روسيا ودول آسيوية ولاتينية، صراع قد يكون حضارياً ، ربما ليس بالشكل الذى سبق أن تحدث عنه عالم السياسة الأمريكى الراحل صموئيل هينتجتون، ولكنه فى جوهره يؤكد وجود مسارين متميزين للتأسيس لـ "عالم ما بعد كورونا"، المسار الغربى الذى تقوده الولايات المتحدة والمسار الشرقى الذى تقوده الصين.
تعامل الغرب الأمريكى- الأوروبى مع جائحة كورونا جاء وليد اعتبارات مصالح الطبقة الرأسمالية المعولمة التى تحكم العالم الغربى، وهدفها السيطرة والهيمنة بالعولمة على العالم، من هنا جاء حرصها على استثمار الجائحة لتخليص مجتمعاتها من أعباء اتفاق جماعى لم يعد مطلوباً بسبب ما يشكله من أعباء على مصالح تلك الطبقة الحاكمة ، لذلك سعت بتباطؤها ولا مبالاتها، بل وبلادتها المتعمدة فى التصدى للوباء الفيروسى، إلى إعطاء الأولوية للاقتصاد على حساب سرعة التصدى للوباء.
أما الصين وكوريا وماليزيا وسنغافورة و إيران وغيرها من الدول فتعاملت بمنظور آخر مختلف يعطى للإنسان كإنسان كل الأولوية ولو على حساب المكاسب الاقتصادية العاجلة، من هنا كان الإسراع فى فرض "الحجر الصحى" وتعطيل البلاد وتركيز كل الجهود للسيطرة على الوباء ومحاصرة انتشاره وإنقاذ حياة المرضى والمصابين دون تمييز ، ليس فقط بين المصابين داخل أوطانها بل وفى كل الأوطان والتأكيد على أن الانتصار على الوباء لن يكون إلا بالتضامن والجهود المشتركة وبناء "مجتمع عالمى له صحة عامة" على نحو ما دعا الرئيس الصينى تشى جين جيانج.
هل يمكن أن يراجع الغرب موقفه وأن ينصت إلى صوت العقل، انطلاقاً من الاقتناع بأن هذا الوباء، سوا كان من فعل تدمير الإنسان للطبيعة بأنانيته المفرطة أو كان "بفعل فاعل"، بات يشكل تهديداً للبشرية وللأمن والسلم الدوليين على حد تعبير الأمين العام للأمم المتحدة؟
من بين أصوات العقل التى أخذت تتردد هذه الأيام صوت "هنرى كيسنجر" عالم السياسة المرموق مستشار الأمن القومى ووزير الخارجية الأمريكى الأسبق الذى كان ومازال أحد أهم ركائز العقل الإستراتيجى الأمريكى.
يبدو أن الرجل، بعد كل ما وصل إليه من عمر (تجاوز عمره التسعين عاماً)، إنقاد مؤخراً إلى صوت الضمير وهو على مشارف توديع الحياة وقال كلمة حق كتبها فى صحيفة "وول ستريت جورنال" ربما لا ترضى حلفاءه بالطبقة الحاكمة الأمريكية، طالب فيها العالم، والولايات المتحدة بشكل خاص، العمل من الآن ضمن مسارين: أولهما مواجهة تفشى الوباء ومحاصرة تداعياته، والثانى "إطلاق مشروع للانتقال إلى عالم ما بعد كورونا". فى هذا المقال انتقد كيسنجر قادة العالم الذين يتعاملون مع الأزمة الناجمة عن الوباء "من منظور وطنى بحت" فى حين أن "تداعيات التفكك الاجتماعى المترتبة على تفشى الوباء لا تعترف بالحدود"، وأكد أنه "لا يمكن لأى دولة ، وإن كانت الولايات المتحدة أن تتغلب على الفيروس بجهد وطنى محض ، بل ينبغى وضع رؤية وبرنامج لتعاون دولى لمواجهة الأزمة" .
وهنا يتوافق كيسنجر مع دعوة الأمين العام للأمم المتحدة والجلسة التى عقدها مجلس الأمن وأفشلتها المندوبة الأمريكية، لكنه يزيد على ذلك بدعوة الإدارة الأمريكية العمل على ثلاثة مسارات: أولها تعزيز قدرة العالم على مواجهة الأمراض المعدية وذلك من خلال تطوير البحث العلمى، وثانيها، السعى الحثيث لمواجهة الأضرار التى لحقت بالاقتصاد العالمى جراء تفشى الوباء، وثالثها حماية مبادئ النظام الليبرالى.
هل يمكن أن تقبل إدارة دونالد ترامب ومعظم الحكومات الأوروبية بما يمكن وصفه "روشتة كيسنجر" لإنقاذ العالم؟ أم أن هذه "الروشتة" ستذهب أدراج الرياح لسبب بسيط هو أن التهديد الحقيقى للقيم والحضارة الغربية يكمن من داخل هذه الحضارة وليس من خارجها، أى أن التهديد للنظام الليبرالى يكمن من داخله، وهذا ما شددت عليه "مدرسة فرانفكورت" التى اكتشفت العلاقة بين الرأسمالية بتحولها إلى "ليبرالية معولمة" أو "للعولمة النيوليبرالية" ، وبين التدهور الثقافى فى الغرب، عبر تعريض دعائم ومفاهيم "الدولة – الوطنية" من الديمقراطية والحريات ومفهوم السياسة والقيم الأخلاقية للتداعى أمام جبروت الربح والمال والفعالية النفعية وتجاوزها لكل اعتبارات التعاون والتضامن والحفاظ على التوازن البيئى؟
سؤال فى حاجة إلى المزيد من البحث والتحليل.

