لدى شعبنا فوبيا من كلمة صناديق؛ فبمجرد أن يسمع عن صندوق دعم ما، يسترجع شريط ذاكرته إلى ثلاثة عقود ماضية من صناديق النهب والهدر والسرقة والفساد، فكيف إذا سلموا الحبل ورقبة هذا الشعب إلى صندوق النقد الدولي؟
الحكومة اللبنانية الحالية، هي من رحم هذا النظام السياسي – الطائفي، ومن عجينته، وهذا النظام وضع عشرات الخطط الاقتصادية لترميم سلطته والحفاظ على محاصصاته.. ولم يضع يوماً خطة للإصلاح الوطني الديمقراطي.
ثلاثون عاماً من النضال الديمقراطي والسياسي مضت، ولم تعالج الحكومات المتعاقبة ملفاً من ملفات الهدر والفساد، ولم تحاسب شخصاً أو مؤسسة، لا بسبب عدم قدرتها على ذلك كما تدعي، إنما بسبب عدم رغبتها على فك عقدة "التوافق السياسي الطائفي". يعني بصراحة، عدم رغبتها على تقديم أية تنازلات إصلاحية، فماذا جرى من متغيرات حتى يتم الإعلان عن خطة اقتصادية جديدة – قديمة، وتوسل صندوق النقد الدولي الموافقة عليها؟
ألا يعني هذا إعلان الإفلاس الرسمي للنظام السياسي والاقتصادي والطائفي القائم؟ أم أن هناك رزقة ما، أو اتفاق ما، أو طبخة ما ستستوي على نار صندوق النقد الدولي؟ مع العلم، أن جميع شركاء السلطة (موالاة ومعارضة) يعون تماماً أن صندوق النقد لا يقدم خدمات مجانية، أو هو صندوق خيري يتلقف كل نظام أفلس ويحضنه ويمًن عليه بمليارات الدولارات لاستعادة عافيته لوجه الله! ويعرفون بالتفصيل الممل، أن هذا الصندوق هو مؤسسة من مؤسسات الرأسمالية المتوحشة التي ستفرض شروطها وأحكامها على وطننا وشعبنا، أقله لثلاثين سنة قادمة، قبل أن تتمكن أجيالنا من سد العجز في ميزان المنهوبات التي جرت على قدم وساق، دون رقيب أو حسيب على مدى ثلاثين عاماً ماضية.
في التجربة التاريخية الحديثة، كل الدول التي طبقت سياسة الإصلاح الاقتصادي على خلفية أزمتها الاقتصادية والمالية محكومة بالإعدام، وكل موافقة على اتباع وصفات صندوق النقد الدولي للحصول على قروض من المؤسسات متعددة الأطراف توفر مجالاً رحباً للمانحين والمستثمرين والمؤسسات المصرفية التجارية الأجنبية لفرض شروطهم كما يحلو لهم، وكل رفض لذلك يعني إخضاع هذه الدول ذات السيادة لوصاية المؤسسات المالية الدولية.
في العادة، يُطلب من البلدان المدينة (المفلسة) إصلاحات جوهرية قبل إجراء مفاوضات القرض الفعلية، فعلي الحكومة أن تقدم شاهداً لصندوق النقد الدولي على أنها تلتزم جدياً بالإصلاح الاقتصادي، وهذه العملية تسمى "وثيقة النوايا" المقدمة إلى صندوق النقد الدولي، والتي تحدد اتجاهات الحكومة في سياسة الاقتصاد الكلي وإدارة الدين.
مع ضرورة تبيان، أن تنفيذ برامج التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي، وما ينطوي عليه من انفتاح وتحرر لآليات اقتصاد السوق، لم يأتِ نتيجة لضغوط رأسمالية محلية، كونها تتسم أساساً بالضعف والهشاشة والتبعية لرأس المال العالمي، بل اقترن في جانب مهم منه بضغوط القوى والمؤسسات الخارجية، وفي المقدمة منها الأميركية، وبخاصة صندوق النقد والبنك الدوليين. وبما أن الدولة بمؤسساتها وأجهزتها تكون المسؤولة مباشرة عن عملية تطبيق برامج التثبيت والتكيف؛ فتصبح العوامل الخارجية مع ضغوط مؤسسات التمويل الدولية هي المتحكمة في توجيه السياسة الاقتصادية وعملية الإصلاح برمتها، وهذه العملية تعرف باسم "توافق واشنطن". هذا "التوافق" الذي صاغه نائب رئيس البنك الدولي، الاقتصادي الأميركي "جون ويليمسون" عام 1989، ويتضمن مجموعة السياسات والتوصيات والمبادئ التوجيهية التي تم التوصل إليها بين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والإدارة الاميركية في واشنطن، وهي مبادئ حسب إدعاء "ويليمسون" تطبق في أي فترة تاريخية، وأي اقتصاد، وأي قارة، لتحرير كل الأسواق "الثروات، رؤوس الأموال، الخدمات، البراءات،.. الخ ".. ، وإقامة سوق بلا دولة؛ من أجل خلق سوق عالمي موحد ومنظم ذاتياً (كنت أعتقد أن هذا التوافق قد مر عليه الزمن ودفن بعد الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، لكنه ما زال حياً يرزق).
وأهم بنود مبادئ توافق واشنطن:
1. على كل بلد مدين، البدء في إصلاح المالية العامة وفق معيارين: تخفيض العبء الضريبي على الدخول الأكثر ارتفاعاً لتحفيز الأغنياء على القيام باستثمارات إنتاجية، وتوسيع القاعدة الضريبية على الفقراء.
2. تحرير سعر الصرف ( الليرة الوطنية) والأسواق المالية.
3. المساواة في المعاملة بين الاستثمارات الوطنية والاستثمارات الأجنبية؛ من أجل زيادة ضمانات الأخيرة.
4. تصفية القطاع العام، وخصخصة المؤسسات العامة.
5. تعزيز حماية الملكية الخاصة.
6. تشجيع تحرير المبادلات التجارية، وتخفيض الرسوم الجمركية بنسبة 10% كل سنة.
7. ضرورة تنمية القطاعات الاقتصادية القادرة على تصدير منتجاتها.
8. الحد من عجز الميزانية.
9. إلغاء كل أشكال الدعم عن الاسعار الغذائية والصحية.. الخ، والتوجه لتعزيز دعم البنى التحتية.
محصلة هذه المبادئ تعني إنهاء دور الدولة لمصلحة القطاع الخاص والأسواق الحرة. هذه هي شروط الرأسمالية التي تقوم على تنظيم علاقاتها مع البلدان المأزومة، وهي أدوات سيطرة كلية تعرف باسم "المشروطية"، وهو مشروع استعماري إمبريالي مع "جزرة" مساعدات وقروض مالية يعطيك مليار دولار مثلاً ويأخذ 100 مليار دولاراً مع فوائد وتبعية وارتهان وعقوبات وحصار وقمع وموت.. هذا عدا، عن إلغاء الهوية الوطنية للبلد المقترض.
هل هذا هو الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي نريد؟ أم أنه إعدام معلن للوطن والشعب والمقاومة ولتاريخ الشهداء والمقاومة والنضال الديمقراطي؟
لقد طرحت الانتفاضة الشعبية الوطنية أبسط مبادئها للإصلاح الوطني الديمقراطي، ومشروعها الإنقاذي "حي يرزق"، وعلى مكوناتها السياسية والنقابية والمهنية والشعبية التغييرية أن تبادر لاستلام زمام المبادرة وتنتفض من جديد، وتعلنها ثورة ضد رأسمالية الداخل والخارج، قبل أن يتمكن المشروع الإمبريالي الأميركي من "قرط البلد" بعشرة مليارات من الدولارات، وقبل أن يأكل شعبنا ثعالب النقد الدولي وقوارض النقد الداخلي.

