فلسطين القلب النابض لمسألة التحرر في العالم؛ فلسطين عنوان مأساة تكشف عن وجه العالم القائم على حضارة وقودها الربح المنفلت من أي قيد، والجشع المغلف بقشرة أيديولوجية تدعي خدمة سعادة البشر، ولكنها في الحقيقة تقوم على هيمنة القليل من الناس على حياة الأكثرية الساحقة منهم؛ فلسطين ذروة تناقض يغذي الصراع من أجل تقدم الإنسانية ضد من يهددها؛ فلسطين اختصار لقصة وقوف المستضعف في وجه تعاضد الأقوياء من أجل اقتسام العالم حماية لمصالحهم الجامحة، والصهيونية هي المظهر الأكثر قبحًا لهذه الإرادة في اقتسام العالم بما يخدم مصالح وأطماع المتنفذين فيه. إذن، يصبح الوعي بطبيعة علاقات القوة العالمية المغذية للاستعمار الاستيطاني الصهيوني، أي الارتباط العضوي بين الإمبريالية، أو بالأحرى الإمبرياليات المتعاضدة، الكبيرة منها والصغيرة ذات الطابع الإقليمي، والاستعمار الاستيطاني الصهيوني، ضرورة حيوية لتوجيه المقاومة وإنجاحها وحمايتها من السقوط في فخ التصورات الضيقة التي ستحرمها من موارد النصر المنشود. إن الخطاب السائد والمفبرك في الدوائر الإعلامية والإستراتيجية لهذه القوى المتنفذة عالميًا، وبفضل أذنابها الإقليمية والمحلية خاصة، تخفي كل هذه الرهانات، بالتحريف والاختزال لعزل القضية الفلسطينية عن عمقها الاستراتيجي العالمي، وبالتالي زحزحتها عن قلب الصراع العالمي ووضعها على الهامش.
فلسطين بوصلة الشعوب المقاومة من أجل التغيير الديمقراطي تغيب من الصراع، فيضيع الاتجاه السليم نحو الهدف الديمقراطي؛ وفي نفس الوقت تتيه المقاومة الفلسطينية في دروب الخصوصية المدعاة للقضية التي يراد لها أن ترتبط بالخصوصية المفتعلة "للشعب اليهودي" والخصوصية الموروثة عن النظرة الاستشراقية للمنطقة العربية، فتتحول مسألة التحرر الوطني تحت عناوين الديمقراطية والعدالة، ودحر الإمبريالية العمق الاستراتيجي للصهيونية, إلى صراع عربي إسلامي يهودي أورثته نصوص دينية وعهود خلت، سبقت عهد ابتكار مقولات الحرية والديمقراطية والعدالة وسيادة الشعوب على مصيرها، وليدة الحداثة. لقد أفرزت كل هذه الدعاية الأيديولوجية وعيًا مشوهًا عند البعض، يعمل على استبعاد القضية الفلسطينية من حقل الصراع من أجل الديمقراطية نظرًا لارتباطها حسب الفبركة الإعلامية الأيديولوجية السائدة، بمقولات ومواقع سياسية معادية للحل الديمقراطي. فمحاصرة القضية الفلسطينية بخطاب الخصوصية المفتعلة يطمح إلى حرمان المقاومة الفلسطينية من عمقها الاستراتيجي العالمي، وفي نفس الوقت حرمان النضال الديمقراطي من بوصلته الفلسطينية.
ما كان للكابوس الصهيوني أن يصبح أمرًا قائمًا على الأرض بعد التصفية العرقية الجغرافية التي طالت الشعب الفلسطيني، لولا توفر الشروط السياسية الملائمة عالميًا. إن الاتكاء المتواصل على الإمبرياليات المهيمنة عالميًا ومحليًا كان العامل المحدد في فرض الاستعمار الاستيطاني على فلسطين. هل كنا لنتصور دولة يهودية دون وجود قضية شرقية وهو العنوان المخفف لإرادة القوى الإمبريالية في اقتسام تركة الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الثانية؟
إن تحول الدولة الاستيطانية الصهيونية الوجه الحديث للأيديولوجيا الاستيطانية لأوروبا الرأسمالية وممارساتها التي تلت عهد الاكتشافات الكبرى، إلى موقع متقدم لهيمنة القوى المتنفذة عالميًا، وفي نفس الوقت إلى موضوع للتنافس بينها من أجل كسب تبعيتها، وبالتالي خدماتها في المنطقة الغنية بالطاقة والمهمة استراتيجيًا لتوسطها طرق التواصل العالمي، لدليل على أن طرد الفلسطينيين من أراضيهم واحتلالها مرتبط بطبيعة علاقات الهيمنة القائمة في عالمنا المعاصر، الذي تسبب بدوره في هضم حقوق أخرى لمستضعفين آخرين في بقية المعمورة.
إن القضية الفلسطينية مفتاح نقرأ به مستوى الهيمنة الإمبريالية في العالم، وبالخصوص هيمنة الإمبريالية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية. لا بد من وضع القضية الفلسطينية استنادًا إلى كل هذا الواقع القمعي المعولم في مركز الوعي التحرري للشعوب؛ لأنها موضوعيًا وليدة لهذا القمع المعولم بمختلف صوره، ومسؤولية الحركة الوطنية الفلسطينية واليسارية منها على وجه الخصوص، لكبيرة من أجل رفع التحدي لفك الحصار الأيديولوجي الذي تعاني منه المقاومة.
لم تعد ولا يجب أن تبقى القضية الفلسطينية قضية العرب والمسلمين لوحدهم. لقد بيّن هذا التركيز الثقافوي بالرغم من أهميته، بأنه مع الوقت عاجز لوحده على مقاومة اغراءات التطبيع نتيجة عوامل عديدة، تتعلق أكثرها بالضغط الرهيب الذي مارسته ولا زالت تمارسه الإمبريالية بشكل مباشر، أو عن طريق أذرعها المحلية السياسية والأيديولوجية على شعوب المنطقة، للعمل على إدماج الكيان الصهيوني الاستيطاني في المنطقة وفك الارتباط مع المقاومة الوطنية الفلسطينية وعزلها أكث؛ بل أسفر هذا الضغط المتواصل على شعوب ودول منطقتنا إلى انتقال العدوى إلى الداخل الفلسطيني، والذي ترجم بالانقسام الحاصل بين فتح وحماس.
يبدو في ظاهر الأمور أن الأزمة التي تمر بها الحركة الوطنية الفلسطينية وليدة خيارات خاطئة تبنتها هذه الأخيرة؛ إلا إنه في الحقيقة كل هذا الانهاك، ينذر بأننا أمام نهاية مرحلة بتناقضاتها، أي بمكاسبها واخفاقاتها، التي لم تضيع الشيء الأساسي، وهي القضية في حد ذاتها، رغم الظروف الصعبة والتجارب المأساوية التي مر ولا يزال يمر بها الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية.
إن تخبط الاستعمار وليد صمود الشعب. لقد راهنت الحكومات المتعاقبة للعدو الاستيطاني استدراج النخب الفلسطينية نحو فخ الصراعات الداخلية والاحتراب الداخلي لتفكيك اللحمة الوطنية، كما تفعل الإمبريالية في دولنا وفي دول عديدة ترفض الرضوخ لاملاءاتها، حيث أن فشل الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في دفن القضية، سيشكل الأرضية المستقبلية لمشروع مقاومة جامع يضع فلسطين، بمساهمة القوى الديمقراطية في العالم في محور قضايا التحرر للإنسانية.
فلسطين، كما كانت الجزائر وفيتنام سابقًا، وأفريقيا الجنوبية لاحقًا، إحدى منصات العالم نحو التحرر والتقدم فإن ضيعنا فلسطين فسنضيع أنفسنا. كل هذا سيضع على عاتق القوى التقدمية والديمقراطية في العالم مسؤولية الربط العضوي بين مسألة التقدم والتنمية والتحرر الداخلي وطبيعة العلاقات السائدة في العالم، الذي نعيش فيه.
فلسطين اختصار بيداغوجي لكل علاقات الهيمنة السائدة في العالم، لمن لم تسعفه الأمور لفهم تعقيدات العالم، والوقوف الفعلي مع المقاومة الفلسطينية شرط أساسي وضروري لدعم النضال الديمقراطي في العالم وفك الحصار على النضالات الداخلية. أنا كجزائري ابن وطنية ارتوت من نفس معين الوطنية الفلسطينية، لا يمكنني أن أتصور مستقبلاً للديمقراطية في الجزائر والعالمين اللذين تشكل فيهما مخيالي التحريري، وأعني هنا العالم العربي وأفريقيا؛ بمعزل عن إضعاف الإمبريالية، وبالقضاء على ذراعها الأكثر خطورة في هاتين المنطقتين؛ الصهيونية الاستيطانية. إن المقاومة الفلسطينية استنادًا إلى هذا الموقف قضية كل الوطنيين في أوطانهم.
يعيش الشعب الفلسطيني ويعيش التضامن بين الشعوب

