Menu

العشائرية صمام أمان أم نذير فلتان وانقسام؟

خاص بوابة الهدف

العشيرة قديمة قدم تشكل المجتمعات، يربطها علاقات الدم والرحم والمصاهرة وهى مؤسسة اجتماعية مهمة وفاعلة بخلاف العشائرية التى هى نمط تفكير أيدلوجية وعقلية تسعى إلى توظيف واستخدام العشيرة لخدمة أفكار وتوجهات أو مصالح محددة، وهى مرض خطير قاتل يفتك بالنسيج المجتمعى؛ يصطدم مع قيم الحداثة والمدنية والتقدم، هى نظام حكم خارج نطاق القانون  والدولة على حساب المواطنة والعدالة والحريات.

الثورة والمواطنة تعنى تجرد الإنسان من أنانيته من قبيلته وعشيرته وعائلته. الثورى هو من يخلع الثوب العائلى والقبلى ويرتدي الثوب الأكبر الضام والجامع والموحد لكل المكونات والفسيفساء المجتمعية؛ إنه ثوب الوطن والثورة والقضية. إن الدعوات المشبوهة وتضييق آفاق وممرات الانتماء وحصرها فى الانتماء العشائري ومحاولات إحلال الهوية العشائرية والانتماء والقبلى  وعلاقات القربى  محل الهوية الوطنية والمجتمعية، هو فى الحقيقة  دفع باتجاه الخلف وهى دعوات ذبح للمجتمع والثورة والوطن والقضية.

أجزم أن التجمعات المبنية على العشائرية والقبلية والعائلية هى حتما إلى زوال، لأنها تحمل بداخلها مقومات فشلها وبذور موتها، كونها بالأصل مبنية  على العواطف والمصالح الأنانية الضيقة القابلة للتبدل أو الاندثار والزوال، وهى حتما لا تمتلك أدوات وحوامل ديمومتها ومواءمتها مع المتغير المتطور.

العشائرية ليست قدرا أو حالة أبدية هى ليست حالة مقدسة تستوجب التسبيح والحمد ليلا نهارا،  لو كانت كذلك  لبقيت القبلية والعشائرية هى التى تحكم المجتمعات المدنية فى أوروبا؛ فأين مصير العشيرة والقبيلة فى أوروبا؟ لقد توارى وانزوى إلى غير رجعة لصالح دولة القانون والمجتمع المدنى بعد الثورة الصناعية؛ القرية تمدينت والمدينة تعولمت والبدو استقروا فى دور وقصور. كل شيء تغير بسبب الحراك الاجتماعى والمكانى.  ولأن لا شيء يبقى على ثابتة فى الكون والحياة، فالتطور والتغير متواصل بلا توقف؛ فالمجتمع المشاعى البدائي اندثر وتوارى مع تطور المجتمع العبودي والإقطاعى والبرجوازي، وهذا ينظمه قانون نفى النفي على أرضية الصراع بين القديم والجديد من خلال ديالكتيك؛ وحدة وصراع الأضداد.

نعم نحن لا نستطيع مناطحة تطور وتمرحل التاريخ؛ فالتاريخ معلم جيد، ولكن نحن بحاجة للتعلم واستخلاص  العبر والدروس.

الولاء العشائري والقبلى هو نقيض الانتماء للوطن وقضاياه الكبرى وهذا ما عمل المستعمر الأجنبى والصهيوني على تغذيته وتوظيفه عبر مراحل تاريخية مختلفة، حيث قامت العلاقة  بين العشيرة والسلطة القائمة على التخادم والتصادم، وعلى أرضية التوافق والمسايرة بعيدًا عن القانون  وقضايا الوطن. إن استحضار القديم البالى لمواجهة الجديد المتطور المعاصر هو بلا شك  محاولة خاسرة ولا رهان عليها، وإنما هى محاولات لإعادة الفشل والعدم.

لعب المستعمر الإنجليزي والصهيوني على وتر تغذية النزعات العائلية والعشائرية والقبلية، واستطاع التسلل من خلال هذه القناة الفتاكة، والتى كانت سببا رئيسيا فى إلحاق الأذى والضعف والضرر الكبير بمسيرة النضال الوطنى الفلسطينى، وكان هذا واضحا فى الثورة الفلسطينية الكبرى عام  1936، حيث الدور التدميرى الذى لعبته  بعض العائلات الكبرى والوازنة بقيادة ال النشاشيبى والحسينى وعبد الهادى وحلفائهم فى إفشال الثورة، حين انقلبوا عليها وشكلوا حزبهم المضاد للثورة والذى عرف حينذاك ب "فصائل السلام"، حيث كان الدافع للالتحاق بهذه الفصائل هو الوقوف مع القبيلة والعائلة ضد الثوار الذين ينحدرون من الطبقات الدنيا اجتماعيا والفلاحين البسطاء الذين نفذوا عمليات قتل ضد العملاء وسماسرة بيع الأراضىي المتعاونين مع المستعمر الإنجليزي والصهيوني،  وهذا كان محل رفض واستياء وعدم تسليم من هذه العوائل التى كانت ترى فى سلوك الثوار فى قتل أبناءهم من المتهمين؛ مساسا بمكانتها الاجتماعية والوطنية، ونتيجة لذلك قررت هذه العوائل التحالف مع المحتل الإنجليزى والعصابات اليهودية من خلال "فصائل السلام" التى ساهمت فى الإجهاز على الثورة وتقويضها، ومنذ ذلك الحين بدا ينمو ويكبر نبات الكراهية عبر الأجيال لكل ما هو عائلى وعشائري وقبلى؛ لإدراك الأجيال أن هذا الانتماء كارثي مدمر وعلى حساب الوطن وقضاياه.

إن استبدال الانتماء للوطن بالانتماء للعائلة والعشيرة التى أصلا لا تنتمى إلا لنفسها وحدها، وما نفسها إلا سلسلة ومجموعة امتيازات أنانية ضيقة ومحدودة، كما كان حال شعوب الإغريق قديما  الذين كانوا يطلقون على مدنهم اسم ممالك، لا يعنيهم قضايا الوطن الكبير – الأم، بل جل ما يعنيهم كيف يؤمنون حاجة مدينتهم.

إن المطل على مشهد الشعوب  العربية وتجارب الأنظمة معها، يلحظ كيف استعانت الأنظمة، بل غذت ووظفت وضغطت على أزرار العشائرية والقبلية حسب ضرورات الزمان والمكان؛ النظام الاردني استعان بأبناء العشائر عندما حصل حراك شعبى  فى الأردن،  حيث عمل النظام على تغذية الانقسام المجتمعى بين أردنى وفلسطينى، وادعى أن الفلسطينى يعمل على ضرب الهوية الأردنية.

فى العراق ومشروع الصحوات المعتمد أصلا على العشائرية والقبلية، والذى كان يهدف لضرب المقاومة العراقية ضد المحتل الأمريكى.

فى السودان وتجربة البشير مع الجنجويد وهم قبائل عربية من قبائل دارفور ضد الأفارقة، وهم نفسهم ما يسمى بقوات "الدعم السريع" فى مواجهة الثوار والمعتصمين إبان الثورة السودانية.

لا يخفى علينا تجربة اليمن ودور القبلية والعشائرية فى عرقلة مسيرة النمو والبناء والثورة، حيث أبقت اليمن فى ظلامات الجهل والتخلف، وكذلك الحال فى ليبيا التى كان بإمكانها الانتقال لمعارج الرقى و النهضة.

إنها لحظة انكشاف الوهم وتجلى الحقيقة الرهيبة التى هى نتاج طبيعى وتحول نوعى لاستزراع نبتة شيطانية تثمر عقلية قبلية عشائرية يجنى قطافها سلطة طرفى الانقسام لبسط النفوذ وإدامة  الحكم والسيطرة وتعظيم الأرباح الأنانية المتمثلة فى الدعم والمناصرة والإسناد، للدرجة التى تحولت فيها بعض العوائل  والعشائر إلى محميات من المنفلتين والمتنمرين والقبليين الوقحين والمعتدين على منظومة السلم الأهلى والمجتمعى. إن النفخ فى قربة العشائرية سيؤدى إلى الانقضاض على المجتمع ويقوض ويمزق ما تراكم من منجزات ومكتسبات وطنية تحققت بفضل التضحيات الجسام التى كرست وعززت الروح والعلاقات والقيم الوطنية، بدلا من العلاقات العشائرية وعلاقات القربى.

المطلوب في حالة كهذه، تحصين المجتمع وتقوية مناعته وتطهيره من كل رواسب الجاهلية والعشائرية القاتلة وقطع الطريق على سوائب القبليين الوقحين الذين يهددون النسيج المجتمعى بأدوات وأشكال واتجاهات مختلفة. إن تعزيز ثقافة الانتماء والولاء  للفكرة الجامعة وللوطن الأكبر وقضاياه المصيرية حتما  لن يحرف المعركة عن مسارها الأساسى، وسيبقى الصراع مفتوحا مع العدو المركزى وكيانه المصطنع الذى عمل ويعمل على تفتيت مجتمعنا من خلال قنوات القبلية والعشائرية وروابط القرى؛ فالوطن أسمى وأهم من العوائل والقبائل والعشائر.

إن الواجب الوطنى يملى على الجميع أن ينتمى للوطن الأكبر وقضاياه العادلة،  وعلى سلطة طرفى الانقسام (فتح وحماس) إغلاق الباب أمام مساحات النفوذ العشائري والعائلي المفتوحة، وتعزيز سيادة القانون والمواطنة، فبدون الرابطة والهوية الوطنية، لا يمكن الحفاظ على منجزات ومكتسبات راكمها شعبنا بالدم.