Menu

بين الجائحة والمرض المتوطن في العقل

د. محمود فطين

نُشر هذا المقال في العدد 15 من مجلة الهدف الرقمية

إضافة إلى كل المشكلات المعروفة التي تواجهنا أثناء انتشار فيروس كورونا حاليًا، ربما تمر مشكلة أخرى دون أن تستوفي حقها من الدراسة أو حتى دون أن تلاحظ: ماذا يحدث عندما يصاب أحدهم بالفيروس؟ السيناريو المفترض في حالة التفشي الحالية هو أن يلاحظ المريض أعراضه، إذا كانت بسيطة من قبيل السعال فقط أو ارتفاع درجة الحرارة الذي يزول مع استعمال خوافض الحرارة يقوم المريض بعزل نفسه في منزله، وإذا كانت أشد من ذلك، مصحوبة مثلًا بصعوبة في التنفس أو ألم بالصدر أو كان المريض يعاني أمراضًا مزمنة أخرى ترفع من درجة خطورة المرض بالنسبة له، يجب أن يتوجه إلى مستشفى، حيث يفترض أن يتم أخذ مسحة من الأنف للفيروس ومعها يجري تحليل يُعرف بصورة الدم الكاملة وتصوير الصدر بالأشعة المقطعية (أو بالأشعة العادية وهي أقل دقة كثيرًا ولكن نستعين بها لعدم توفر أجهزة الأشعة المقطعية في كل المستشفيات)، وبناءً على المعلومات الناتجة من هذه الفحوص وبعض معلومات أخرى يتم تحديد درجة الخطورة ومستوى العلاج والملاحظة، سواء أن يتم العلاج في المنزل أو داخل مستشفى في قسم عزل أو في قسم للرعاية المركزة.       
المشكلة في هذا السيناريو رغم ما يبدو عليه من البساطة، هي أن التعامل به لا يمكن أن يتم آليًا، ولكنه يحتاج إلى عقل تحليلي يجمع كل المعلومات الممكنة المتعلقة بحالة المريض الحالية وبداية نشأتها وحالاته المرضية السابقة تفصيليًا إن وجدت ومعها نتائج الفحوص المذكورة، ويضيف إليها البعد الاجتماعي المتمثل في قدرة المريض على عزل نفسه في المنزل أو عدمها، وملاءمة من يقوم برعايته في تلك الفترة أو عدمها (كأن يكون القائم على الرعاية هو الآخر يعاني من أمراض مزمنة أو عاجز عن القيام بهذه المهمة أو عدم توفره من الأساس)، هذا العقل التحليلي هو تقريبًا ما يسميه الأطباء بالحس العيادي
clinical sense، وهو المنوط به اتخاذ القرار في الحالة مراعيًا النسب المتفاوتة لدقة كل وسيلة من تلك الوسائل (مسحة الأنف مثلًا حساسيتها تختلف في تقديراتها ولكن يمكن القول إنها حوالي 70%، بحيث يمكن أن تعجز عن كشف الإصابة في ثلث الحالات تقريبًا، وذلك غير كون دقتها معتمدة إلى حد بعيد على كفاءة من يقوم بأخذ العينة، أي أن هناك هامش آخر لعدم الدقة متعلق بأخطاء الحصول على العينة مضاف إلى الـ30% الأساسية التي تفشل المسحة فيها)، والهدف الأساسي من إجرائها (الأشعة المقطعية مثلًا تجرى لكشف وجود التهاب رئوي أو عدم وجوده في وقت الفحص، ويعني ذلك أن من الممكن جدًا كون نتيجتها سليمة رغم الإصابة، في الحالات البسيطة التي لا تتطور إلى التهاب رئوي أو في حالات الالتهاب الرئوي نفسها إذا جرى الفحص مبكرًا عما يجب، بحيث لا يكون الالتهاب قد حدث بعد رغم كونه واردًا)، والصفة الأهم في هذا العقل هي أنه يعرف أن قراراته تقديرية ونسبية الصحة وفق المعلومات المتاحة في وقت اتخاذ القرار، ويبني على هذا استعداده الدائم لمراجعة ما توصل إليه لتصحيح عمله، فمثلًا لو غلب التقدير أن هناك بالفعل التهابًا رئويًا يجب إعادة الأشعة (رغم تكلفتها) حتى وإن كانت قد أجريت قبل بضعة أيام وظهرت سليمة، أو إعادة المسحة مرة ثانية وثالثة إن لزم، أو تشخيص الإصابة بالفيروس بوجود أعراض الالتهاب الرئوي مع النتائج المتعلقة بها على صورة الأشعة حتى مع وجود دلالات مناقضة من المسحات أو صور الدم، وهكذا.
واقعيًا، يعني ذلك معضلة حقيقية، في موقف المريض من الطبيب أولًا، وفي موقف الطبيب من المريض ثانيًا، وفي داخل المؤسسات الصحية ثالثًا.       
أولًا، في الكثير من الأحيان لا يتقبل المريض بسهولة (أو قد لا يتقبل إطلاقًا) تلك اللغة التي لا تعطي يقينًا نهائيًا، وتمتلئ بألفاظ الاحتمال ولا يمكنها غالبًا أن تجيب بكلمة واحدة قاطعة على سؤاله "أنا عندي كورونا ولا لأ؟".      
ثانيًا، ليس كل الأطباء معتادين على التعامل بالعقلية هذه، الكثيرون منا لا يمكنهم التعامل سوى مع الخلاصات الصارمة التي تفرض نفسها بسهولة (فحص معين مثلًا أو علامة معينة تعطي التشخيص فوريًا) ولا يتطرق إليها الشك، وهي طريقة لا تنتمي للطب الحديث بقدر ما تنتمي إلى عصور سابقة لم يكن الطب فيها قد تحرر بعد من علاقته بالسحر.    
ثالثًا، المؤسسات الصحية نفسها، غالبًا لا تريد التعامل مع احتمالات، تريد التعامل مع أرقام مجردة هي أيضًا لا يتطرق إليها الشك، تريد حالات "إيجابية" (وتُفضّل طبعًا أن تكون أقل ما يمكن) ولا تريد "حالات اشتباه" (حتى ولو كانت درجة الاشتباه تلك عالية، فبالنسبة لها تظل مجرد اشتباه غير جدير بالتسجيل في البيانات اليومية للإصابات، وليس من النادر في هذه الأوضاع أن يموت المُشتبه في حالته ويرحل معه "الاشتباه" الذي –بسبب تلك العوائق- لم يحظَ بفرصة تأكيده، وبالتالي انتهى بوفاة المريض دون أن يخدش النصر الوهمي للمؤسسة في محاصرة الحالات). داخل المؤسسة عندما يسأل المسئول الأعلى مسئولًا أقل منه درجة "كم حالة عندك؟"، فهو يريد جوابًا فوريًا، لا يطيق أن يجيبه الثاني "جاري البحث"، يُجن لو أجابه الثاني "أقدّر أن الحالات  في الحد الأدنى هي س وفي الحد الأقصى 3×س والمتوسط هو س/ص"، المؤسسة تعتبر أجوبة من هذا القبيل قصورًا في عقل المجيب، أو تراخيًا في قيامه بعمله، والمنوال نفسه بالمناسبة يسري في آليات عمل مؤسسات الدولة جميعًا تحت قيادة رأس الدولة، وذلك لا يعود فحسب إلى كون رأس الدولة رجلًا عسكريًا (رغم أهمية ذلك)، ولكن يُحسب هنا أيضًا العامل الثقافي الذي -للأسف- قد يبدو غريبًا الحديث عنه الآن، ذلك أن الثقافة السائدة هي في الغالب ثقافة ما قبل علمية، تنتج عقلًا يريد الإيمان أكثر كثيرًا مما يريد التفكير، يتعامل مع تكاثر الاحتمالات أمامه باعتبارها تشتيتًا له عن "الحقيقة" لا باعتبارها كشفًا عن الطرق الممكنة إليها، يعجز عن التعامل الجدي مع سيناريوهات عدة يمضي في تصور كل منها إلى نهايته ويكون جاهزًا للتنقل من أحدها إلى الآخر عندما يظهر من الدلائل ما يدعوه إلى ذلك، يلحظ احتمالات فشله حين تلوح فيصحح مساره قبل أن يصدمه الواقع بقسوة، يفشل ولكن فشله غير مدوٍ وقصوره الذي لا يمكن التخلص منه نهائيًا ليس فاضحًا وإنما إنساني في طبيعته، يتعامل مع الأزمات في بداياتها وفي ذُراها دون أن يرتعب أو أن يستشيط غضبًا ويوزع الاتهامات على الناس بالتقصير أو عدم الالتزام، ودون أن يخادع ذاته ويبيع آمالا واهية لا يصدقها أحد، ولا هو نفسه.      
كل ذلك لا يعني التجاوز عن الأسباب الأخرى المباشرة التي تجعل أداء الدولة في ذروة الأزمة أقل كثيرًا مما كان عليه في بداياتها، كالأسباب المادية والتقنية الواضحة والمعروفة، وما هو معروف من الفساد وعجز الإدارة في الدولة عمومًا، ولكنه نظرة في سبب غالبًا ما نهمله، وقوة تأثيره المنسية تجعل من إيثار السلامة وتغاضي من يلحظه عن كشفه جريمة متكاملة الأركان، ومن هنا واجبنا في البحث في مرضنا المتوطن، ذلك السبب الثقافي الذي يجب فيه أيضًا أن لا نطمئن إلى أجوبة جاهزة وإلى تهم مصوغة سلفًا قد نُستدرج إليها لندين مجتمعاتنا بكونها متخلفة في خلقتها الطبيعية وكقدر نهائي، إذ أن كل ذلك الحديث معناه الأساسي أن في عالمنا المادي هذا ليس هناك ما يمكن أن نعتبره من الأساس "قدرًا نهائيًا"، والتخلف ظاهرة اجتماعية لها أسباب معروفة أو من الممكن معرفتها، ولها في حالتنا العربية قواها المحلية والعالمية المشاركة في صناعتها وإدامتها والراعية لها رعاية الأب لابن من صلبه يعرفه وإن أنكره علنًا، هكذا نبحث، تأسيسًا على بعض القواعد؛ أن كل شيء متأثر بغيره مؤثر فيه، وكل شيء متغير، وكل شيء -من ثم- ممكن.