Menu

ضم الأغوار المخاطر وسبل المواجهة وأهمية مغادرة الأوهام

طارق أبو بسام

يومًا بعد يوم، نقترب من الموعد المحدد لإعلان قرار الضم لمنطقة الأغوار، هذا القرار الذي اتخذه الصهيوني  نتنياهو، بالتعاون والتنسيق الكامل مع العنصري ترامب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وبما يتوافق  مع صفقة القرن، وما هي إلا أيام قليلة ونكون وجهًا لوجه أمام هذا الخطر الداهم والاستحقاق التاريخى الكبير. وسواء تم تنفيذ هذا الاتفاق في الموعد المحدد في الأول من تموز القادم كليًا أو جزئيًا، أو تم تنفيذه دفعة واحدة  أم على دفعات، أو تم تقسيمه إلى مراحل أو مرحلة واحدة، فالحقيقة الماثلة أمامنا أن هذا القرار قد اُتخذ للتطبيق، ويجب أن ينفذ قبل نهاية مرحلة ترامب. ومن المعروف أن هذا القرار ليس وليد الصدفة أو صفقة القرن، بل إن هذا القرار يعود في جذوره التاريخية إلى أعقاب حرب حزيران عام ١٩٦٧، حيث أعلن الوزير الصهيوني أيغال آلون من ذلك الوقت عن خطته للضم، تحت ما سُمي في حينه مشروع آلون.

إن هذا القرار قادم لا محالة وسيتم وضعه موضع التطبيق، رغم أية تعديلات أو تفصيل هنا وتفصيل هناك، ما لم نملك القرار الشجاع بالتصدي لذلك عبر الممارسة العملية، ووفق برنامج وآلية عمل واضحان للمواجهة، هذه الخطة المطلوب منها أن نقاوم بكل ما نملك من طاقات، ومن خلال التمسك بكافة حقوقنا وعدم الاستمرار في سياسة التجزئة وربط القضايا بعضها مع بعض ولا يجوز أن تشغلنا المؤامرة الجديدة عن التصدي لما سبقها. وليس مقبولًا ونحن نتصدي  لموضوع ضم الأغوار أن ننسى موضوع ضم القدس ويهودية الدولة وضم الجولان...الخ.

فالولايات المتحدة و(إسرائيل) ينظرون إلينا، ويرون أننا نتحدث دائماً عما هو جديد، وننسى القديم بحيث يصبح واقعًا. علينا أن نغادر مربع الانتظار كما جرت العادة؛ فمرة ننتظر الانتخابات الأمريكية ونتائجها، وأخرى ننتظر الانتخابات الإسرائيلية ونتائجها... الخ، لنعاود الدوران في نفس الحلقة المفرغة، وهم ينفذون خططهم ويفرضون الأمر الواقع. وعلينا أن نغادر موقع الكلام والتصريحات إلى مواقع الفعل والممارسة، كون بيانات الشجب والإدانة لم تكن تجدي نفعاً لا سابقًا ولا هي نافعة الأن.

لقد أدان العالم ضم القدس والجولان، وأدان نقل السفارة الأمريكية للقدس، وصدرت العشرات، بل المئات من القرارات من مجلس الأمن والأمم المتحدة، ومما يسمى المجتمع الدولي، تدين وتطالب (إسرائيل) بتنفيذ هذه القرارات، فما هي النتيجة حتى الآن؟ النتيجة الواضحة كل الوضوح، ولا خلاف عليها، أن دولة العدو أدارت ظهرها لكل ذلك ومارست ما تريد بدعم أمريكي كامل وعجز عربي مخزنٍ، وسكوت دولي متساوق لا يفعل غير المناشدة. وهنا نقول للمرة المليون، إن دولة العدو لن يردعها سوى القوة والعمل الجاد على الأرض لتغيير موازين القوى، عبر اتباع برنامج شامل للمقاومة، يفرض على دولة الاحتلال أن تدفع ثمنًا غاليًا لاحتلالها، بحيث لا يعود احتلال ٥ نجوم.

إن قرار الضم يعتبر قرارًا غير شرعيًا ومخالفًا للقانون الدولي، وهو خطوة أحادية الجانب تكرس هيمنة وسيطرة إسرائيل على الأرض الفلسطينية، متحدية بذلك إرادة وقرارات المجتمع الدولي. وقبل الدخول في تحديد الأسباب الدافعة باتجاه الضم والتسريع به، والأسباب الدافعة باتجاه التأجيل واعتماد الضم على مراحل، لا بد من التوقف أمام اهمية هذه المناطق بالنسبة لدولة العدو، ولماذا تريد إسرائيل ضمها وإحكام سيطرتها عليها؟

باختصار شديد، فإنها تعتبر من أغنى المناطق في العالم، كونها صالحة للزراعة طوال العام، إضافة إلى كونها من أغنىى مناطق العالم من حيث احتوائها على أحواض المياه، وهي التي تقدم السلة الغذائية لفلسطين و الأردن إلى جانب تميزها بالجو الدافئ في فصل الشتاء، مما يجعلها مناطق سياحية بامتياز، وهذا كله يشكل مردودًا اقتصاديًا كبيرًا يصب في دعم الاقتصاد (الإسرائيلي) على حساب الاقتصاد الفلسطيني والأردني.

أما من الناحية العسكرية تتمتع هذه المنطقة بموقعها الممتاز والذي تسيطر من خلاله سيطرة تامة على الحدود بين الضفة الفلسطينية والأردن وتغلق التواصل المباشر معها، كما إنها تحول الأراضي المحتلة إلى معازل لا تواصل بينها وتمنع أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية.

وفيما يلى نستعرض أهم الأسباب التي تدعو (اسرائيل) للإسراع في تنفيذ هذه الخطة:

أولًا: الانقسام الفلسطيني وعدم وجود جدية من طرفي الانقسام للخروج من هذه الحالة، وما يعكسه من حالة يأس وإحباط في الشارع الفلسطيني، وما يتركه من آثار سلبية أدت إلى تراجع الدعم  والإسناد العربي والعالمي للقضية الفلسطينية.

ثانيًا: انشغال جميع الدول العربية في مشاكلها وصراعاتها الداخلية، فهناك الدول التي ابتليت بما يسمى الربيع العربي، والذي أنهك سوريا والعراق وليبيا وفكك جيوشها ودمر اقتصادها والبنية التحتية فيها وقتل وشرد الملايين من أبنائها. كما انشغال دول الخليج في الحرب الظالمة ضد اليمن، خاصة حكام نجد والحجاز والإمارات الذين بددوا المليارات من الثروات في هذه الحرب العبثية التي دمرت البشر والحجر في اليمن. إلى جانب الصراع بين دول الخليج نفسها؛ صراع حكام نجد والحجاز والإمارات والبحرين مع حكام قطر. أما مصر فهي غارقة في مشاكلها مع أثيوبيا بشأن سد النهضة، والتى يمكن أن تتحول إلى حرب بينهما. والجزائر لم تتعافَ بعد من العشرية السوداء التي مرت بها وما أعقبها من فساد في السلطة في الفترة الأخيرة من حكم بوتفليقة، وبالتالي أغلبية الدول العربية غارقة في مشاكلها وابتعدت كثيرًا عن الوقوف إلى جانب الفلسطينيين.

ثالثًا: انشغال العالم بجائحة كورونا، وما نتج عنها من كوارث اقتصادية وخسائر بشرية.

 رابعًا: تراجع الدعم الشعبي العربي للقضية وتوجه الكثيرون نحو التطبيع مع الكيان الإسرائيلي.

خامسًا: وجود قناعة لدى الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، إن ردود الفعل العربية لن تتجاوز  التظاهرات والاعتصامات وبيانات الاستنكار استنادًا لما حصل بعد إجراءات تهويد القدس وضم المستوطنات ونقل السفارة الأمريكية للقدس وصفقة القرن. وهنا لا يسع المرء، إلا أن يتذكر ما قالته جولدا مائير بعد حرق المسجد الأقصى: "لم أنم طوال الليل كنت خائفة من أن يدخل العرب إسرائيل أفواجًا من كل مكان، ولكن عندما أشرقت شمس اليوم التالي علمت أن باستطاعتنا أن نفعل أي شيء نريده". وللتذكير نورد أن حريق المسجد الأقصى قبل نصف قرن في 21 آب/ أغسطس 1969، كان حادثًا مدبرًا ومفتعلًا ومخططًا له من قبل شخص يؤمن بشكل متطابق مع ما يقوله حاليا "الصهاينة المسيحيون" أو "المحافظون الجدد" في الولايات المتحدة الأمريكية.

سادسًا: وجود ترامب في السلطة وهو المتبني والمنحاز للموقف (الإسرائيلي) بالمطلق والرغبة المشتركة لإتمام ذلك، أي الضم، قبل موعد الانتخابات الأمريكية وما تحمله من إمكانيات عدم فوز ترامب.

سابعًا: عدم صلابة الموقف الفلسطيني واستمرار المراهنة على المفاوضات وعدم الذهاب الى تفعيل خيار المقاومة، إلى جانب استمرار حالة الانقسام وعدم وجود مشروع جدي للمواجهة.

أما العوامل التي تدفع باتجاه التأجيل فهي:

أولًا: عدم الاتفاق بين الأحزاب الصهيونية على تنفيذ هذه الخطوة، من حيث التفاصيل الحجم والتوقيت، رغم اتفاق الجميع على مبدأ الضم.

ثانيًا: الأحداث الكبيرة التي تعصف بالولايات المتحدة خاصة بعد جائحة كورونا وبعد مقتل جورج فلويد والمظاهرات التي عمت أغلبية المدن الأمريكية، احتجاجًا على الممارسات العنصرية، مما جعل أمريكا مشغولة بشكل أكبر في قضاياها الداخلية، إلى جانب وجود وجهات نظر مختلفة داخل الإدارة حول كيفية وحجم وتوقيت التنفيذ.

ثالثًا: الموقف الأوروبي المعارض لهذه الخطوة والخشية أن يتطور تجاه فرض العقوبات على إسرائيل.

رابعًا: الخشية والخوف أن يؤدي قرار الضم إلى تراجع الموقف العربي الذي يدعو للتطبيع،   خاصة بعد أن تم تحقيق إنجازات لصالح العدو في هذا المجال، حيث انتقلت الاتصالات من السر إلى العلن، وانتشرت مسلسلات ومقالات التطبيع الثقافي ووصلت إلى التطبيع الجوي عبر تسيير الرحلات إلى مطار بن غوريون والمخفى أعظم.

خامسًا: الإجماع الفلسطيني الرافض لهذه الخطوة، المعبر عنه من قبل جميع المنظمات والمؤسسات والفصائل الفلسطينية ومن قبل السلطة، والخوف من تطور هذا الموقف لاحقًا إلى انطلاق انتفاضة جديدة وتصعيد المقاومة، بما يؤدي إلى نسف مجمل العملية التفاوضية ويهدد مسيرة التسوية.

بعد هذا العرض السريع لحيثيات كيفية تطبيق قرار الضم، لجهة التوقيت أو خطوات التطبيق، يجب الآن تناول كيف يواجه الفلسطينيون هذا الوضع؟

بداية يجب التأكيد على الأهمية القصوى للخروج من سياسة الأوهام ومغادرتها نهائيًا، حيث لا زالت تعشش في أذهان الكثيرين، وبشكل خاص الصف القيادي الأول في المنظمة والسلطة،  فما هي هذه الأوهام؟

أولًا: وهم المراهنة على التناقضات داخل الأحزاب (الإسرائيلية) والخلافات فيما بينها، وهنا من المهم رؤية أن هذه الخلافات هي في الشكل ولا تمس الجوهر، فجميعهم متفقون على المواقف الأساسية ومن ضمنها، لا للدولة الفلسطينية، لا لعودة اللاجئين، لا لتفكيك المستوطنات، لا للعودة لحدود عام ١٩٦٧، والقدس عاصمة أبدية موحدة لدولة "إسرائيل"، وغيرها من ثوابت الحركة الصهيونية.

ثانيًا: وهم المراهنة على أن الضم لن يُحدث جديدًا، فالضفة كلها تحت الاحتلال ولن يتغير شيء، وهذا خطر كبير؛ فالضم يعني أن تصبح هذه الأراضي تحت السيادة (الإسرائيلية) بالكامل، ويتم تطبيق قوانينهم عليها بما يسمح بمصادرتها وتهجيرهم منها، أما الأراضي التي تعود ملكيتها لأشخاص غير موجودين فتتم مصادرتها استنادًا إلى قانون أملاك الغائبين.

ثالثًا: وهم الرهان على التحرك السياسي والدبلوماسي، ومع تأكيدنا على أهمية هذا التحرك  ومواصلته وتطويره، إلا أن ذلك لن يجدي نفعًا مع غياب عوامل القوة التي تسند هذا التحرك وتكون أساسًا له.

رابعًا: الوهم لدى البعض في الحصول على الجنسية (الإسرائيلية) من خلال الضم، وهذا لن يحصل، كون الضم سيكون للأراضي فقط، أما السكان سيكون مصيرهم الترحيل.

خامسًا: وهم المراهنة على الانتخابات الرئاسية الأمريكية ونتائجها وإمكانية فشل ترامب فيها. وهنا نؤكد أن الحزبان الجمهوري والديمقراطي متفقان على مواصلة الدعم لدولة العدو بلا حدود، وكلاهما ينفذ ويدعم السياسية (الإسرائيلية) في المنطقة والتجربة الطويلة تؤكد ذلك.

ختامًا من المهم التأكيد على أنه إذا أردنا أن نخوض مواجهة جادة في مواجهة هذه المشاريع التآمربة والتصدي لها، علينا أن نمتلك الإرادة الفولاذية التي لا تنكسر، وأن نمتلك برنامجًا جديًا للمواجهة؛ برنامجًا مقاومًا، وأن يقوم على تطبيق هذا البرنامج قيادة وطنية جامعة، وبمشاركة الكل الفلسطيني، وتتمتع بعزيمة لا تلين.

وفيما يلي أسجل بعض النقاط البرنامجية التي تشكل مدخلًا لذلك:

أولًا: الذهاب فورا لإنهاء الانقسام وتجسيد الوحدة الوطنية بين كافة الفصائل والمنظمات ومكونات الشعب الفلسطيني على قاعدة المشاركة الجماعية في صنع القرار، والابتعاد عن الفردية والتفرد وسياسة الهيمنة، ونعيد ترتيب البيت الفلسطيني. والمسؤولية هنا تقع على الجميع، وأساسًا حركتي فتح وحماس، والمسؤولية أيضًا تقع على عاتق من يعارض الانقسام إذا لم نتوحد اليوم متى يمكن أن يحصل ذلك؟ على هذه القوى أن تنزل للشارع وتحرك الجماهير ولا تكتفي بإصدار البيانات والمناشدات والشعب يدفع الثمن كل يوم.

ثانيًا: الذهاب لتفعيل خيار المقاومة وعدم الاكتفاء بالتحرك السياسي، وعدم الرهان على المفاوضات العبثية التي أوصلتنا للمزيد من التراجع.

ثالثًا: إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير وبرنامجها الوطني والتمسك بميثاقها الأساسى سياسيًا وتنظيمًا، وعودة التمسك بكافة البنود التي تم شطبها في "مجلس غزة".

رابعًا: القطع الكامل مع اتفاقيات أوسلو والخروج منها نهائيًا، وكذلك من كافة ملحقاتها الأمنية والاقتصادية.

خامسًا: سحب الاعتراف بدولة العدو والتمسك بالحق الفلسطيني في تحرير كامل التراب الوطني. وإذا ما اعتبر البعض أن هذا الموقف يتناقض مع الواقعية، أقول لا للواقعية التى تتخلى وتفرض التنازل عن الأرض والحقوق.

سادسًا: ضرورة القيام بتغيير كامل في وظيفة السلطة، بحيث تصبح وظيفتها الأساسية تقديم الخدمات للمواطنين وحماية مصالحهم، وحماية المقاومة وتحويل البنادق في أيدي رجال الأمن من حماية الاحتلال والمستوطنين إلى حماية الشعب والدفاع عن المقاومين.

سابعًا: الدعوة لمؤتمر شعبي فلسطيني عام بأوسع مشاركه ممكنة من الداخل والخارج ومن كافة الفئات (المرأة، الشباب، النقابات، المنظمات السياسية والاجتماعية، والمثقفين، والمناضلين..  الخ)، على أن يشارك الجميع، وإذا رفضت القيادة المشاركة، يتم دعوة الأخوة من فتح ممن يرغبون ويستطيعون المشاركة؛ ففتح حركة أساسية وعمود من أعمدة النضال الوطني، وهي لعبت دورًا كبيرًا في المقاومة على مدار التاريخ، وفيها عشرات الآلاف من المناضلين، وقدمت الآلاف من الشهداء والجرحى والمعتقلين، وقدمت الكثير من الرموز والقيادات الوطنية من أجل فلسطين ولا زال بإمكانها أن تقدم الكثير.

المرحلة تتطلب حشد أكبر الطاقات وأعلى درجة من الوضوح في الرؤية، وتتطلب قيادة تليق بالشعب الفلسطيني؛ قيادة مقاومة وشابة ومؤمنة بعدالة قضيتها؛ قيادة  تؤمن بحتمية الانتصار؛ قيادة تخرج من دائرة البيان والانتظار إلى دائرة الممارسة وصنع القرار؛ قيادة  تعمل على تغيير موازين القوى وتحقق الإنجازات؛ قيادة تضع مصلحة الشعب والقضية فوق مصلحتها الخاصة، وإن لم تفعل بسبب عجزها أو عدم رغبتها في التغيير، تصبح الجماهير مطالبة بالنزول للشوارع بكثافة وفرض التغيير.

المطلوب خطوات عملية بأسرع وقت ممكن؛ الأيام تمضي والزمن يسير ولا ينتظر أحدًا والتاريخ لن يرحم. وهنا أخاطب الجميع، فإما أن نكون على قدر المسؤولية ونتحمل الأمانة، وإلا علينا أن نغادر الساحة ونترك للأجيال الشابة صناعة مستقبلها، وهي لا شك قادرة على ذلك.