Menu

أزمة الكيان والمستقبل المشئوم

حلمي موسى

مشاورات الحكومة حكومة ريفلين.jpg

نشر هذا المقال في العدد 14 من مجلة الهدف الرقمية

 تزايد السجال مؤخرًا في الحلبة العربية حول التطبيع مع الكيان ومستقبل العلاقات في المنطقة، حيث رأى البعض أن الكيان بات أمرًا واقعًا ينبغي الاعتراف به، وقال آخرون أنه كان وسيبقى نبتًا شيطانيًا من دون تربة وسيزول حتمًا. وبين هذا وذاك أغفل كثيرون حقيقة أن الواقع السياسي والتاريخي في المنطقة شهد تحولات أظهرت أن بقاء الحال من المحال، وأن الدول مثل الأفراد تمر بمراحل ولادة وتطور وانهيار. ومن دون الحديث عن حتميات تاريخية من المؤكد أن الكيان يواجه بعد 72 عامًا على إنشائه على أشلاء الوطن الفلسطيني الأسئلة الكبيرة التي واجهته منذ النشأة، وبديهي أن أهم سؤال في هذا المجال هو: هل سيبقى؟ وإلى متى؟

ومن الطبيعي عند بحث هذه المسألة؛ الانطلاق من واقع أن الكيان أفلح في البناء على سلبه من فلسطين، وأنشأ منظومات اجتماعية واقتصادية وسياسية، حققت نجاحات في العديد من الميادين، ورغم استسهال حصر الإنجازات الصهيونية وتبريرها بخدمتها للمصالح الإمبريالية، فإن هذا لا يمنع التأكيد على أن هذه الإنجازات كانت ملموسة وعميقة الأثر، خصوصًا في ظل ما راكم العرب من خيبات واحباطات. فالأمة العربية التي رأت في الوحدة سبيلاً للتحرير، ظلت منقسمة على نفسها وانقسمت دولها، بل أن الانقسام طال الشعب الفلسطيني أيضًا، وواضح أن هذه الانقسامات والاقتتال العربي وتراجع النمو الاقتصادي والسياسي والاجتماعي العربي؛ ساعد في إبراز قيمة الانجازات الصهيونية، ومع ذلك لا يمكن القفز عن أنه في ظل الإنجازات الصهيونية، كانت خيبات كبيرة تعمق أزمة الكيان وتحشره في زاوية، وبين أكبر هذه الخيبات عدم الاتفاق حتى الآن على هوية الدولة وطبيعتها، وقد قاد عدم الاتفاق هذا إلى سلسلة خيبات جديدة، تدفع الكثير من الباحثين للتشكيك في مستقبل الكيان.

ولا يقتصر التشكيك في مستقبل الكيان بمثقفين معارضين للحكم، الذي يتحول بأسرع مما كان متوقعًا إلى نظام فاشي ضاغط، ليس فقط على الفلسطينيين والعرب، وإنما أيضًا على مخالفيه في الرأي من الصهاينة أنفسهم. وقبل عامين قال رئيس الحكومة الصهيونية، بنيامين نتنياهو، الذي يُظهر غالبًا أكبر قدر من العربدة والعنجهية: "وجودنا ليس بديهيًا"، وإنه سيبذل كل ما في وسعه للدفاع عن الدولة. ويُكثر العديد من المفكرين ورجال السياسة في الكيان من التذكير بأن ما عرف من ممالك يهودية في أرض فلسطين لم تعمر طويلاً وسرعان ما كانت تنهار؛ جراء خلافات داخلية أو عدم تساوق مع المحيط، وبديهي أن هذه القاعدة تنطبق أيضًا على سيرورة الكيان في الظروف القائمة، رغم كل ما يبدو لنا حتى الآن من خيبات في الصف العربي وإنجازات في الجانب الصهيوني.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى بعض الدراسات الاجتماعية الحديثة في الكيان، والتي تتكهن بأن ما هو قائم الآن، ذاهب إلى زوال في وقت قريب. فالاستقطاب الداخلي يتفاقم بشكل متسارع كما تبدى في أزمة الانتخابات الأخيرة التي تكررت ثلاث مرات من دون القدرة على الحسم، ورغم تشكيل الحكومة الجديدة برأسين من نتنياهو وغانتس؛ إلا أن ذلك لا يبشر بقرب حل المشكلات الأشد جوهرية في الكيان والمتصلة بالهوية وصورة المستقبل.

وكما سلف، يتصل جانب فائق الأهمية في عوامل الأزمة بمسألة الهوية. فالأغلبية الساحقة من اليهود في فلسطين؛ حوالي 73 في المئة، تشعر بأنها "بقدر كبير إسرائيلية حقيقية"، والكيان في عامه الاثنين وسبعين يبدو مجتمعًا صغير السن نسبيًا مقارنة مع مجتمعات أخرى في المنطقة والعالم، لكنه أقل من سواه ثقة بالمستقبل، ليس فقط جراء استمرار الصراع العربي الصهيوني وإنما لاعتبارات داخلية، وتكفي نظرة واحدة إلى اللغة السائدة لتحديد الهوية لمعرفة أن هذا العنصر ليس بديهيًا في تحديد الهوية؛ فاللغة العبرية وإن تحدث بها أغلب القاطنين في المكان، لا تعني أنها ضرورة وجودية، فقد أقام المهاجرون الروس، مثلاً، لأنفسهم كيانًا اجتماعيًا ثقافيًا خاصًا بهم عبر اللغة الروسية؛ من أندية وصحف ووسائل إعلام، ويؤمن كثيرون بأنه ليس بالضرورة أن تكون "إسرائيليًا حقًا" أن تتكلم العبرية، ومن الجائز أن الخدمة في الجيش لا تزال تعتبر العامل الأساس في تحديد الهوية "الإسرائيلية" طبعًا، إلى جانب أن تكون ممن عادوا بموجب "قانون العودة" الممنوح فقط لليهود.

وهذا يقود إلى تمييز واضح في الحقوق والواجبات بين من يخدمون في الجيش ومن لا يخدمون، وبين من يخدمون وهم يهود وبين غيرهم، بل أن هناك من يصر على أن من لا يخدم في الجيش لا يمكن أن يكون "إسرائيليًا"، وأيضًا أن من ليس يهوديًا لا يمكن أن يكون "إسرائيليًا"، وطبيعي أن يدفع هذا التمييز إلى أبعاد تتعلق بالحقوق والواجبات ويظهر تصنيفات مواطنة مختلفة. ومع تنامي الفاشية في الكيان، صار الانتماء إلى الفكر الصهيوني المتشدد عنصرًا هامًا في تحديد الهوية، وتكفي هنا الإشارة إلى مجموعة القوانين العنصرية ضد العرب التي تم إقرارها في الأعوام الأخيرة؛ مثل قانوني القومية والنكبة.

وأشارت مقالة نشرت مؤخرًا في "معاريف" إلى أن الوضع العام في الكيان عشية تولي الحكومة الجديدة "مقلق"، جراء الثمن الباهظ جدًا للانقسام الداخلي، وأظهرت دراسة أن الاستقطاب الداخلي في المجتمع الصهيوني أعمق وأقسى من أي وقت مضى، وأن "جمرات العنف والخطر على النسيج الدقيق للديمقراطية يتعاظم". ولا تتعلق هذه الدراسة فقط بالشرخ القائم في الدولة العبرية بين العرب واليهود، وإنما أيضا بالشرخ بين اليهود أنفسهم، وحسب هذه الدراسة، فإن ميل اليهود للتصرف بطريقة عنيفة ضد العرب هي أكثر من ضعف ميل العرب لهذا السلوك، كما أن من هم على استعداد للتصرف بعنف تجاه مخالفيهم في الرأي، هي عند أنصار اليمين أربعة أضعاف، مما هي عند أنصار اليسار. وتقريبًا يؤيد حوالي نصف أنصار اليمين، حرمان أنصار اليسار من حقوقهم المدنية الكاملة، وربما أنه لولا التخويف الدائم من الزوال والإيمان بأن ما يمنع ذلك هو الجيش لما رأينا هذا القدر من الالتفاف حول الجيش؛ كقوة توحيد جامعة في المجتمع الصهيوني.

ورغم أن الكيان نشأ على ذرائع دينية يهودية، فإن الدين وانتهاجه يشكل أحد أهم عناصر الخلاف داخل المجتمع الصهيوني، ووفق الدراسة آنفة الذكر، فإن معظم من يصنفون أنفسهم علمانيين يرون أن المتدينيين يشكلون خطرًا على الدولة، ويطالبون بتقييد نفوذ المتدينيين في الحياة العامة. وتذكر الدراسة أن حوالي 50 في المئة من الصهاينة صاروا أقل تعاطفًا مع الحريديم خصوصًا بعد انتشار وباء الكورونا.

وقد نشرت "هآرتس" مقالة لتشاك فريليخ، الذي شغل في الماضي منصب نائب رئيس مجلس الأمن القومي؛ حذر فيها من مستقبل أسود للدولة العبرية إذا وصل إلى رئاستها حريدي، ويعرض فريليخ سيناريو مفترض لواقع قد يحدث بعد 20-40 عامًا بسبب تعاظم الثقل الديمغرافي للحريديم خلال هذه الفترة، ما قد يوصل إلى رئاسة الحكومة حريدي لأول مرة، يقود إلى انهيار اقتصادي. ويكتب أن "تعاظم تمثيل الحريديم الديمغرافي سيفضي حتمًا إلى انهيار الاقتصاد الإسرائيلي، وتحوله إلى اقتصاديات العالم الثالث؛ لأن معظم المدارس ستتوقف عن تدريس المواد الأساسية (علوم، رياضيات، والإنكليزية) التي يعد تدريسها مطلبًا لاندماج الشباب في المرافق الصناعية والإنتاجية المهمة". ويتذكر كثيرون طريقة تعامل وزير الصحة الحريدي، يعقوب ليتسمان، والتي أدت إلى تفشي الكورونا، وإصابته هو وزوجته بهذا الفيروس.

ولا يخفى على أحد أن الأزمة السياسية التي يعيشها الكيان ليست سوى تعبير عن سلسلة أزمات اجتماعية وفكرية أشد عمقًا مما تبدو، ورغم أن البعض يعرض حلولاً لها هنا وهناك؛ إلا أن الحلول التي يعرضها اليمين، بوصفه القوة الأكبر في المجتمع، تقود في نظر الكثيرين إلى الهاوية، وقد تجلت بعض مظاهر هذه الأزمة في العلاقة بين السلطتين التشريعية والقضائية وأثر ذلك على سيادة القانون ومبادئ الديمقراطية. ولاحظ الجميع موقف رئيس الكنيست الليكودي من قرار المحكمة العليا بشأن عقد جلسة لانتخاب رئيس الكنيست عندما رفض تنفيذ القرار، وذهب إلى الاستقالة لمنح نتنياهو مزيدًا من الوقت لمواجهة الموقف. ومعروف أن نتنياهو يواجه العديد من لوائح الاتهام في قضايا فساد، وأن آلاعيب كثيرة تمت من أجل إبقائه رئيسًا للحكومة في مواجهة كل نصوص وتعليمات القانون.

وأمام هذا الواقع، ليس صدفة أن يتحدث قائدان صهيونيان عن أزمة الكيان في سن الثمانين، وهو السن الذي انتهت قبله مملكتان يهوديتان وفق الاعتقاد السائد، وكتب مئير بن شاحر والجنرال عوزي ديان مقالة بعنوان "في العقد الثامن"، يستعرضان فيه المخاطر التي تواجه الدولة العبرية، ويستذكران في المقالة واقع أن مملكة سليمان انشقت بعد 70 عامًا، كما تفككت مملكة الحشمونائيين بعد 80 عامًا، ويقولان أن هذا لم يحدث بسبب عدو خارجي، ولا بسبب أزمة اقتصادية، وإنما لأن عوامل التفكك تغلبت على عوامل الوحدة، ويشيران إلى أن الجيل الثالث في الكيان ينظر إلى وجود الكيان كأمر بديهي ولا يخاف على وجوده، مما يفقده عوامل التماسك التي حكمت وجود أسلافه. وهذا يقود إلى ما يعرف بنظرية ابن خلدون في نشوء الدول وانهيارها، ومعروف أن هذه النظرية ترى أن كل دولة تنتقل بين خمسة أطوار هي: الظفر، والانفراد بالمجد، والفراغ والدعة، ثم طور القنوع والمسالمة، وأخيرًا الإسراف والتبذير، والكيان يتغير بتغير أجياله، وهذا ما يفسر بعضًا مما نعيشه هذه الأيام. وإذا كان واقع العرب والفلسطينيين حاليًا لا يبشر بخير وفير قريبًا، فإن واقع الدولة العبرية رغم إنجازاتها، ليس أفضل حالاً في المستقبل الأبعد.