Menu

في يوم الأسير الفلسطيني:

من يتصدى لإنقاذ أسرى الحرية من عذابات الأسر وجائحة "كورونا"؟

عليان عليان

خاص بوابة الهدف

في الوقت الذي يتأوه الكثيرون منا  من ضائقة الحجر الصحي جراء وباء " كورونا" رغم توفر وسائل الراحة نسبيا لنسبة عالية من أبناء شعبنا – باستثناء قطاع غزة ومخيمات لبنان وسورية- من غذاء ودواء ووسائل  ترفيه، هنالك ما يزيد عن (5000)أسير فلسطيني يقبعون في سجون الاحتلال، من بينهم (541) أسيرا يقضون أحكاما بالسجن المؤبد (مدى الحياة) لمرة واحدة أو لعدة مرات،  ولا يتأوهون على النحو الذي يعيشه الآخرون في الخارج ، رغم أنهم معرضون للإصابة "بوباء كورونا" جراء الاهمال الطبي المتعمد من قبل إدارة السجون الصهيونية.

 وهؤلاء الأسرى  - حسب تقرير للأسير السابق عبد الناصر فروانة - يتوزعون على قرابة 23 سجنا ومعتقلا ومركز توقيف، منهم 180 طفلاً، و41 فتاة وسيدة، و6 نواب كالقادة مروان البرغوثي و أحمد سعدات وحسن يوسف، و13 صحافيا، و430 معتقلا إداريا دون تهمة أو محاكمة، وعشرات كبار السن وأكبرهم الأسير فؤاد الشوبكي الذي يبلغ من العمر 81 عاما.. وهنالك نحو 700 أسير يعانون من أمراض مختلفة، و 300 أسير يعانون من أمراض خطيرة ومزمنة كالسرطان والقلب والفشل الكلوي والضغط والسكري والشلل

 هؤلاء  الأسرى يتعرضون لأبشع  صنوف الاضطهاد والعذاب الجسدي والنفسي ، لكنهم يتحدون جبروت السجان الصهيوني، ولم تهن عزيمتهم  بل تراهم  يخوضون اشتباكاً يوميا مع الاحتلال ويدفع الكثير منهم حياته ، في معركة التحدي ، وفي الذاكرة حتى الآن ارتقاء 222 شهيداً  في سجون الاحتلال منذ عام 1967  والحبل على الجرار، وهم الآن يواجهون  معركة قاسية مع فيروس "كورونا" لكن ليس بوسعهم في ظل ظروف الأسر أن  يتحدوا  هذا الوباء، ويخشون خطر الإصابة  من هذا الفيروس القاتل، الذي يتسع انتشاره في الكيان الصهيوني على نطاق واسع  ، خاصةً بعد أن  أصاب عددًا من رجال الأمن الصهاينة الذين يتولون حراسة السجون ، وهم يوجهون النداء للفصائل الفلسطينية أن تعمل شيئاً لإنقاذهم من هذه الجائحة الخطيرة.

نردد في كل مناسبة، وخاصةً في السابع عشر من نيسان ومنذ  عام 1967  ،عبارات الاستجداء والمناشدة ب لمنظمات حقوق الانسان ومنظمة  العفو  الدولية ،والصليب  الأحمر  الدولي ،للتدخل لدى سلطات الاحتلال من أجل تحسين  ظروف الاعتقال للأسرى الفلسطينيين ، لكن من دون جدوى.

والسلطة الفلسطينية ، أشبعتنا " مراجل" بشأن  إثارة قضيتهم وبقية قضايا شعبنا أمام محكمة الجنايات الدولية ، لكننا نسمع منها جعجعةً ولا نرى طحنا ، فهي تقدم خطوة وتتراجع خطوات في هذا الموضوع حرصاً على عدم إغضاب الإدارة الأمريكية  ، وعدم القطع معها رغم   رفضها اللفظي لصفقة القرن بدون خطوات عملية في  مواجهتها.
تطل علينا اليوم الذكرى السنوية، ليوم الأسير الفلسطيني، في لحظة تاريخية حاسمة  وفي ظل ظروف غاية في الخطورة   ، ممثلة  بإعلان الإدارة الأمريكية عن صفقة القرن التصفوية  ، وفي ظل انتشار وباء " كورونا" في عموم أرجاء فلسطين ، وخاصةً في المناطق المحتلة عام 1948 ،  ما يقتضي اشتقاق الوسائل الكفاحية  لدعم صمود الأسرى ولتحسين شروط اعتقالهم والعمل على تحريرهم بشتى الوسائل ، ولاشتقاق أساليب  نوعية لإنقاذ حياتهم من وباء كورونا الذي بات يطرق أبواب زنازين المعتقلات الصهيونية.

   فالحركة الأسيرة الفلسطينية القابضة على الجمر ،  التي تخوض أقسى المواجهات مع الاحتلال منذ عام 1967   وعبر هبات وانتفاضات متتالية  شكلت ولا تزال تشكل  ، حالة متقدمة من النضال ضد المشروع الكولونيالي الصهيوني، حيث استطاع الأسرى الفلسطينيون والعرب، أن يحولوا السجون والمعتقلات الى مدارس لتخريج الكوادر المتقدمة ثقافياً وسياسياً وفكرياً ونضالياً، واستطاعوا أن يحققوا العديد من المكتسبات الخاصة بتحسين ظروف الاعتقال، عبر نضالاتهم الدؤوبة ، وعبر معاركهم المتصلة التي خاضوها بأمعائهم الخاوية، وبقوة شكيمتهم، وصلابة إرادتهم، على امتداد عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.
وجاءت اتفاقات اوسلو ومشتقاتها، لتشكل نكسة للحركة الوطنية الأسيرة، مثلما شكلت نكسة لمجمل الحركة الوطنية الفلسطينية، ولنضالات الشعب الفلسطيني منذ انطلاق ثورته في منتصف ستينات القرن الماضي .

إذ انه في ظل  اتفاقات اوسلو والانقسام الفلسطيني الأفقي والعمودي الناجم عنها، وانعكاس هذا الانقسام على الحركة الأسيرة، وفي ظل التنازل عن أبجديات المشروع الوطني، استطاع العدو الصهيوني ان يسلب الحركة الأسيرة العديد من انجازاتها، التي حققتها بصمودها المنقطع النظير وبمعاركها المتصلة، التي قدمت خلالها عشرات الشهداء.
ولم يستكن ألأسرى الأبطال للأمر الواقع، وتمكنوا لاحقاً من استعادة الكثير من الحقوق والإنجازات، التي خسروها في مرحلة ما بعد أوسلو، ولا نبالغ إذ نقول ان الانتفاضة الفلسطينية الثانية" انتفاضة الأقصى"، شكلت رافعة للحركة الوطيئة الأسيرة، ومنحتها زخماً في التصدي لأساليب العدو واجراءاته.

لكن  العودة لنهج المفاوضات البائس، والارتهان لخطة خارطة الطريق التي  قبرت  انتفاضة الاقصى ومفاعيلها ، انعكست بالسلب مجدداً على الحركة الأسيرة ، وعلى نضالاتها بعد أن التزمت السلطة الفلسطينية بنهج التنسيق الأمني ، واستمرت في النهج الأوسلوي التفاوضي وتركت الحركة الأسيرة تقلع الشوك بأياديها المقيدة ، ناهيك أنها لعبت دوراً خطيراً في إفشال إضرابات لاحقة للأسرى، جراء صراعات تنظيمية في حزب السلطة ، ومنعها من تحقيق الأهداف الرئيسية المتوخاة من إضراباتها ، وفي الذاكرة القريبة إضراب الحرية  التاريخي في نيسان 2017 الذي قاده بشكل رئيسي مروان البرغوثي.

 كيف يكون الوفاء للأسرى ؟

إن الوفاء للأسرى، لا يكون بالتذكير بقضيتهم في يوم الأسير فقط، وفي سياق موسمي، إنما يكون- في التقدير الموضوعي - بما يلي:

 أولاً: الاستمرار في النضال ضد الاحتلال بشتى الوسائل، وفي المقدمة منها الكفاح المسلح من أجل القضية التي أسروا وتحملوا ولا يزالوا يتحملون، عذابات الأسر من أجلها ، ويمضون  سني حياتهم  في معتقلات الاحتلال بقناعة منهم وعن  طيب خاطر .

وتتحمل  الفصائل الفلسطينية مسؤولية  إدامة المقاومة ،وإزالة العقبات التي تعترض  اندلاع انتفاضة جديدة ، وخاصة عقبة قرار قيادة السلطة، التي رفعت منذ الموافقة على خطة خارطة الطريق  2002 ، شعار رفض السماح باندلاع انتفاضة جديدة ، ومنع أي عمل مقاوم .

فاستمرار الفعل المقاوم يشكل ركيزة أساسية لصمود الأسرى ورفع معنوياتهم ، وانحسار الفعل المقاوم  ينعكس بالسلب على صمودهم ، ويغري العدو للتمادي  في قمعهم والتنكيل بهم.

ثانياً: العمل على تحرير الأسرى، من خلال الفعل المقاوم عبر أسر جنود صهاينة، لتجري مبادلتهم بآلاف الأسرى الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال، كما حصل في عمليات التبادل التي أجرتها فصائل المقاومة الفلسطينية عام 1968، 1985 ، وفي عمليات التبادل التي اجراها حزب الله في الأعوام 1998، 2004، 2008 بعد أسر العديد من جنود الاحتلال.، وفي عملية تبادل الأسرى عام 2011 بين المقاومة الفلسطينية والكيان الصهيوني عندما أطلقت حركة حماس سراح الجندي الصهيوني "جلعاد شاليط" مقابل إطلاق سراح (1027) أسير وأسيرة فلسطينية.

وبهذا الصدد لا بد من استثمار قضية  الأسرى الصهاينة، الذين ألقي القبض عليهم  من قبل رجال المقاومة ا أثناء مواجهة العدوان على قطاع غزة عام 2014 ، لإطلاق أكبر عدد من الأسرى لا سيما المرضى وكبار السن ومن ذوي الأحكام الطويلة، ما يتطلب إنشاء خلية من كافة الفصائل لإدارة مسار التفاوض غير المباشر مع العدو ، لتجنب الثغرات السابقة والتي قادت لاحقاً لاعتقال عدد كبير من الأسرى ، الذين جرى تحريرهم في صفقة  "وفاء الأحرار" عام 2011 ، بعد إطلاق سراح الجندي الصهيوني " جلعاد شاليط ".

ثالثاً : دعم صمود الأسرى الفلسطينيين ، بتوفير المخصصات المالية اللازمة لتلبية احتياجاتهم واحتياجات أسرهم لهم ،ما يتطلب من السلطة الفلسطينية، بوقف عمليات الاقتطاع من هذه المخصصات ، وإنهاء الإجراءات التي أقدمت عليها السلطة  بحقهم  ، وإعادة الرواتب المقطوعة لمستحقيها من الأسرى والأسرى المحررين وذويهم ، وفق ما جاء في بيان الجبهة الشعبية وبيانات  العديد من الفصائل الفلسطينية.

رابعاً : إعادة الاعتبار لوزارة شؤون الأسرى، لتأخذ دورها في متابعة قضاياهم ونضالاتهم وتوفير الاحتياجات الضرورية لهم ، وللتواصل مع المؤسسات الدولية ذات الصلة ، ولتظهير قضيتهم إعلاميا على المستوى الوطني والقومي والدولي ، مع ضرورة  توفير الكادر المؤهل لهذه الوزارة ، بعيداً عن الولاءات والحسابات التنظيمية الضيقة.
خامساً: تخلي قيادة المنظمة والسلطة عن حالة المراوحة  في المكان ، بشأن عدم اتخاذ خطوات عملية للتصدي لصفقة القرن التي جرى الاعلان عن تفاصيلها، وتوقفهما عن استمرار المراهنة على التسوية مع العدو الصهيوني ، الذي أثبتت الحياة عدم جدواه، فاستمرار خيار التسوية يدخل الإحباط واليأس الى نفوسهم..

سادساً: بعد إنجاز  الخطوات الأساسية سالفة الذكر ، يتوجب على فصائل المقاومة، أن تضع  قضية الأسرى على جدول أعمالها اليومي، وفي إطار استراتيجية وطنية جامعة،  للبحث في السبل والآليات الكفيلة بتحرير الأسرى ، وتوفير الحماية المطلوبة لهم من جائحة " كورونا" ومن ضمن هذه السبل : مطالبة كافة المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وهيئة الصليب الاحمر الدولي بتحمل مسؤولياتها، في كشف الممارسات البشعة التي يمارسها الاحتلال ضد الأسرى والمعتقلين، والعمل على فرض معايير حقوق الإنسان، الى حين إطلاق سراحهم.
ان استمرار الكيان الصهيوني، في اعتقال الأسرى الفلسطينيين والعرب، وبوصفه كقوة احتلال ينتهك القوانين والمعاهدات وخاصة البنود 76،77،78،94 من معاهدة جنيف الرابعة وكافة نصوص اتفاقية جنيف الثالثة، والبند 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والبند 36 من ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الطفل الخاصة بأسرى الحرب، يرتب على المجتمع الدولي، العمل على تحرير جميع الأسرى والمعتقلين من السجون الاسرائيلية.
وأخيراً نقول لكم: يا من تقفون بكل شموخ في المتراس الامامي، دفاعاً عن الامة وقضيتها المركزية، يا من لم تفقدوا البوصلة رغم عتمة السجن وقسوة السجان، يا من لم تفقدوا الإيمان بعدالة قضيتكم.. قضية تحرير الوطن من الماء الى الماء وقضية تحرير الإنسان، نقول لكم ، ستظلون في ضمائر الأمة وقلوبها، وان فجر الحرية آت ، في ضوء إرادة المقاومة والمخزون الكفاحي الهائل لدى شعبنا.