Menu

"اليوم التالي"، فليكن فرصة!

د. حسن خليل

نشر هذا المقال في العدد الأخير من مجلة الهدف الرقمية

لم يكن ينقصنا في لبنان، المنخور في تركيبته السياسية حتى العظم، إلّا الكورونا. أكثر من ستة أشهر مضت والشعب اللبناني في الشارع يواجه مفاعيل السياسات المتبعة منذ سنوات، والتي أوصلت البلاد إلى الانهيار والمجاعة، بفضل نظام سياسي رُكّب على عجل كي يؤمن مصالح "التمدن" القادم من الغرب. لم يكن ينقصنا ونحن نتعايش، بحكم الواقع، مع طغمة حاكمة ومستبدة، تنطق بلسان أسيادها الموزعين على أربع جهات الأرض، وفي مراكز النهب والسلب العالمية، من صناديق النقد إلى التجارة إلى أصحاب الرأسمال الفالت على فقراء العالم، والمتفلت من كل الضوابط والكوابح؛ ينفذون الأوامر وهم صاغرون لا تثنيهم أخلاق أو يردعهم ضمير، باعوهما في سوق الولاء المفتوح على الحصار والعقوبات والتحكم والتبعية والارتهان حدّ العمالة.

لم يكن ينقصنا إذن إلّا الكورونا، ونحن نعيش اليوم مفاعيل أزمات صحية – اجتماعية تجتاح لبنان وبلادنا العربية والعالم؛ وباء فضح أكثر مما أصاب، ولمّا تنته مفاعيله بعد، ومن المؤكد بأن نتائجه سيكون لها ما بعدها. فبالرغم من خطورته الصحية المباشرة على حياة المواطنين، إلّا أن خطره الأكبر هو "اليوم التالي" الذي سيليه؛ أزمات اقتصادية واجتماعية ستجتاح عالماً مهجوساً بخدمة رأس المال وكيفية تأمين مصالحه، تحكمه منظومة سياسية-اقتصادية-عسكرية، ليس في سلم اهتماماتها حياة البشر ومعيشتهم وبيئتهم ومستقبلهم، بل الأهم هو السيطرة وبالحروب والاحتلال والقهر ولمّا يزل، وما جائحة الكورونا التي تجتاح عالمنا اليوم من أقصاه إلى أقصاه إلّا تأكيد المؤكد على ذلك؛ هي رأسمالية مأزومة تحاول القفز من فوق أزماتها بالهروب إلى الأمام، مطيحة بكل شيء.

فالمنظومة الحاكمة والمتحكمة في العالم، والتي نتجت من نتائج الحرب الباردة، قد وصلت في أزماتها المتلاحقة إلى القمة، بحيث لم يعد ينفع معها الترميم ولا التجميل، فقبح نهجها لا يصلحه استخدام كل مساحيق العالم؛ لقد استنفدت كل إمكانيات التجدد المفتعل وبواسطة سياسات القهر والحروب والحصار والعقوبات والإكراه. لقد تمادت في بلطجتها حدّ الفجور، بحيث لم تترك قضية أو مسألة أو بلد إلّا ودست أنفها القذر فيه، ولم تترك وسيلة أو سلوك لا-أخلاقي إلّا وكانت فاعلته؛ حروبها غطت مساحة العالم وسياسة الحصار والتجويع لشعوب المعمورة بائنة وجلية، هي رأسمالية أنتجت من الحروب والسلاح والهيمنة والبلطجة أكثر مما أنتجت من القمح والحفاظ على البيئة ومنع التلوث ورتق طبقة الأوزون.

 فكيف لرأسمالية بلا أخلاق أن تعمل بأخلاق أو تنتجها، وها هي اليوم تقف عارية عاجزة، لا حول ولا قوة لها أمام شعوبها، مكابرة متكبرة تتجرأ على كيل الاتهامات يميناً ويساراً، لتغطية عجزها بغربال الكيدية والفوقية التافهة واختلاق الذراع لستر عورتها البائنة، إلّا أن خيبتها وخيبت نظمها تفضحها وتذلها: فهل مع المرابي ترامب وأقرانه وأشبابه وصبيانه سيكون العالم في مأمن أو الشعوب في هناء؟ لا أظن بأن ثمة صعوبة في الإجابة عن هذا الاستفهام، فمكتوب ترامب يُقرأ من جونسون وماكرون ونتنياهو وغيرهم الكثير من أوركسترا سياسية أتت من خارج المنظومات المتعارف عليها تقليدياً أو من توارث؛ لقد جاءوا لتلبية مصالح منظومات عميقة في نظم سياسية-اقتصادية وعسكرية، جمع المال همّها وليس من سبيل ممنوع عليها ارتياده، والحروب والتجويع والقهر هي أساس دروبهم وعليها مضوا وهم متابعين.

نعم لقد وصل هذا النظام الحاكم والمتحكم في العالم إلى ذروة أزمته، وها هو يترنح أمام غرور فارغ أوهم فيه شعوب العالم ونظمها. قاتل بأموال الشعوب وسرق مستقبلها، حرمها الخبز والعلم والحرية لمصلحة تجارة السلاح والأبيض والأسود، وها هو يقف عارياً حتى من ورقة التين التي يبست بفضل سياساته البيئية التي صحّرت أكثرية الأراضي الزراعية، ومنعت المطر من الهطول بفضل احتباس حراري، له أب وأم وأسباب معروفة لا لبس فيها ولا التباس. نعم لقد سقط هذا النظام العالمي ووجب تدميره لمصلحة آخر أكثر إنسانية وعدالة، آخر ليس على أنقاض المنتهي بل بديل عنه، بديل من نوع نقيض، له إرث وقوى وتاريخ وأفكار ومبادئ... وما عليه إلّا أن يكون أكثر جرأة وإقدام.

إن بلداننا العربية والشرق أوسطية وشعوبها، لن تكون بمنأى عن التداعيات السلبية لهذا الوضع، لا بل، يمكن أن تكون من الأكثر تأثراً به، وذلك بسبب الأمراض المزمنة التي تعانيها منذ أكثر من قرن من الزمن. لقد ابتليت هذه المنطقة، المترامية الأطراف والأبعاد، الممتدة من محاذاة الأطلسي غرباً إلى جوار السور العظيم شرقاً، بأمراض مزمنة ناتجة من سياسات وافدة مع غرب استعماري متجبر وقاتل، وبأخرى مستعصية مرتبطة بنظم سياسية وتركيبات هجينة، موروثة بهوية ضائعة بين قومية ملتبسة ووطنية متطرفة، لم تستطع خوض استحقاقات شعوبها في التنمية والحرية والعدالة والتحرر الوطني ولاحقاً التحرير، وبناء الدول الوطنية المرتكزة على خيار سياسي واضح واقتصاد وطني منتج، وبأفق تحرري يلغي التبعية ويُبطل مفاعيلها. من هنا يصبح لزاماً علينا كقوى تحرر وطني وشعبي أن نتقدم للمساهمة في رسم معالم القادم من الأيام وكيفية التصدي لمفاعيل نتائج الوباء المزدوج الذي نعاني منه.

لقد خذلت نظمنا السياسية الحاكمة منذ زمن بعيد شعوبها، فخسرنا الأرض وفقدنا الامكانات وفرّطنا بها لمصلحة قلة تحكمت فطغت وقمعت وأرهبت؛ قبلتها يممتها صوب الغرب ولمّا تزل. خياراتها دوماً كانت محصورة بين حدّين، العجز والتبعية، فرّطت بالثوابت، وأفرطت في الارتهان. لم تستطع وعلى مدى قرن من الزمن أن تزيل مفاعيل وعد طرأ على واقعنا من خلال إمبريالية وافدة على أنقاض سلطنة متداعية، فزُرع في أرضنا كموقع متقدم لمشروع استعماري عميق الأهداف ومستدام، أقام بيننا ولا يزال يتمتع ببعض حيوية أعطته إياها نظمنا الحاكمة الموروثة منها والمرّكبة، إلّا أن ثمة شعوباً قالت لا في وجه هذا السائد واستمرت تقاوم مخرز العدوان والعجز العربي الذي طال. لقد جاءت كورونا لتمنح شعوبنا سبباً إضافياً لكشف عورات النظم السياسية الملحقة، ولتبين زيف ادعاء حماتها الدوليين ورعاتها.

لقد بقيت الولايات المتحدة الأميركية زهاء ثمانين عاماً تنهب وتنهب وتعبأ خزائنها بأموال البترول، المحرومة منها شعوبنا، وعند أي استحقاق سياسي كان التموضع الأميركي واضحاً ومنحازاً لعدو إسرائيلي غاشم، محتل وقاتل، والعرب يصفقون: اليوم، ومع الكورونا، لقد بانت الصورة أوضح، والمسألة ليست بحاجة إلى من يفك شيفرتها، أما آن لشعوبنا أن تأخذ قرار التخلص من ذلك الجبروت وأدواته؟

الجواب لا يجب أن يكون بالتمني بل بالفعل الواضح. لم يعد هذا النظام المتحكم صاحب سطوة، بل أصبحت دوله أشبه بدول الموز أو الدول الفاشلة. الإرهاب الممارس من قبلهم آن أوان انتهائه، والبديل الثوري حان أوان تحركه: لا فصل بين الأسباب والنتائج؛ ففعل التسلط والبلطجة والعدوان لا خيار يلجمه إلّا الفعل النقيض له ومن الجهة المقابلة.

سيكون للكورونا نتائج اقتصادية مؤلمة على كل دول العالم، ودولنا وشعوبنا منهم؛ لذلك، استحقاق ربط التحرير بالتغيير دوماً مطلوب، والانحياز إلى فقراء شعبنا، والذين سيكثرون في هذه الفترة، هو منطقي ومطلوب لقوى ثورية تقدمية، دفعت في سبيل مبادئها وانحيازها إلى جانب المضطهدين أثماناً باهظة، فليكن هذا منصة لانطلاقة أكثر وضوحاً وفعالية.