ليس الحديث هنا عن مشروعية "إسرائيل" في وجودها، ولا عن حق الفلسطينيين التلقائي البديهي بوطنهم التاريخي، فهذا أمر يبدو بأنه صار محسوماً ليس بالنسبة لقناعات الفلسطينيين والعرب بل للعالم، بل وحتى لدى خشيات المستوطنين أنفسهم، فالقوة العسكرية التي صنعت النكبة والنكبة الثانية" النكسة" تتلاشى باضطراد.
لقد بُني التعاطف العالمي مع "قيام اسرائيل" بناءً على وهم ديني منظم ومشروعية إعلامية تحاكي عذابات اليهود وترتيبات بروبوغندا جرائم النازية، كانت تلك النقطات الأساس - السند الأولي لدعم "دولة" اليهود في فلسطين. سقط ذلك الأن، وانقضى عامل الدعم الغربي "الأخلاقي"، بعد أن باتت شعوب العالم تدرك بأن "إسرائيل" لم تنشأ بسبب الاضطهاد الأوروبي المسيحي، ولا وعد" الرب"، ولا المجازر الهتلريه التي هي أصلاً تمت بالتنسيق مع الحركة الصهيونية ذاتها (اقتل اليهود كي يهاجروا نحو فلسطين، ونبني دولة وعد الرب)، فهي في الواقع الملموس لم تنشأ كتحقيق "وعد الرب يهوه" الذي هو في الأصل إله كنعاني منقرض أعاد أحبار اليهود انتاجَهُ في القرون الوسطى، وأنشأوا بالتعاون مع اليمين المسيحي؛ مذهب البروتستانتية كدين منفصل عن المسيحية من صُلب المسيحيين أنفسهم، بصيغة كانت مستحدثة في حينها- مسيحيون يؤمنون بيهوه- ويكذبون المسيح الحقيقي يسوع بن مريم "الدجال الفلسطيني"!
بدأ الوعد الحقيقي سياسياً واقتصادياً بوعد نابليون، لكن بونابرت هُزم في فلسطين واندحر من عكا خائباً، وبالتالي من المنطقة برمتها، في الوقت ذاته زاد ذلك من إصرار رأس المال اليهودي الذي موَّل بونابرت وحملته على الاستمرار في مساعيهم ذات الأهداف الاقتصادية، فقد أدت خيبة الأمل بالشريك بونابرت وخسارة الأموال إلى نزعة تصحيح أكبر لدى المستثمرين اليهود فقرروا المتابعة لمواصلة الحملة، وهكذا ولدت الحركة الصهيونية كحركة ذات أهداف مالية مصرفية مسنودة بشعارات دينية تحولت إلى سياسية، بعد أن تطابقت الرؤى الغربية الإمبريالية الصاعدة مع الرغبة المالية لرؤوس أموال اليهود.
ليس صحيحاً ما علمتنا إياه كتب الدراسة العربية، بأن دعم الغرب قيام الكيان الصهيوني كان للتخلص من اليهود، هذه رؤية شعبوية ومقولة جُهلاء الغرب، وليست نخبويه مالية وسياسية غربية حاكمه، ذلك أن النخب الحاكمة في الغرب لا سيما بريطانيا الاستعمارية كانت تفضل الوجود اليهودي الداعم مالياً على أية فئة أخرى، لكن في الوقت ذاته، فإن كراهية اليهود كانت من اختصاص المجتمعات الأوربية التي كأي مجتمعات مسيحية ساذجة وقتها أخرى تكره اليهود "قتلة المسيح" وتكره البرجوازية والانعزالية وسلطة رأس المال المتحكم بقوْتها.
هكذا بنيت الفكرة، دولة في فلسطين وعدَ بها الرب – تسويق ديني، دولة للهيمنة على المنطقة العربية- موطئ قدم- تسويق استعماري، دولة تتحكم بالاستثمارات وثروات المنطقة – رؤية مالية، بخاصة أن فلسطين دولة غنية، وهي البلد السياحي الأول عالمياً آنذاك. دولة تضم اليهود الذين هم مكروهون في المجتمعات الغربية، ويعيشون في غيتوات ويُضطهدون، لكن ذلك لن يكون كافياً، لا بد من تفعيل دوافع التهجير إذن، كيف؟ فليفتح المجال واسعاُ لارتكاب كارهي اليهود مجازر ضدهم، وذلك بالتوافق مع تجميل حُلم فلسطين كحلم ديني اقتصادي واستعماري في أذهانهم، هكذا تم تجنيد المال والإعلام مرة أخرى؛ لتحقيق هذه الغاية، فصدر وعد بلفور، ثم كان لا بد من ولادة النازية الأوروبية. كل ما يمكن الحديث عنه من جرائم ارتكبت ضد اليهود المسالمين العزل - سواء الحقيقية أو المتخيلة- تم تحقيقه على أرض فلسطين فيما بعد، المجازر الجماعية، تدمير المدن، اعتقال المطالبين بالحرية، اضطهاد عنصري، تفرقة دينية، عزل واعتقال ونهب وتشريد...
اليوم سقطت سياسية اكذب ثم اكذب، العالم يرى كيان العصابات الصهيونية الإرهابية بشكل واضح، وتم مع ذلك اكتشاف وهم (العودة إلى أرض الميعاد).
كيف يمكن لأي "إسرائيلي اليوم" أن يصدق بأن هذه الـ "فلسطين" أرض بلا شعب وهو يرى أن أعداد الفلسطينيين الذين عمل الصهاينة والعالم بأسره وبكل قوته على تهجيرهم ومحو هويتهم، يفوق عدد اليهود في أرض فلسطين- إذا عاد اللاجئون يصبحون ضعف اليهود، الذين وخلال قرن كامل أيضاً عمل العالم بكل قواه العظمى وماكينته الإعلامية والاقتصادية والعسكرية على جلبهم إلى البلاد – إسرائيل الديمقراطية، العنصرية، المظلومة التي ترتكب المجازر وتدمر المدن وتمنع الناس من العودة إلى بيوتهم التي هجروا منها، هكذا أيضاً اكتشف اليهودي القادم من أي مكان في العالم بأن وجود وواقع تمسك الفلسطينيين بحقهم، بل تماهيهم الروحاني والإنساني والتاريخي مع وطنهم يفوق وهم وعد يهوه!
اليهودي الفلسطيني ما زال فلسطينياً، البولندي ما زال بولندياً، العراقي ما زال عراقياً وهكذا، وغالبيتهم يحتفظ بجنسية وطنه الأصلي لإدراكه حتمية العودة في النهاية، في وقتٍ ما وخلال ظرفٍ ما.
لو سألت أي مستوطن على كل أرض فلسطين: من أين أنت؟ سيجيبك على الفور أوروبي، مغربي، روسي، إفريقي، هذا يعني بأن الصهيونية والكيان "الدولة" فشلا في تحقيق نسيج اجتماعي موحد، هنا يكمن فشل الصهيونية الأسطع، بل على العكس فإن وحدة المستوطنين الأوائل قبل وبعد النكبة يشهد اندفاعاً تفككياً بصورة مستمرة، بالمقابل لم يستطع دهاة الأرض تفكيك وحدة المجتمع الفلسطيني حتى بعد فصل المناطق المحتلة خلال النكبة الأولى 1948، ثم النكبة الثانية عام 1967 ثم فصل غزة حالياً بطريقة ما، بالنسبة لليهود فهم تجمعات عرقية وهُوياتية في فلسطين، بالنسبة للفلسطينيين هم مجتمع مترسخ تلقائياً هنا، لا بفعل عمل قوى عظمى ولا صغرى، بل بحسب تلقائية التاريخ وانسيابيته، تلك هي الحقيقة التي يدركها الجميع اليوم.
واليوم، إن طرحت سؤالاً على أي يهودي يستوطن فلسطين، مفاده ما الذي ستفعله عند إنهاء إسرائيل؟ سيجيبك أعود إلى بلدي الأصلي، لن يقول لك أنها لن تنتهي! في حين ورغم كل المآسي، فإن الفلسطيني المليونير الحاصل على جنسية جيدة للتحرك ويعيش في بلاد متقدمة ومستقرة، على الأغلب سيكون مستعداً للتخلي عن ذلك ليعود إلى وطنه، أو على الأقل لن يتنازل عن حقه في العودة.
مسألة المواطنة والوطن عميقة جداً، هي ليست مجرد ورقة انتماء هنا، يتدخل السيكولوجي، بالتاريخي بالديني بالاجتماعي بالروحاني بالمستقبلي، هذا ما يجعلنا نرى في كل لحظة تلك القوة الهائلة للفلسطينيين رغم كل الضعف، كما نرى حال الضعف في إسرائيل على الرغم من قوتها، وهذا ما يجعلها على الرغم من انتصاراتها العسكرية المتلاحقة، لا تستطيع؛ إلا أن تعيش في قلق الهزيمة الدائم! الأمر شبيه هنا أيضاً بجهد فرانكشتاين لخلق وتركيب مخلوق بشري، يتم إنجاز هذا البشري مشوهاً منذ البداية، يقتل، ثم يحاول قتل صانعه، ثم يقتل نفسه بيديه في لحظة الوصول إلى قمة النزعة العدوانية وقوته الخارقة.
مفكرو واستراتيجيو العالم – بمن فيهم المستوطنون- يعرفون هذه الحقائق، ويدركون بغض النظر عن تأييدهم لهذا الطرف أو ذاك، ويعلمون بأن عمر إسرائيل مؤقت، وأنها بدأت في التآكل الذي لا مناص منه. لا مخرج، بل إن المخرج مستحيل، فكل الحالات تقتل إسرائيل؛ استمرار التسلح يقتلها، التراجع عنه يقتلها، دعم الغرب أو شُحِّه، حشدُ الأنظمة العربية والعملاء بشكل فريد من نوعه، صهينة الإسلام والعروبة، إنتاج مسلسلات تطبيعية وأصوات معادية للحقيقة، كل ذلك يعبر عن هذه الحقيقة، زوال الكيان في النهاية.
حسناً فماذا عن السلام؟ أول سطوعات "السلام" هي الديمغرافيا فهي جندي فلسطيني قوي، إنها تفعل فعلها منذ الآن، ففكرة التخلص من المثلث أو ضم الأغوار لن يعطي نتيجة أفضل مما رأيناه بعد فصل الضفة وغزة بعد نكبتي 1948 ثم 1967 وثم غزة مؤخراً، ومحاولة فصلها وتجسيدها كإمارة مستقلة عن بقية فلسطين، تحقيق "حل الدولتين" بأي شكل كان، أو ضم الضفة أو "ضم شرق الأردن، كل ذلك قاتلٌ أيضا لـ"إسرائيل". لقد كتبتُ شخصياً من أكثر من خمسة عشر عاماً في ذكرى انتصار الجيش الذي لا يقهر واحتلال العاصمة الفلسطينية والضفة وغزة والجولان وسيناء مقالة قلتُ فيها "الحرب تقتل إسرائيل والسلام ايضاً"... لا مفر من ذلك.

