Menu

التنسيق الأمني موقف تكتيكي أم جذري: ما هي آليات الفكاك؟

فادي الشافعي

خاص بوابة الهدف

على مدار عقود، عملت السلطة على تطبيع الاحتلال في الحيز الفلسطيني، أكان ذلك بقصدٍ أو بغير قصد؛ فالتنسيق الأمني الرسمي والعمل المشترك، وما أسمته (مكافحة الإرهاب) وإحباط العمليات الفدائية وإطلاق صفة المقدس على التنسيق الأمني أكثر من مرة؛ فعل مفعوله على الأرض وفي ذهنية ونفسية الفلسطيني العادي الذي عملت السلطة على تحويله من الشعور الوطني لمواجهة التحديات للشعور بالمواطنة/ الراتب / الضريبة/ العلاقة مع المؤسسة، لتصبح السلطة عنوان الوطنية الفلسطينية. {1}

تكتيك أم تغيّر جذري؟

ظل هذا الوضع قائمًا ويتمدد، حتى أعلن الرئيس محمود عباس ، مساء 19 مايو/أيار الماضي، أنّ منظمة التحرير ودولة فلسطين أصبحتا في حل من جميع الاتفاقيات مع الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية ومن جميع الالتزامات المترتبة عليها؛ ذلك ردًا على خطّة الضم التي ستقدم عليها دولة الاحتلال بدعم من إدارة ترامب لما يزيد عن 30% من مساحة الضفة الغربية. 

بناءً عليه، أفادت، مصادر إعلامية، بأنه على الفور، بدأت الحكومة الفلسطينية بإجراءات عاجلة لتنفيذ وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال، ووقف عمل هيئة الشؤون المدنية في السلطة الفلسطينية، وفي قطاع غزة توقف تنسيق مغادرة المرضي الذي يحصلون على تغطيات مالية من دائرة شراء الخدمة (العلاج بالخارج) في وزارة الصحة الفلسطينية ولديهم مواعيد حجز في المستشفيات. 

في ضوء هذه التطورات الجديدة، أكد الكاتب وعضو اللجنة المركزية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان نضال عبد العال في مقابلة مع "الهدف" على ضرورة "إجراء مراجعة سياسية شاملة لإدارة الصراع"، مشككًا في إمكانية أن تتخذ السلطة أي قرارات جذرية تؤدّي إلى تغيير شكل علاقتها مع الاحتلال الصهيوني، منوهًا إلى أنه حتى في حال حل السلطة "يجب أن يكون هذا الحل في سياق مشروع وطني بديل وكامل"، على أن يصاغ هذا المشروع وفق معطيات المواجهة الراهنة. 

"آليات بديلة" وموقف واضح

تحت بند "تخوفات من توتّر الأوضاع في الجنوب" زعمت قناة (كان) العبرية على لسان الصحفية نوريت يوحانان التي تعمل في قسم الشؤون الفلسطينية بالقناة أنه، في الأيام الأخيرة، بدأت ما أسمته "آلية تنسيق بديلة" تعمل بين قطاع غزة و"إسرائيل" من خلال المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان إذ يتقدم المرضى الفلسطينيون بطلبات خروج لتلقي العلاج الطبي.

أمام هذا التذاكي الصهيوني، جاء موقف المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان واضحًا لا لبس فيه، بإدانته ما تروّجه سلطات الاحتلال، والزّج باسمه لتقديمه بديلًا عن السلطة الفلسطينية بالتنسيق لسفر المرضى في غزة، الذين يواجهون خطر الموت بسبب حرمانهم من الوصول إلى خدمات طبية أساسية غير متوفرة في القطاع. 

ويقدّم المركز، على مدى أكثر من 15 عامًا، خدمات للمرضى المحتاجين للعلاج بالخارج، ويتدخل قانونيًا مع الاحتلال "الإسرائيلي" خصوصًا في الحالات المصنفة (إنقاذ حياة)، ويمكنه في بعض الأحيان من مساعدة المرضى الحاصلين على تحويلات طبية في استصدار تصاريح لمغادرة القطاع لتلقي العلاج المطلوب، كما يتدخل لمساعدة فئات أخرى في الحصول على حقهم بالحركة والتنقل وتمكينهم من السفر، ويقع هذا كله بالكامل ضمن اختصاص عمل المركز في الدفاع عن حقوق الإنسان وحماية المدنيين في فلسطين.

وقال المركز، في بيان صحفي: "لم يكن في المتصور أن تبلغ سلطات الاحتلال هذا المستوى من التوظيف السياسي لحاجة المرضى للعلاج، وتقديم المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان وكأنه بديل للسلطة الوطنية الفلسطينية أو للالتفاف على قرارات القيادة الفلسطينية بوقف التنسيق". 

وفي ضوء ذلك، قرر المركز وقف كل خدماته القانونية للمرضى، مؤكدًا أنه يأسف لاتخاذ هذا القرار، ولكنه يحمّل سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" المسؤولية الكاملة عن تبعاته، مع التأكيد على رفضه القاطع الالتفاف على قرارات القيادة الفلسطينية بأي صورة.

السلطة تقدّم الحلول لـ"إسرائيل"

قال وزير الشؤون المدنية، وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، حسين الشيخ، إن الأجهزة الأمنية ستعتقل أي شخص في الضفة الغربية يخطط لتنفيذ علمية في "إسرائيل".

وأضاف، الشيخ "في مقابلةٍ مع صحيفة (نيويورك تايمز) نشرت في 8 حزيران/يونيو الجاري، لدى سؤاله عن كيفية ردة فعل الأمن الفلسطيني حيال من يخطط لهجوم يستهدف "إسرائيليين": سنعتقله طالما كان في الضفة، وفي حال علمت السلطة بوجود ذلك المهاجم في المناطق الإسرائيلية فسيُخبر الأمن الفلسطيني نظيره الإسرائيلي – عبر وسط- بضرورة اتخاذ التدابير، سنجد أي طريقة لإحباط ذلك الهجوم".

الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بدورها، أكدت، في بيان صحفي، أن تصريحات الشيخ، للصحيفة الأمريكية تثبت استمرار نهج السلطة، وأنّ قرار "التحلل من اتفاقيات أوسلو وقطع العلاقة مع الاحتلال" لا يعني بالنسبة لها القطع النهائي. 

وأضافت، في بيان، صدر في 9 حزيران/ يونيو الجاري، أنّ تصريحات الشيخ تعني: "يُمكن العودة عن القرار إذا ما تم تحريك توقيت قرار الضم أو تأجيله، منوهةً إلى أن تصريحاته لم تتضمن أي ذكر للحقوق الوطنية الفلسطينية وكررت نفس مواقف السلطة المعروفة.

وشددت الشعبية على أنّ إصرار الشيخ على أن الأجهزة الأمنية "ستستمر في محاربة الإرهاب، وإنها سوف تمنع العنف والفوضى، ولن تسمح بإراقة الدماء، واعتبار ذلك "قرارًا استراتيجيًا" هو اعتراف ضمني بأنه لا مغادرة لهذا النهج، وأن السلطة وأجهزتها الأمنية ستواصل ملاحقة المقاومة والمقاومين مشيرة إلى أن ذلك يعني دخول السلطة طورًا جديدًا من سياسية التنسيق الأمني ليتخطى حدود الضفة لمناطق أخرى.

السلطة لا تقدّم الحلول للناس 

وفي نفس المقابلة، قال الشيخ: إنّ السلطة ستخفّض مبلغ الـ 105 مليون دولار الذي ترسله إلى قطاع غزة شهريًا على شكل رواتب، وتغطية لرسوم المرافق النفقات الطبيّة.

وأفاد المتحدث الرسمي باسم الحكومة الفلسطينية، إبراهيم ملحم، في بيان صدر عنه مساء 3 حزيران/ يونيو الجاري: بأنه نظرًا لعدم قيام وزارة المالية بإرسال بياناتها الشهرية المتعلقة بأموال المقاصة، تنفيذًا لقرار القيادة بوقف كافة أشكال التنسيق مع إسرائيل، فإن الحكومة لم تستلم أموال المقاصة عن شهر أيار المنصرم.

وقال رئيس الوزراء الفلسطيني، محمد اشتية، خلال مؤتمر صحفي برام الله، ظهر 9 حزيران/يونيو الجاري: إنّ الحكومة لن تكون قادرة على دفع رواتب الموظفين نهاية الشهر الجاري بسبب التعنت "الإسرائيلي" في تحويل الأموال.

الجبهة الشعبية، بدورها اعتبرت ذلك "محاولة مكشوفة لتصدير الأزمة السياسية، التي صنعتها السلطة، إلى الطبقات الشعبية الفقيرة وخاصة في قطاع غزة". 

وأوضحت أن ذلك مرتبط بسياسية العقاب الجماعي التي طبقتها منذ سنوات على القطاع من قطع للرواتب وتخفيض النفقات الطبية، ومحاولة من السلطة لرمي غزة في المحرقة الصهيونية، داعيةً السلطة إلى الكف فورًا عن هذه السياسة العقيمة التي لا تشير على إمكانية التزامها بقرارات الإجماع الوطني وفي مقدمتها التحلل من أوسلو وسحب الاعتراف بالكيان.

آراء متعددة: حاجة ملحة إلى أدوات نضالية خلّاقة

على مستوى علاقتنا كفلسطينيين في الأراضي المحتلة مع كيان العدو الصهيوني في الضفة الغربية والداخل المحتل عام 48 وقطاع عزة، يرى الكاتب وعضو الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لـ"إسرائيل"، د. حيدر عيد، في مقابلة مع بوابة الهدف أنه "يجب علينا أن نعيد كل مفهومنا للعلاقة مع الاحتلال"، مشيرًا إلى أنه منذ عام 1993م وحتى اللحظة كان التيار الفلسطيني الرسمي يتعامل مع الاحتلال على أساس علاقة بين "دولتين".

وتابع: خاصةً في اللحظة الحالية، يجب أن نعود إلى التعريف الأصلي لعلاقتنا معها كـ"دولة استعمار استيطاني كولونيالي"، تمارس عدّة أشكال من الاضطهاد ضد كل مكونات الشعب الفلسطيني، ويظهر هذا الاضطهاد كـ"احتلال عسكري مباشر في الضفة الغربية وقطاع غزة" وتفرقة عنصرية ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة الفلسطينية عام 48 وهذا كله يرد في سياق استعمار استيطاني ممنهج منذ عام 1948م حتى اللحظة.

وأضاف: القانون الدولي على علاته؛ إلا أنه واضح في هذا الإطار، إذ يعتبر أن العلاقة بين الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة هي علاقة بين مُحتل وشعب تحت احتلال وتبعًا لهذا القانون "يتكفل الاحتلال بالقضايا المدنية كافة كالتعليم والصحة حتى إيجاد حل عادل للقضية. 

وأكد عيد في هذا السياق، على أنه يجب أن تكون علاقتنا مع الاحتلال علاقة "اشتباك"، وأن كل ما يُفرض علينا من تعامل مع الاحتلال في القضايا المدنية هو "تطبيع قسري" نحن مكرهون عليه، وبناء على ذلك يجب التفريق بين الأشكال الأخرى من العلاقة مع الاحتلال التي تندرج في إطار "التطبيع الطوعي" كـ "المفاوضات" و"التنسيق الأمني" وهي مرفوضة جملةً وتفصيلاً. 

وعليه، قال عيد: يجب قطع العلاقات الطوعية كافة مع الاحتلال الصهيوني وإجباره على القيام بواجباته التي يفرضها القانون الدولي. فيما رأى عبد العال بأنه لا يمكن إعادة إحياء الصيغ القديمة في العلاقة بين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة والاحتلال الصهيوني. 

وعلى المستوى السياسي اعتبر عبد العال: أن ما هو ثابت وأكيد أن "فكرة التسوية سقطت"، ويجب علينا العمل على "ابتكار أشكال جديدة من المواجهة مع المحتل"؛ فالمقاومة قدرنا كشعب تحت الاحتلال وليس مجرد خيار. 

اقتصاديًا، دعا وائل الجاغوب، الكاتب، ومسؤول الجبهة الشعبية في السجون عبر "الهدف" إلى "إحداث تغيّر جذري في البرنامج الاقتصادي، والانتقال إلى الاقتصاد المقاوم فكرًا وممارسة، وإنهاء مفهوم اقتصاد السوق، والاقتصاد المستند إلى الريع السياسي الذي عمل على تنمية ثروات أقلية مرتبطة بالسلطة، وأنتج حالة فساد منظمة ومُمأسسة، وأفرز نخبًا ارتبطت به ورسًخ قيمًا وسلوكيات استهلاكية ألحقت ضررًا بالغًا بالمجتمع الفلسطيني شعبًا وقضية"{2}

وبادر الجاغوب، في وقت سابق بتقديم خطة وطنية شاملة لمواجهة مخططات الضم الصهيونية نشرتها "الهدف" حصريًا، وتضمنت الخطة 3 محاور رئيسية: الأول يتعلق بمتطلبات الإعداد الوطني الداخلي، والثاني يتضمن دعوة للاشتباك اليومي مع الاحتلال وبرنامجًا وطنيًا شاملًا، وفي المحور الأخير سلّط الضوء على أهمية الوعي الفردي في هذه المواجهة.

في الختام، إنّ عودة حالة الاشتباك اليومي مع العدو هي قدرنا كشعب تحت احتلال، وهي الحل الوحيد لمنع ضم العدو لأراضي جديدة، وتحقيق حلم الدولة الفلسطينية المستقلة.

عودة هذا الاشتباك بحاجة إلى قرارات اقتصادية جذرية لتحويل الاقتصاد الفلسطيني من اقتصاد قائم على الريع السياسي إلى اقتصاد مقاوم في سياق مشروع وطني تحرري كامل؛ تديره قيادة سياسية تستطيع استثمار حالة النضال الوطني الناتجة عن ذلك إلى مكتسبات سياسية وقانونية إقليمية ودولية، ودفع الاحتلال ليتحمل التزاماته المدنية والقانونية بصفته احتلال حربي لفلسطين.

 


------------------------------------------------------------------------------
(1)  مركز حنظلة، اللجنة الإعلامية والثقافية للجبهة الشعبية، من التنسيق الرسمي للتنسيق الشعبي، مركز حنظلة للأسرى والمحررين.
(2) خطة الضم ومشروع المواجهة، وائل الجاغوب، بوابة الهدف الإخبارية.