Menu

المشروع الوطني الفلسطيني بين مطرقة التصفية وسندان العجز وآفاق الكفاح الراهنة

خالد فهد

خاص بوابة الهدف

أصبح جلياً للعيان عمق الأزمة التي تعيشها الساحة الفلسطينية وقضيتها الوطنية، وهي أزمة ليست جديدة على أية حال، بدأت مع توقيع اتفاقات أوسلو التي أبرمتها القيادة الرسمية لمنظمة التحرير الفلسطينية مع "إسرائيل"، هذه الاتفاقات المصيدة التي أوقعت الحالة الفلسطينية رهينة في شراكها، وأدت لحالة من الخلافات والنزاعات الفلسطينية تُوجت بالانقسام المزلزل الذي ضرب الواقع الفلسطيني صيف 2007، وأدى لخروج قطاع غزة من نفوذ وإدارة السلطة الفلسطينية إلى سيطرة ونفوذ حركة حماس، ليتبع الانقسام السياسي انقسام بالجغرافيا الواحدة، أدى لحالة غير مسبوقة من العجز والضعف والهوان الفلسطيني.

حالةٌ تفاقمت أكثر في ظل الأحداث الكبرى التي عصفت بالمنطقة العربية منذ أواخر العام 2010 ولا زالت مستمرة، والتي تمظهرت بشكل نافر وتراجيدي بسلسلة من الحروب الداخلية المدمرة، لِتُجهِز على ما تبقى من بُنى وإمكانات ومقدرات هذه البلدان.

تلك الأحداث التي أدت إلى تفكك وانهيار النظام الرسمي العربي وذهابه بعيداً في تبعيته للنظام الاستعماري العالمي الجديد، التي تُعتبر أمريكا سيدته وزعيمته والصهيونية العالمية أحد أهم محركيه؛ لذا فإن طرح مشروح الخطة الأمريكية "للسلام في الشرق الأوسط" المسماة (صفقة القرن)، جاء في ظل أسوأ حالة يمر بها الفلسطينيون والعرب منذ فجر استقلالهم عن النظام الاستعماري القديم في أواسط القرن الماضي حتى يومنا هذا، والسؤال الذي ينبغي على الفلسطينيين الإجابة عليه راهناً هو.. ما العمل في ظل المأزق القائم؟!! وما هي السبل الكفيلة بإفشال صفقة القرن والحؤول دون تنفيذها في ظل الحالة المزرية التي نعيشها وفي ظل معطيات الواقع الفلسطيني التي تشير إلى التالي:

1- استمرار الانقسام الفلسطيني، حيث أصبح من شبه المؤكد أن لا نيّة لدى طرفيه بإنهائه ووضع حد له، حتى في ظل البدء بتنفيذ مشروع التصفية.

2- سلطة فلسطينية غير جادة بمواجهة الصفقة بشكل عملي وبخطة وطنية مناهضة لها في الميدان، تجمع طاقات الفلسطينيين وتوحدهم في مواجهتها، وهذه السلطة تعيش حالة مستفحلة من العجز والخنوع وقلة الحيلة، وهي أساساً لم تُبنَ على أنها جزء من مشروع كفاحي طويل، إنما بُنيت لتكون جزءاً من مشروع تسوية وتسوية فقط، على أساس استراتيجية قائمة على المفاوضات والمفاوضات فقط، في ظل مزيد من التطرف والتعنت والتغول الإسرائيلي.

3- تنظيمات وفصائل نخرتها الأزمة وتمكنت منها وباتت شبه مشلولة في ظل ظروف محيطة قاسية وقاهرة.

4- لا نيّة جدية لدى حماس بالتنازل عن سلطتها في غزة لصالح كيان فلسطيني لا تلعب فيه دوراً مركزياً، وهذه الشهوة للسلطة تلقى تشجيعاً ورعاية أمريكية وإسرائيلية وعربية.

5- على ضوء المعطيات السابقة يتضح أن لا إمكانية راهناً لبناء وحدة وطنية فلسطينية كفاحية من المكونات القائمة.

للوصول لإجابة على السؤال المصيري .. ما العمل؟!! علينا أن ندرك أولاً أنه لا خيار أمامنا لاستمرار وجودنا كشعب وقضية غير خيار الوحدة الوطنية ورصّ الصفوف وتجميع الطاقات والإمكانات ومواصلة الكفاح بكل الأشكال المتاحة، كما أنه علينا الاعتراف ثانياً؛ سلطة وفصائل ونخباً سياسية، أننا فشلنا في الدفاع عن حقوقنا، ونحن اليوم عاجزون عن القيام بالدور التاريخي المنوط بنا.

صحيح أن ظروف قضيتنا معقدة وشائكة وعدوّنا أقوى منا بحسابات موازين القوى، إلا أننا لم نكن على امتداد عمر نكبتنا مدافعين جيدين عن حقوقنا وقضيتنا، وعليه بات مصيرياً إعادة القضية إلى صاحب القضية وهو الشعب، وعليه أن يمسك زمام المبادرة، وهو شعب عظيم لديه من المواهب والإبداعات والطاقات والكفاءات والخبرات والمخزون الكفاحي والتجارب الطويلة ما يؤهله للإمساك بناصية شؤونه وخوض معركة مصيره حتى نهاياتها المنشودة.

- نحو انتفاضة شعبية شاملة ودور شبابي حاسم..

إن السبيل لتجديد مسيرة كفاحنا اليوم ومواجهة صفقة القرن تحتّم علينا تجميع طاقات وإمكانات الفلسطينيين جميعاً؛ داخل كل فلسطين المحتلة وخارجها، في دول اللجوء والشتات في إطار حراك شعبي فلسطيني، بإسنادٍ وتضامنٍ شعبي عربي، له هدفٌ واحدٌ ووحيد وهو عرقلة وإفشال صفقة القرن والحيلولة دون تنفيذها، ولن نستطيع تحقيق ذلك بدون بناء جدار من الرفض والصمود ومواصلتهما أمام الضغوط التي ستمارس علينا، وهذا الجدار حتى يبقى منيعاً وقوياً يحتاج لتوفر جملة من الشروط، تبدأ من بناء الوحدة الشعبية الميدانية على قاعدة البرنامج الوطني الوحدوي والجامع.

إن بلورة هذا الحراك كشكل من أشكال النضال الشعبية المتاحة في هذه المرحلة الخطيرة، سيشكل المقدمة الموضوعية لانتفاضة شعبية جديدة، تعيد قطار القضية إلى سكته الصحيحة، وستعيد القضية إلى مكانتها التي تستحقها بين قضايا الكون الملحّة ذات الأولوية، وهي الشكل الأكثر إحراجاً وإنهاكاً لإسرائيل داخلياً وخارجياً، والشكل الكفيل بتحييد فائض القوة لديها وكبح جماح آلتها الحربية.. فهل يستطيع الشباب الفلسطيني المقاوم من كل الطيف الفلسطيني أن يصنع هذا الحراك الذي يمكن أن يتطور لانتفاضة شعبية عارمة تُفشل مشروع التصفية وتعيد الحياة للقضية وتنقذها من مصيدة أوسلو مرة وإلى الأبد وحملها باتجاه آفاقٍ أوسع وأرحب وخيارات أكثر جدوى تراكم الإنجازات الصغيرة حتى الوصول للإنجاز الوطني الكبير؟

إن ما سبق لن يكون بغير التدخل الحاسم للشباب والأجيال الفلسطينية الجديدة في الصراع التاريخي المحتدم، وعلى القيادة الفلسطينية سلطة وفصائل أن تثق بشعبها وأجيال الشباب، فالشعب لا يبيع مصالحه ولا يخون أهدافه، ولدى شبابه من الطاقات والإبداعات ما يؤهله لاجتراح الحلول لكل معضلات مسيرتنا التحررية.