Menu

في الذكرى 18 لانقلاب 11 أبريل 2002.. ماذا بقي من الثورة؟

اسحق أبو الوليد

نشر هذا المقال في العدد ال١٣ من مجلة الهدف الرقمية

عندما أعاد الشعب الفنزويلي الذي زحف إلى القصر الجمهوري بالملايين، بالتحالف مع القوات المسلحة من جنود وضباط وجنرالات وخاصة من الحرس الجمهوري، الرئيس هوغو رفائيل شافيز إلى الحكم فرَ الانقلابين الفاشيين مذعورين لا يدرون كيف وإلى أين يهربون؛ لأن الشعب عاد وبسرعة مذهلة سيدًا، مغلقًا ومطوقًا لكافة المنافذ، فسقطت كافة قيادات الانقلابين العسكرية والمدنية في قبضة القوات المسلحه البوليفارية، الموالية للوطن والدستور والرئيس شافيز!

عاد الرئيس "المخلوع" بعد 48 ساعة (يعتبر أقصر انقلاب في التاريخ)، وقبل أن يذهب إلى منزله لتبديل ملابسه توجه إلى الشعب حاملاً صليبًا صغيرًا بيده، كمؤشر على نواياه التسامحية، ضد الانقلابين الفاشيين الذين وضعوا حياته تحت الأخطار القصوى؛ لإدراكه بأن ميزان القوى الخارجي ليس في صالحه، رغم اختلالها داخليًا لصالح قوى التغيير والثورة التي انتقلت للهجوم المضاد، مما دفع بالقوى الرجعية إلى أن تشدد من هجومها الأخير، وبكل ما كان لديها من إمكانيات، حيث عطلوا ونهبوا وحطموا كافة المعدات الالكترونية التي يعتمد عليها الإنتاج النفطي، استخراجًا وتكريرًا، مما أدى إلى تعطيل الإنتاج نهائيًا (صفر إنتاج)، وغرقت البلاد في اضرابات وأعمال تخريب وشغب لأكثر من 6 أشهر؛ أظهر فيه الشعب الفنزويلي أرقى درجات التحمل الثوري والاستعداد للدفاع عن الوطن والثورة، توجت بالانتصار الساحق على الأعداء الداخليين، مما دفع بأسيادهم الإمبرياليين وخاصة في واشنطن، إلى تأجيل خططهم العدوانية وانتظار الفرص حينًا، ومحاولة ايجادها أحيانًا للإطاحه بحكم البوليفاريين والتخلص من الرئيس شافيز، الذي أُعلن أنه ألد أعداء المصالح القومية الأمريكية، ويشكل خطرًا وتهديدًا للأمن القومي والاستقرار في القارة بأكملها.

هذا الهجوم الانقلابي المبكر على الثورة البوليفارية، جاء بسبب اقتناع كافة أطراف معسكر الأعداء أن لهذه الثورة عمق استراتيجي جغرافي (كوبا)، وفكري اشتراكي يتجه بشكل متسارع نحو مزيد من العلمية والماركسية، وبرنامج سياسي تمثل بإقرار قانون الأرض، وقانون العمل، وقانون الصيد، لهذا ترافق الهجوم على فنزويلا بالهجوم العميق على كوبا؛ الخميرة الثورية لشعوب أمريكا اللاتينية، واتهامها إنها تريد إقامة نظام شبيه بالنظام الكوبي "نظام شيوعي، توليتاري لا ديموقراطي، وسيؤمم المنازل والسيارات، وسيضع يده على الاطفال لتربتهم تربية شيوعية في كوبا"، وغيرها من الدعايات المضللة؛ بهدف سلخ الجماهير، وخاصة الشرائح البرجوازيه الصغيرة والمتوسطة والفئات المنتجة عن الثوره، لعرقلة البناء وتعميق الأزمات الموروثة عن المجتمع والنظام الرأسمالي التابع والمتخلف ما قبل الثوره.

"إن أهم درس تعلمته من الانقلاب الفاشي أن لا مساومة مع اليمين والقوى المعادية للثورة، وأي مساومة معهم حتمًا ستكون ضد الثوره وبرنامجها، وإنه يجب عليَّ تعميق أهداف الثورة وتحديد استراتيجتها بالانتقال إلى بناء الاشتراكية؛ اشتراكية القرن الواحد والعشرين، النابعة من ظروفنا واسلوب معيشتنا، أي اشتراكيتنا نحن". هذا الانتقال بالثورة خطوة إلى الأمام ترافق مع السيطرة الكاملة على شركة النفط الوطنية، مصدر الدخل الوطني شبه الوحيد والممول الرئيسي لبرامج التنمية الزراعية والصناعية، وتأميم الأراضي وتوزيعها على الفلاحين وتقديم القروض لهم، هذه الإجراءات مهدت لبناء الأسس الاقتصادية والتنظيمية الهيكلية لإرساء قواعد التحولات البنيوية والمؤسساتية باتجاه الاشتراكية، مما عزز الدعم الشعبي للرئيس شافيز وحكمه، الذي بدا يتوطد عمليًا منذ بداية العام 2004، حتى رحيله في 6 آذار عام 2013، أعاد خلال هذه الفترة بناء المؤسسة العسكرية والأجهزة الاستخبارية والبولسية والإدارية؛ لضمان ولائها للمصالح العليا للأمة، وشرع في بناء "مؤسسات الدولة الجديدة" التي قال عنها إنها "أصعب وأكبر تحدي للثورة"؛ لان الثوره تتقدم وتتعمق بقدر ما تتخلص من العوائق الموضعية والبنيوية للدولة البرجوازيه القديمة.

رحل القائد المؤسس هغو شافيز مبكرًا ( هنالك دلائل على اغتياله بالسرطان، والموضوع قيد البحث رسميًا)، وفي خضم وأهم وأصعب المعارك؛ بكاه الشعب بمرارة ويتذكر أيام حكمه بشوق وحسرة. مع رحيل هذا القائد العظيم، فَعّلت ونًشطت من جديد المخطات الإمبريالية التي تم تجميدها بعد فشل الانقلاب الدموي في 11 نيسان عام 2002، من أجل السيطرة على فنزويلا التي تحتوي على أهم وأكبر الكميات من المواد الخام المعدنية والنفطية والغاز وأراضي زراعية شاسعة تحتاجها الإمبريالية الأمريكية لحل أزماتها الاقتصادية، واستعادة قوتها عالميًا، مما أجج الصراع الطبقي والقومي الذي ما زال محتدمًا، وفي أخطر مراحله بين شعب فنزويلا وأعدائه الخارجيين والمحليين، في واقع أزمة داخلية مالية ـ اقتصاديه ـ نفطية (لا يوجد بنزين وسولار) وإدارية وأخلاقية، محفوفة بالمخاطر، وتهدد الإنجازات التي تحققت في عهد الرئيس الراحل شافيز، وإنهاء المشروع الثوري برمته، وإعادة البلاد للترنح تحت السيطرة الإمبريالية، وخاصة الأمريكية. 

إن المخططات الإمبريالية والصهيونية والرجعية، لا يمكن لها لن تنجح رغم قوتها وسطوتها إن لم تجد مرتكزات داخلية، وقوى محلية طبقية تساعدها على تمرير مخططاتها وتحقيق أهدافها، في سبيل تحقيق مصالح ذاتية أنانية على حساب المصلحة الوطنية، وهذا الدور تقوم به الطبقة البرجوازية المحلية بشقيها؛ القديمة التي خسرت السلطة والامتيازات بسبب الثورة البوليفارية، وهي برجوازية مرتبطة وتابعة، تعتمد في استمراريتها على علاقتها بالرأسمال الأجنبي وعمالتها له بوعي كامل، وتقاتل بكل قواها ضد الفكر التقدمي والاشتراكي وتنفذ ما يمليه علها العدو.

أما البرجوازية "الجديدة" التي تكونت في احشاء عملية التغيير والثورة البوليفارية منذ عهد الرئيس الراحل شافيز، استطاعت أن تنموا وأن تعزز وجودها في السلطة، وأن تشارك في اتخاذ القرارات، وما يميز هذه الشريحة عن الشرائح القديمه؛ إنها تتكون من عسكريين ورجال أمن وإداريين ومسؤوليين في الدوله، بالإضافة لمواطنين مستثمرين محليين وأجانب، ويتماشى خطابها السياسي مع الخطاب العام للبوليفاريين، بل تدعي أنها بوليفارية؛ ترفض الاشتراكيه وهذا طبيعي جدًا، وتحاول أن تعيد الأمور إلى ما كانت عليه في عهد الجمهورية الرابعة، أي قبل مجيء البوليفاريين للسلطة، ولكن بقيادتها هذه تدفع باتجاه المصالحة مع ما يسمى بالمعارضة البرجوازية المعتدلة والديمقراطية، وهذه الأخيرة التقطت ضرورات اللحظة التاريخية وموازين القوى القائمة واستطاعت ان تسيطر على رئاسة الجمعية الوطنية وإسقاط غوان غوايدو، المعيّن من الإدارة الأمريكية "كرئيس انتقالي" لفنزويلا، من رئاستها بدعم وأصوات النواب البوليفاريين في الجمعية الوطنية ذات الأغلبيه اليمينية.

بلا شك أن الإمبريالية، وخاصة إدارة ترامب، تراقب عن كثب التطورات التي تجري بشكل متسارع في الساحة الفنزويلية، وما تحدثه العقوبات ويعبث به الفساد الداخلي، وخاصة في الحقل الاقتصادي، حيث تم تحرير الأسعار ودولرتها ورفع الدعم عن السلع الأساسية، وتم إنهاء القيود على التعامل يالدولار والعملات الصعبة الأخرى والسماح بتداولها في العمليات التجارية المحلية إلى جانب البوليفر(العملة الوطنية)، ورفع أسعار الخدمات التي تقدمها الدولة، والتي كانت شبه مجانية إلى مستوى أسعار السوق، هذه الإجراءات تم اتخاذها تحت ضغط الحصار المالي والعقوبات الاقتصادية التي فرضتها الإدارات الأمريكية السابقة، وشددتها بشكل سافر إدارة ترامب، وراكمت أرباح هائلة للرأسمال المحلي، وألقت بثقل الأزمة على كاهل العمال والشغيلة والفلاحين الفقراء وبعض شرائح البرجوازيه الصغيره، أي على كاهل الكتلة الشعبية التي يرتكز عليه البوليفاريين ويستمدون منها قوتهم وشرعية ومبرر وجودهم، مما استنزف معظم إنجازات الثورة التي حققها الرئيس الراحل شافيز في المرحلة الممتدة من العام 2004 إلى العام 2012، فرغم ما رافقها من أخطاء وفساد وصفها الرئيس الراحل شافيز بالعهد الذهبي.  

نعم، يبدو أن المرحلة الحالية من عملية التغيير والثورة البوليفارية وصلت إلى نهاياتها، وها هي تتراكم من جديد عوامل الأزمة الثورية التي تتطلب الانتقال إلى مرحله أعلى من البناء باتجاه الاشتراكية، تشارك فيها الجماهير الشعبيه بشكل فعَّال وبقياده ثورية طبقية جديدة؛ من خلال جبهة وطنية ثورية يسارية، وهذا ما دعى إليه ويعمل على تحقيقه الحزب الشيوعي الفنزويلي مع الحزب الاشتراكي الفنزويلي الموحد، وإذا تعذر ذلك، فليكن مع منظمات ثورية اجتماعية وأحزاب سياسية، تناضل لتحقيق نفس الأهداف والبرامج. إذا تحقق هذا الشرط؛ سيُغلق الباب أمام البرجوازية بشقيها وقوى اليمين الرجعي وأسياده الإمبرياليين، وخاصة في البيت الأبيض، للعودة إلى سدة الحكم والسلطة؛ غير ذلك تبقى كافة الاحتمالات لإنهاء حكم البوليفاريين قائمة، ونحن نعيش في عصر الفايروس كوفيد 19 المفتوح على مصراعيه .