فى أعقاب ظهور نتائج الانتخابات العامة الثالثة فى "إسرائيل" (سبتمبر 2019) والتى أظهرت استحالة نجاح أى من الكتلتين المتنافستين فى تشكيل الحكومة الجديدة: تكتل اليمين بزعامة حزب "الليكود" الذى يقوده بنيامين نتنياهو وتكتل يسار الوسط بزعامة حزب "أزرق – أبيض" (كحول- لافان) الذى يقوده رئيس الأركان الأسبق الجنرال بينى جانتس، ظهرت فكرة لامعة فى أوساط تكتل "أزرق – أبيض" ترى ضرورة "التحالف مع الشيطان" لهدف وحيد هو منع بنيامين نتنياهو من تشكيل الحكومة الجديدة وتهيئته للمحاكمة وإدخاله السجن.
تفاصيل هذه الفكرة كانت أن يتحالف تكتل "أزرق – أبيض" مع كل بقايا فصائل اليسار وأن يمد يده للنواب العرب فى "القائمة العربية المشتركة" وتجاوز كل الخطوط الحمراء والوصول فعلياً إلى تحالف جديد شعاره هو "كله إلا بيبى"، أى تشكيل تحالف يضم كل من يمكن ضمنه باستثناء وحيد هو بنيامين نتنياهو. الآن وبعد ثمانية أشهر من ظهور هذا التوجه الذى كان هدفه الوحيد "القصاص من بنيامين نتنياهو على كل جرائمه وتصفيته سياسياً" استطاع نتنياهو أن يقلب الطاولة على الجميع ويفرض خيار تحالف "بيبى قبل الجميع". فقد أعلن مساء الاثنين الماضى (20/4/2020) توقيع اتفاق التحالف الحكومى الجديد بعد مماطلات طويلة بين بينى جانتس وبنيامين نتنياهو .
قراءة تفاصيل تلك المماطلات، منذ أول إعلان عن التوصل إلى توافق بين الرجلين حول الائتلاف الحكومى فى 30 مارس/ آذار الفائت وحتى مساء الاثنين الماضى، تكشف، بل وتؤكد، أن بينى جانتس هو من جرى تطويعه، وربما إرغامه على تقديم التنازلات، وأنه هو من كان حريصاً، بشتى السبل على تحقيق هذا التوافق مع نتنياهو ودفع الأثمان حتى لو كانت أثماناً باهظة وتتعارض كليةً مع محورية الدور الذى خاض بسببه جانتس التنافس السياسى وهو "إنهاء عهد نتنياهو". فحتى صباح الأحد الماضى كان جانتس هو من يستجدى نتنياهو كى يوافق على ما يعتبره "حكومة طوارئ وطنية لمحاربة فيروس كورونا". جانتس لجأ اضطرارياً إلى الرأى العام، بل وإلى جماهير وأعضاء تحالف اليمين الليكودى للضغط على نتنياهو للقبول بتشكيل الحكومة تحت وهم "محاربة كورونا" التى كان من الواضح أنها أضحت الهدف البديل لدعوة "كله إلا بيبى".
فقد كتب جانتس على حسابه فى "فيسبوك" (18/4/2020) يقول أنه "غير متأكد من الوصول إلى تشكيل حكومة طوارئ حتى فى ظل تفشى وباء فيروس كورونا"، وقال موجهاً اتهامه إلى نتنياهو بالتلميح: "أى شخص يقلق بشأن "إسرائيل" لا يجرّ دولة بأكملها إلى حملة انتخابية خلال أزمة غير مسبوقة"، وخاطب جانتس تكتل اليمين قائلاً: "خسارة أن نذب مجدداً إلى انتخابات رابعة".
ربما يكون من المهم التساؤل عن الأسباب التى أجبرت جانتس على الركوع أمام شروط نتنياهو وجعلته يتخلى عن كل مطالبه، وأن يجعل من نفسه "طوق نجاة" لنتنياهو من المحاكمة ودخول السجن. هناك أسباب كثيرة، أولها أن جانتس فشل فى تشكيل حكومة أقلية بسبب رفض ثلاثة نواب من تكتله تشكيل حكومة بدعم وتحالف من "القائمة العربية المشتركة"، ومن ثم لم يكن أمامه غير أحد خيارين؛ إما اللجوء إلى انتخابات رابعة غير مضمونة النتائج، وإما التحالف الإضطرارى مع الليكود واليمين بزعامة نتنياهو، أى "التورط فى التحالف المستحيل" خاصة أنه كان يخضع لحملة ابتزاز دعائية من تيار اليمين تحمِّله مسؤولية عدم تشكيل حكومة وحدة وطنية لإنقاذ البلاد من وباء كورونا.
قبول جانتس بخيار التحالف مع نتنياهو لتشكيل هذه الحكومة ولكن بشروطه هو أدت إلى انشطار تحالف "أزرق- أبيض" إلى شطرين، حيث رفض حليفه فى هذا التحالف يائير لبيد زعيم حزب "يوجد مستقبل" هذا التوجه، ووجد جانتس نفسه عارياً تماماً أمام نتنياهو بعدد محدود من نواب حزبه الأصلى وهو حزب "حوسين ليسرائيل" (حصانة لإسرائيل)، وجاءت استطلاعات الرأى الأخيرة لتؤكد وجود خريطة انتخابية جديدة تعطى نتنياهو والليكود أكثر من 40 نائباً فى حال اللجوء إلى انتخابات رابعة، ما يعنى أنه فى حال التورط فى هذه الانتخابات سيكون فى مقدور نتنياهو رئاسة حكومة بأغلبية مريحة من تكتل اليمين، وعندها سيكون جانتس متهماً أولاً بالمسؤولية عن إشغال "إسرائيل" بخوض انتخابات رابعة بدلاً من التفرغ لمواجهة وباء كورونا بحكومة وحدة وطنية، وسيكون ثانياً الخاسر الأكبر فى هذه الانتخابات الجديدة وسيكون متهماً ثانياً بأنه من تسبب فى منح نتنياهو فرصة أن يفرض نفسه حاكماً مطلقاً "لإسرائيل". لكن كل هذه الأسباب لن تكفى لإنقاذ جانتس من مصير أسوأ ينتظره فى ظل تنبؤات حليفه يائير لبيد بأنه قد (أى جانتس) قد أوقع نفسه فى خديعة نتنياهو الذى لن يمكنه من أن يكون رئيساً للحكومة بعد إنقضاء نصف المدة حسب الاتفاق، بل سيضيق عليه ليجبره مرغماً على الانسحاب من الحكومة ومن ثم فرض خيار الانتخابات الرابعة الذى يريده نتنياهو، وهى نفسها تنبؤات أفيجدور ليبرمان زعيم حزب "إسرائيل بنينو" (إسرائيل بيتنا) الذى وصف نتنياهو بـ "المسيح الدجال" وأنه "آلة كذب وسيحول حياة جانتس بالحكومة إلى جحيم حقيقى ولن يتنازل له عن رئاسة الحكومة عندما يحين موعد التداول بينهما"، عندها سيكون جانتس هو من أنقذ نتنياهو خصوصاً وأن الاتفاق المعلن عنه بخصوص الحكومة الجديدة جاء خالياً من أى إشارة تتحدث عن تشكيل لجنة تعيين القضاة، ما يعنى رضوخه لمطالب نتنياهو بهذا الخصوص على النحو الذى يؤمن نتنياهو من المحاكمة، فى حين جاء النص على قبول جانتس بمطلب نتنياهو بالبدء الفورى بعد تشكيل الحكومة بضم غور الأردن ومستوطنات الضفة الغربية، عندها سيجد جانتس نفسه على النحو الذى وصفه به رئيس الكنيست الأسبق إبراهام بورج فى مقال نشره بصحيفة "هآرتس" بأنه "مجرد جنرال شجاع لكنه ليس أكثر من شخص ساذج سياسياً قبل أن يكون ممسحة أرجل للسياسيين المحترفين".

