العديد من الأنظمة العربية، وخاصة الأساسية والمقررة، عندما تقدر أن مصالحها وامتيازاتها ووجودها في خطر؛ تلجأ إلى اتخاذ اجراءات قاسيه، بما فيها البطش والقمع تتناسب وحجم الخطر الذي تدعيه باسم الدفاع عن الأمن القومي والمصلحة الوطنية، وتطبق الأحكام العرفية لتجيز وتبرر ممارساتها التي تتنافى والدفاع عن هذا الأمن، لأن جوهر الأمن وموضوعه هو الأرض والإنسان، والإنسان المقموع لا يمكن له أن يحمي أوطان ويدافع عنها وعن أمنها حتى لو أراد ذلك.
إن الأمم والدول القومية اكتمل تشكيلها بعد انتصار النظام الرأسمالي في القرن السابع عشر، كتشكيله اجتماعية اقتصادية، ولكن لم يرافق ويلازم تشكيلها ما عرف لاحقًا بالأمن القومي، حيث إن هذا المصطلح ظهر واستعمل لأول مرة، بعد الحرب العالمية الثانية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية التي شكلت مجلس لأمنها القومي في العام 1947، وبعد ذلك بسنتين تم تشكيل وكالة الأمن القومي، واعتبرت "إسرائيل" جزءًا لا يتجزأ من هذا الأمن القومي، رغم بعدها آلاف الأميال عن الولايات المتحدة، واعتبرت أيضًا منطقة "الشرق الأوسط"، وخاصة الوطن العربي، منطقه حيوية لمصالحها الاستراتيجية؛ تدافع فيها عن أمنها القومي. فبالرغم من أن بعض الاختصاصيين يتحدثون عن نظريات للأمن القومي؛ إلا إنهم لا يتفقون على تعريف محدد له، لذا يمكن القول أنه يعني: مجموع الخطط والبرامج العسكرية والاقتصادية والثقافية والتربوية التي تشملها استراتيجية التطوير والبناء والدفاع عن الوطن والأمة من الأعداء وضمان استقلالها وسيادتها على كامل أراضيها وثرواتها الطبيعية، مما يتطلب وجود نظام قومي مركزي مستقل ديموقراطي وشعبي، قادر على صياغة تلك الخطط والبرامج وتحقيقها والدفاع عنها، الشئ الذي يفتقده الوطن العربي الذي تمت تجزئته والسيطرة عليه من قبل الدول الاستعمارية الامبريالية التي تقاسمت أراضي الدولة العثمانية بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى؛ بسبب فرض التجزئه وقيام الدوله القطرية "الوطنية" وتبعية أغلبيتها للنظام الرأسمالي العالمي، وعدم وجود حكومة مركزيه قومية عربية تُعًرف: مصالح الأمه الاستراتيجية، وتثبت حدودها الجغرافية وملكيتها التاريخيه لأراضيها التي تم سلخ وسلب بعضها واحتلال بعضها الآخر، وتحدد مكونات أمنها القومي، أفقد الأمة الأداة المركزية القادرة على الدفاع عن الأمن القومي، وأصبح كل نظام عربي يتعامل مع "الأمن القومي" كوسيلة تخدم وتلبي حاجته ومصالحه القطرية؛ ليحافظ على استقراره وبقائه كنظام.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، قامت الإمبريالية البريطانيهة بترتيب العلاقات السياسيه بين حكومات الدول المستعمرة، مهيئة الأرضية للانتقال للاستعمار الجديد؛ بسبب إدراكها لتراجع قوتها العسكرية وتلمسها لأفول سيطرتها المباشرة على العديد من الأمم، وكذلك، لمواجهة ما سمي بالخطر الشيوعي والنفوذ السوفييتي، في إطار استراتيجية شاملة للحفاظ عن مصالحها وأمنها القومي والدفاع عنهما؛ لذا شجعت الأنظمة التابعه لها على تشكيل روابط واتحادات إقليمية وقومية في كل من آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية؛ فبتاريخ 24 شباط عام 1943 صرح انتوني أيدن وزير خارجية بريطانيا، أن بلاده تنظر "بعين العطف إلى كل حركه عربية ترمي إلى تحقيق درجة من الوحدة أكثر، مما تتمتع به الآن"، مما حرك عجلات الحكام العرب، وفي مقدمتهم النظام الملكي في مصر لتشكيل الجامعة العربية، حيث أسفرت "جهوده" عن التوصل إلى توقيع إعلان الإسكندرية؛ من سبعة حكام عرب، تم على أساسه تشكيل الجامعة العربية في العام 1945، وبعد ذلك اي في العام 1948 تم تشكيل منظمة الدول الأمريكية؛ بمبادرة من حكومة الولايات المتحدة، وتم اقرار وثيقة تأسيسية تلزم الدول الموقعة عليها "على مكافحة الشيوعية، وعلى عدم اتخاذ موقف من النزاعات المحلية الثنائية، إذا ما حدثت".
أما الجامعة العربية، لم يتحدث دستورها ولا ميثاقها عن "وحدة" عربية، بل عن تعاون في عدة مجالات بين أعضائها، ودعت لحل الخلافات الداخلية المحلية والدولية بالطرق السلمية، أما التعاون العسكري أو الدفاع المشترك، فلم يتم التطرق لهما في الوثيقة التأسيسية. وقد استمرت على هذا الحال حتى قيام ثورة 23 يوليو/تموز بقيادة الرئيس الراحل القومي الكبير جمال عبد الناصر الذي استطاع مع قادة عرب وطنيين وقوميين آخرين من تجييرها لخدمة بعض الأهداف القوميه، وفي مقدمتها الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية؛ إلا إنهم فشلوا من " تحريرها"، من المهمة التي شكلت من أجلها، أي خدمة الأهداف والمشاريع الاستعمارية، وتحويلها لأداة حقيقية للوحدة والدفاع عن المصالح القومية، واستمرت "الجامعة العربية" في لعب دورها الرجعي المرسوم لها، حيث نجحت في "تمييع" أسباب وعوامل الصراع العربي الصهيوني والفلسطيني الصهيوني، وضربت في الصميم الحل الجذري للصراع (لا تفاوض لا صلح لا اعتراف، كما أقر مؤتمر الخرطوم بعد عدوان الخامس من حزيران عام 1967)، والمتمثل بالنضال ضد الكيان الصهيوني وتحرير فلسطين من الاستعمار الصهيوني، أي إزالة دولة "إسرائيل"، إلى الدعوة للتعايش مع الكيان الصهيوني والاعتراف (المبادرة العربية) به، وحصر "النضال" (العمل السياسي) بالتخلص من إفرازات الاحتلال، اي ما سُمي "بإزالة آثار العدوان"، وأصبح النهج الساداتي "الكامب ديفيدي "هو النهج الرسمي العربي "للجامعة" هذا النهج الذي تمت "معارضته" في ذلك الوقت من الأنظمة النفطية العميلة وغيرها من الأنظمة الرجعية لأسباب تكتيكية؛ أهمها أن شروط "التسوية الشاملة"، لم تكن ناضجة، مما تطلب عدم الصدام مع الرفض الشعبي العربي الشامل والانحناء أمامه ولو قليلًا، والعمل على التخفيف منه وتطويعه. هكذا يتضح أن هذه "الجامعة" لم تكن يومًا معنية لا بالأمن القومي العربي، ولا بالمصالح الاستراتيجية للأمة، بل عندما حان الوقت لعبت دورًا تآمريًا، شُكًلت أصلًا من أجله، ليس فقط على أمن ومصالح الأمة، بل أيضًا على ما كان قائمًا من حد أدنى من التضامن بين أنظمتها المتعارضة والمتناقضة، وعلى وحدة واستقرار الدولة القطرية، وكانت وما زالت اللاعب الرئيسي في "شرعنت" وتسويق الحروب على شعوب الأمة وتمزيق وحدتها وتفتيت نسيجها الاجتماعي في كل من سوريا وليبيا ولبنان والعراق واليمن، تلبية لرغبات وخدمة لأهداف استعماريه، مما يساعد على تدمير قدرات الأمة العربية الدفاعية، والمستفيد الأساسي منها الكيان الصهيوني الذي يسعى إلى تعزيز ما يسميه "بالأمن القومي الإسرائيلي"، وإيجاد عمق "استراتيجي في الأردن شرقًا "، كما تقول الموظفه السابقة في سفارة العدو في كولومبيا، رينا باسيست، ولا شك أن هذا يشكل حلم تاريخي لكيان العدو؛ بسبب افتقاده موضوعيًا لعمق استراتيجي "قومي" حقيقي، شكلت للوطن العربي أمن قومي وحيد مترابط ومتكامل لا مكان فيه لأي "أمن قومي" لأطراف أخرى، وخاصة للكيان الصهيوني الذي شكل وجوده على أرض فلسطين العربية؛ أول خرق وانتهاك للأمن القومي وللمصالح القوميه للشعوب العربية، والذي يشكل نقيض للأمن القومي العربي داخل وخارج الوطن، لهذا عمل منذ إقامته على توثيق علاقاته مع حكومات الدول المحيطة؛ كتركيا وإيران الشاه وأثيوبيا واريتريا لتطويق الجعرافيا العربية، وتهديد منابع المياه ومضائقها وممراتها البرية والبحرية والجوية، وقد تلقت هذه الاستراتيجية ضربة في الصميم؛ بنجاح الثوره الإسلامية الإيرانية التي شكلت خرقًا استراتيجيًا لما يسمى الأمن "القومي الإسرائيلي"، وكذلك "للأمن القومي" الأمريكي.
إن الأمن القومي العربي ومشروع الوحدة العربية، بل فسيفساء النسيج الاجتماعي التاريخي للأمة العربية تلقيا ضربه استراتيجية؛ بسبب تواطؤ بعض الأنظمة، وتآمر ومشاركة البعض الآخر بغطاء كامل من الجامعة العربية في الحرب القذرة على العراق، في عهد الرئيس الراحل صدام حسين، ومن ثم على ليبيا وسوريا ولبنان واليمن، أي على الدول التي شكلت "جبهة الصمود والتصدي" بعد زيارة السادات لفلسطين المحتلة، ومن ثم توقيعه لاتفاقيات كامب ديفيد الخيانية التي وضعت أمن ومصير وخيرات الوطن العربي في السلة الإمبريالية الصهيونية. لهذا إن الدفاع عن أمن مصر العربية؛ العسكري والجغرافي والمائي والثقافي والاقتصادي، وأمن أي قطر عربي آخر، لا يمكن أن يتم إلا في اطار استراتيجية الدفاع عن الأمن القومي العربي التي تعني أن أمن مصر كما أمن سوريا وغيره، يدافع عنه ليس في الدول المجاوره فقط، بل في جيبوتي وموريتانيا وكل ركن من الوطن العربي، وهذا يحتاج إلى قيادات وحكومات وأنظمة عربية وطنية وقوميه تمثل نبض شعوبها وتقوم "بانقلاب" جذري على مفاهيم وسياسات واتفاقيات والتزامات الأنظمة الحالية التابعة للامبريالية والصهيونية، وإعادة رسم خريطة الأعداء والأصدقاء، بما ينسجم مع المصالح الوطنية والقومية للأمة، وليس مع مصالح الطبقات والفئات الحاكمة .

