كل هذا الذي يجري على أرض القدس والضفة الغربية هو بالتأكيد سطو صهيوني مسلح على الأرض والوطن والتاريخ والوجود العربي برمته في فلسطين... هم-الصهاينة- يخوضونها حرب اقتلاع واحلال جذري، يقترفون خلالها كل الانتهاكات والجرائم والمجازر الإبادية، وما يجري هو انتهاك صارخ متواصل لكافة المواثيق والقرارات الدولية، وما يجري تغطيه دولة الاحتلال بالقوة الغاشمة، ويمكن القول أن تلك الدولة ترتقي إلى مستوى أكبر مافيا لسرقة الأوطان والأراضي والممتلكات والحقوق على وجه الكرة الارضية. فماذا نحن فاعلون فلسطينيًا وعربيًا في ضوء كل ذلك؟ سؤال كبير عاجل ملح على الأجندات الفلسطينية العربية. هل أعد الفلسطينيون العدة لمواجهة مثل هذا اليوم؟! وما هي ادواتهم ووسائلهم في التصدي؟! وعربيًا: أين العرب من فلسطين؟! أين العرب العروبيين في المشهد كله؟! وهل ترك المشهد لأولئك المطبعين المجرمين؟! هل نرى قريبًا نهوضًا عربيًا مختلفًا يتصدى لكافة التحديات الوجودية للأمة؟!
وعالميًا.. بينما يجمع العالم كله تقريبا اليوم من أوروبا إلى الأمم المتحدة، ناهيكم عن الإجماع العربي والإسلامي على رفض الاستعمار الاستيطاني الصهيوني ومخططات الضم والتهويد، إلا أن "إسرائيل" تستحضر دائمًا وتعمل وفقًا لتلك المعادلة في العلاقات الدولية التي كان وضعها بن غوريون: "ليس المهم ما يقوله الغوييم - أي الآخرون - وإنما المهم ما يفعله اليهود". وما يفعله اليهود الصهاينة منذ ما قبل النكبة، إنهم يشنون حروبًا مفتوحة على الوطن والشعب العربي الفلسطيني، ويشنون حربًا من نوع خاص بهم على الأرض الفلسطينية تستهدف الاستيلاء الكامل عليها من بحرها إلى نهرها على أنقاض شعبها وحقوقه التاريخية فيه.
وليس ذلك فحسب، فها هو نتنياهو يعلن بالأمس فقط: "أن سياسته بخصوص الضفة الغربية تعتمد على خمسة- 5 - مبادىء: "مبدأنا الأول أن الضفة بلدنا ووطننا، أما الثاني فسنستمر في تطوير وبناء هذه المنطقة الهامة من البلاد، والثالث أنه لن يتم اقتلاع أي مستوطنة ولن يتم اقتلاع أي مستوطن من منزله في أي تسوية وفي أي خطة أو بدون خطة، والرابع أن الجيش الإسرائيلي وقوات الأمن ستواصل السيطرة على الأراضي الواقعة غرب نهر الأردن بما في ذلك وادي الأردن، أما المبدأ الخامس، فهو أننا نسعى من أجل الاعتراف الدولي بجميع المبادئ السابقة-الإعلام العبري -2019-7-10".
والأهم من كل ذلك، إنهم يغطون عمليًا السلب والنهب والسطو المسلح والجرائم بالأيديولوجيا والأساطير الدينية، فالحاخام ياكوف سافير يعبر عن ذلك قائلًا: "إن الانتقادات الدولية للاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية سخيفة؛ لأن الله هو الذي وعد اليهود بهذه الأرض وعلى العرب أن يرحلوا إلى مكان آخر". ويضيف: "إن هذه الأرض هي أرض يهودية - اإنها ديارنا".
وفي السياق، وجّه ما يسمى بـ"حاخامات أرض إسرائيل" رسالة تحمل في طياتها تهديدًا صريحًا وواضحًا لرئيس الحكومة نتنياهو (الذي لا يحتاج قطعًا إلى تهديد) ينصحونه بألا يقوم بخطوات متسرعة من قبيل ترك -ما أسموه- بأرض إسرائيل لأعدائها؛ لأنها ستجلب كارثة على الإسرائيليين وعلى نتنياهو بشكل شخصي حسب تعبيرهم.
المحلل الاسرائيلي ألوف بن في صحيفة هآرتس، يذكّر بالجوهر الحربي للاستيطان قائلًا: أن المستوطنين لا يختبئون خلف شعارات نتنياهو في الزيادة الطبيعية والتطور الطبيعي التي تهدف إلى التخفيف من الضغط الأمريكي، فهم لا يخجلون في حربهم مع الفلسطينيين أساسًا في إقامة وقائع على الأرض؛ من أجل استمرار السيطرة الإسرائيلية.
وأوري أفنيري رئيس تحرير مجلة "هعولام هزيه" سابقًا كان كتب في معاريف قائلًا : "أن الحرب الحقيقية تدور رحاها على الأرض في أنحاء الضفة الغربية والقدس، وأسلحتها تتكون من: الخرائط والقرارات، والأوامر العسكرية، وهي حرب مصيرية يتعلق بها مصير ومستقبل ملايين الفلسطينيين، فإما الحياة أو الموت". وفي مقالة أخرى له نشرتها صحيفة معاريف أكد: "أن مفاوضات التسوية الدائمة ستار من الدخان يتواصل خلفه النزاع الإسرائيلي _ الفلسطيني بكل عنفوانه، وتشن إسرائيل معركة حثيثة لترسيخ السيطرة الإسرائيلية في كل أرجاء الضفة الغربية، فما يجري على الأرض يفوق بكثير كل ما ينعكس في وسائل الإعلام.. إذ تتواصل في كل أرجاء المناطق المحتلة، معركة ترمي إلى تحويل كل قرية ومدينة فلسطينية إلى جيب منقطع محوط بمناطق سيطرة الإسرائيلية، هذه ليست من عمل متعصبين مجانين، بل معركة مخططة جيدًا تتواصل في عهد الليكود والمعراخ على حد سواء، والهدف منع كل إمكانية لإقامة دولة فلسطينية حقيقية مستقلة".
وعمليًا على امتداد مساحة الأرض في الضفة الغربية لم يتوقف بلدوزر التجريف والاستيطان عن العمل في جسم الضفة، إذ تكشف لنا أحدث عناوين مشهد الاستيطان ونهب الأراضي العربية النقاب عن معطيات مذهلة حول مناطق نفوذ المستوطنات وامتداداتها وتداعياتها على مستقبل الوحدة الجيوديموغرافية الفلسطينية، وعلى مستقبل الدولة الفلسطينية التي ما تزال تراوح في دائرة الحلم التاريخي.
إذن هذه هي الحقيقة الصهيونية السافرة، إنها حروب شاملة؛ حروب على الأرض والشعب الفلسطيني تتقدمها حروب الاستيطان والضم والتهويد، وهي سطو مسلح حقيقي إرهابي إجرامي صارخ، يهدف إلى تطويب الضفة الغربية جزءًا من "أرض إسرائيل إلى الأبد"، بعد أن ضمنوا-أمريكيًا وأمميا وحتى عربيًا إلى حد كبير- تطويب فلسطين المحتلة 1948 الى الأبد..!

