تزامن الحديث عن مفاوضات سعودية مع جماعة أنصار الله في اليمن، مع الانهيار الدراماتيكي السريع لأسعار النفط عالميًا، وبلوغ سعر البرميل بما يوازي الكلفة الإنتاجية له. وعلى الرغم من أن فحوى المفاوضات لم يرشح عنها حتى الآن، صياغات عملية لإنهاء الحرب؛ إلا أنها تشكل علامة فارقة في تاريخ الصراع الذي امتد لخمس سنوات، دون أن تستطيع القوى المنخرطة فيه الحسم لصالح أي منها.
إن الدافع الأساسي الذي سرع بدء المفاوضات هو بالتأكيد عدم قدرة السعودية على الاستمرار في حالة الاستنزاف التي تعيشها منذ بداية الحرب، وما ألحقته تلك الحرب من خسائر مادية كبيرة استهلكت فيها كل مخزونها الاحتياطي من الصناديق السيادية، والتي تجاوزت الترليون دولار في الخمس سنوات الأخيرة، والتي ذهبت لسد عجز الموازنات الحكومية.
عدا عن ذلك لم تتمكن السعودية بقيادة محمد بن سلمان من بلورة تصورات واضحة لتدخلها في اليمن، فالحديث عن عودة الشرعية بقيادة عبد ربه منصور هادي والتلطي خلف هذا الشعار، لم يسعف بن سلمان في إدارة الصراع، خاصة أن ما تسمى بالشرعية اليوم تعيش تناقضات واضحة للعيان عبر الصراعات المسلحة الداخلية بين مكوناتها، بالإضافة إلى الدور الإماراتي في تغذية تلك الصراعات، وصولا إلى تعويم قوى الانفصال الجنوبي على حساب تلك الشرعية، والتي غدت بيدقًا من بيادق الرياض وفنادقها.
ويضاف أيضًا عاملين حاسمين قد يسرعان في نهاية تلك الحرب ويتعلقان بالشأن الداخلي السعودي، فليس خافيًا على أحد اليوم أن العائلة المالكة في السعودية تعيش صراعات داخلية غير مسبوقة، فها هو ولي العهد بن سلمان يمارس بطشه بحق عائلته في سبيل تكريسه الحاكم الأوحد والناهي لكل مفاصل الحكم في الرياض، بعد تهميشه لكل مراكز القوى داخل العائلة وعلى كافة الأصعدة، حيث تسببت تلك الصراعات في تشكيل صورة جديدة في مؤسسات الحكم لم تكن معهودة منذ أن تولى آل سعود الحكم في المملكة في ثلاثنيات القرن الماضي، وعلى الرغم من أن بن سلمان قد قطع شوطًا مهمًا في هذا المسعى؛ إلا إنه ما يزال يعيش هواجس كبرى مما تخشاه بقايا العائلة المنكوبة.
إن فلسفة تولى محمد بن سلمان ولاية العهد وإمساكه الحكم نيابة عن والده قامت على بناء رواية جديدة تحمل في طياتها أيديولوجية مغايرة لنمط الحكم في السعودية، والتي تقوم على تطبيق الشريعة الإسلامية وفق الرؤية الوهابية، حيث قدم نفسه باعتباره المخلص لاستبداد المؤسسة الدينية في السعودية، والتي شاركت في الحكم منذ قيام المملكة. والمتابع لسلسلة الإجراءات التي اتخذها بن سلمان بحق المؤسسة الدينية يدرك مدى استحواذه ومركزته للقوة في يديه، بعد أن فرغها من كل محتوى سلطوي، لينتقل إلى المرحلة الثانية، وهي المرحلة الأساسية في صلب تصوره للحكم؛ فإبعاد المؤسسة الدينية عن المشهد فتح الباب على سلسلة من التشريعات القانونية، والتي تصب في مجملها في بناء تصوره للاقتصاد السعودي؛ فمشروع 2030 المعلن عنه يقوم على معادلات اقتصادية جديدة تبدأ بالتخلي التدريجي بالاعتماد على النفط كمورد أساسي للمملكة، عبر تنويع الاقتصاد، بحيث فتحت التشريعات القانونية الجديدة الباب للاستثمار الأجنبي وإقامة المشاريع السياحية الكبرى على ساحل البحر الأحمر، ولكن انهيار أسعار النفط أدى إلى هزة عميقة في بنية الاقتصاد السعودي الرعيي، حيث دفع المملكة إلى الاستدانة لسد عجز الموازنة.
وأمام تلك المسارات جميعها، والتي سلكها بن سلمان، والتي لم تضح نتائجها حتى هذا الوقت، وأمام حالة التخبط الواضحة في مسارات السياسات السعودية الداخلية والخارجية، بالإضافة إلى الهزات الاقتصادية العالمية، بدا مشروع بن سلمان السياسي والاقتصادي والاجتماعي في مهب الريح، فبادر إلى التخلي عن بلح اليمن بعد أن تخلى عن عنب الشام، لينجو بكرسي الحكم على تلة الخراب التي أحدثها بقراراته التي اعتقد إنها تسير بالاتجاه الصحيح، ولكن المهزوم أمام فقراء صعدة في اليمن، لن يستطيع البقاء في مواجهة أهل الديار الحجازية والنجدية، المتحفزين لبناء روايتهم على أنقاض مشروعه.

