ثمة عبقرية في الجدلية والفكرة التي انطلقت منها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لصوغ علاقاتها منذ بدايات تأسيسها مع البرجوازية الوطنية، ومع الأنظمة القومية البرجوازية على قاعدة (وحدة – صراع - وحدة)؛ القاعدة التي بالمناسبة أثارت حفيظة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في حينه. الوحدة في إطار العمل المقاوم للاحتلال التي يجب أن يتجمع فيها ويتحد كل من له مصلحة في إنجاز مهام مرحلة التحرر، بمعنى تشكيل الكتلة التاريخية القادرة على إنجاز مهام مرحلة التحرر الوطني، والصراع في الإطار الاجتماعي والفكري والانحياز الطبقي، بما تمثله الجبهة كحزب للعمال والفقراء والمسحوقين.
كانت دائماً هناك حالة من الاشتباك المفتوح مع الاحتلال وفي وتيرة تصاعدية؛ لأن أطماع العدو ومخططاته لا تنبري أن تتوسع وتزداد وفقاً لطبيعته وخصوصية كيانه العنصري الإحلالي، وعليه كانت الأولوية وستظل مجابهته التي تفرض تغليب الوحدة على الصراع، ولكن، كما في أي عملية رياضية حسابية يبقى القانون صحيحاً؛ إلا أنه يعطيك نتائج مختلفة كلما تغيرت معطياته، ولأن الواقع السياسي ومعطياته في الحاله الفلسطينية اختلفت ولم يعد بالإمكان أن يتم محاكمة اليمين والعلاقة به وفق القاعدة السابقة، أو لا يمكن أن تكون النتيجة ذاتها، خصوصاً بعد أن انتقل اليمين من كونه أحد أطراف الصراع مع الاحتلال إلى أن يكون أحد أدواته؛ من خلال تنسيق أمني استخدم جيش كامل من أبناء شعبنا، والذي يفترض أن يكونوا مناضلين ومدافعين عن دولة مدعاة إلى متتبعي لكل من يقاوم أو يشارك في مجابهه الاحتلال، مما خلق مزيداً من الانقسامات ليس فقط في أعلى الطبقة السياسية، بل أيضاً انقسام مستتر كامن تحت رماد الثارات والضغائن المؤجلة في البنية الاجتماعية ذاتها، عدا عن أن العمل المقاوم أصبح يمر بصعوبة من تحت السكين المسلط على رقبته لتنفيذ أي عمل وبفترات زمنية متباعدة، إضافة إلى خلق حاضنة شعبية مخلخلة ومرتبكة وخائفة، لدرجة يمكن القول أنه تم تحييد الضفة الغربية المحتلة إلى حد كبير، ويظهر هذا جلياً في كل المواجهات والفعاليات الوطنية وحجم المشاركة فيها.
وكذا لا يمكن أن يستمر التهرب من الاستحقاق الطبقي المفروض على الجبهة بما أنها اختارت أن تكون في صف الطبقات المفقرة والمضطهدة، وخصوصاً بعد أن أضحى الصراع الطبقي أكثر وضوحاً وأكثر حدة من بعد مجيء السلطة؛ الأمر الذي إن لم يحسم لصالح العمال والفلاحين سيزيد من الإضرار بالقضية وتراجع الزخم النضالي الشعبي.
فطالما أن قله قليلة متسيدة على عرش السلطة تستفيد من أموال ريع التنازل والاستسلام تستولي على كل مقدرات الشعب وتسلب حقوقهم، فإن ذلك سيزيد من الثقل على كاهل الشريحة الأوسع في جماهير شعبنا، والتي تُشَكّل الأغلبية الساحقة وإغراقها في الديون والالتزامات والجهل، وأيضاً التبعية لاوليغارشيا الريع التي جندت ألوف مؤلفة مستفيدة من وجود هذه الاوليغارشيا التي بدورها ربطت هذه الألوف الفقيرة بالبنوك والقروض والشيكات وسحبهم نحو مستنقع الاستهلاك.
وبما أن الفساد ربيب أي استعمار ويده الطولى لاختراق أي بنية مقاومة، فإن الفساد المستشري في حالتنا الفلسطينية يساهم في استنزاف صمود الناس وفقدان الثقة، وتراجع روح التضحية؛ لذا بدأت تتسع رقعة القول "عشان مين أناضل" في أوساط شعبنا، وخفت صوت الحاضنة الشعبية للمقاومة، مما يحيد الأغلبية الفقيرة التي هي فعلياً صاحبة المصلحة الأكبر في إنجاز مرحلة التحرر الوطني، بما يضمن لها استعادة السيادة على حقوقها ومقدراتها ومكانتها كأغلبية ناضلت ودفعت الثمن غالياً من دمائها وأرواحها لصالح التحرير ودحر الاحتلال. كل ذلك يفرض على الجبهة إعادة صوغ خريطة تحالفاتها، على قاعدتين أساسيتين أولهما: أن التحالف الأساسي يجب أن يكون مع الجماهير أولاً، وقبل أي شيء، وهذا يضع الجبهة أمام مسؤولية إنجاز مهام الشق الثاني في توصيف المرحلة "مرحلة تحرر وطني وديمقراطي"... والنضال الديمقراطي هنا يعني الارتقاء في وعي الناس ونضالهم لرفع وتيرة اضطلاعهم في إنجاز مهام المرحلة، وإنجاز شروط نضالهم؛ من أجل حقوقهم الوطنية والاجتماعية، لذا يجب عدم اختزال النضال الديمقراطي في المشاركة بالانتخابات وفق الديمقراطية البرجوازية المحصورة في صندوق الانتخابات.
والقاعدة الثانية في التحالفات، أن كل ذلك لا يمكن أن يتم دون الركون إلى القاعدة الأخرى وهي أهمية التحالف مع الحزب نفسه، وتغليب شعاراته وبرامجه وخططه على برامج الحد الأدنى التي فرضتها حالة التحالف مع اليمين، وأودت بقضيتنا إلى أسوأ مراحلها وهبوط سقف برنامجنا الوطني، وذلك يتطلب ضرورة الإسراع في تجاوز كافة الاخلالات في الحلقة التنظيمية التي أودت إلى ضياعها لصالح العلنية وغيبت وحدة الإرادة والعمل وبعثرة الكادر الحزبي القادر حقاً على حمل ثقل استحقاقات المرحلة، وكذلك ضرورة إعادة الاعتبار للهوية الفكرية التي تضمن وتؤدي إلى الوحدة السياسية.
وكذلك لا بد من إعادة تفعيل وإعطاء دور أكبر للمؤسسات الجماهيرية، والتي تعد منفذ الحزب وبوابته إلى الجماهير، ووسيلته للارتقاء بوعيها وإشراكها بكافة قضاياها.
وخلاصة القول، إن أي استراتيجية تحالفات تصيغها الجبهة يجب أن تتجاوز ارتباطاً بالتطورات الحاصلة الشعار "على أن لا ينتهك التكتيك الاستراتيجية، وأن لا تنتهك السياسة الأيديولوجيا"، فهذا الشعار يساهم في استمرار حالة التناقض ما بين الشعار والممارسة، والاستمرار في إلحاق الجبهة بمشاريع اليمين تحت مسميات الوحدة.

