Menu

خطاب طائفي تحريضي على طريق تحييد لبنان السياسي

محمّد جبر الريفي

خاص بوابة الهدف

لم  يتغير النظام الطائفي اللبناني الذي يعبر عن عقلية المارونية السياسية في مواقفها المعادية لانتماء لبنان العربي، وذلك منذ الحصول على الاستقلال الوطني عام 46 عن فرنسا الاستعمارية، في حين شهدت الكثير من الدول العربية وبلدان العالم الثالث التي نالت على استقلالها الوطني من الدول الاستعمارية تغييرات هامة في بنية واتجاهات أنظمتها السياسية، على طريق تحقيق مكاسب وطنية.
في لبنان ظلت المحافظة على  النظام الطائفي؛ من خلال تمسك كل طائفة بمصالحها، من حيث ترتيب حصتها السياسية في نظام الحكم، كما أقره دستور الاستقلال لدولة جبل لبنان؛ غير أن المحافظة على هذه المحاصصة الطائفية، لم تجنب البلاد الصراع الداخلي الذي اكتوت بنيرانه مرتين، كانت المرة الأولي في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، في عهدة رئاسة كميل شمعون. والمرة الثانية الحرب الأهلية التي كانت على خلفية وطنية وقومية؛ بسبب كون العامل الفلسطيني والحركة الوطنية اللبنانية أحد أطرافها، وقد انتهت بإبرام  اتفاق الطائف برعاية السعودية الذي أوقف وأنهي الحرب، لكنه أبقى على السمة الطائفية للنظام السياسي.
لقد استمر حزب الكتائب اللبناني بزعامة آل الجميل، وحزب القوات اللبنانية بزعامة الدكتور سمير جعجع، وتيار المردة سليمان فرنجية والبطريركية المارونية من خلال البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي وغيره من رجال الدين الموارنة؛ استمر كل هؤلاء على انتمائهم الانعزالي، يحملون في عقليتهم السياسية الطائفية الكراهية والعداء لكل ما هو عربي، لكن قدر لبنان هو أن يكون كقدر سوريا وفلسطين والأردن؛ جزء لا يتجزأ من بلاد الشام ونسيج اجتماعي حضاري واحد ضمنها، لكن بين الحين والآخر يتعرض هذا اللبنان البلد العربي الصغير في جغرافيته المؤثر في وعي شعبه السياسي - كونه الجسر الذي عبرت منه اتجاهات الثقافة الأوروبية الحديثة بكل مكوناتها إلى المشرق - لهجمات  طائفية عنصرية تحريضية، من بينها هذه الأيام هجمة عنصرية فاشية على المكون العربي المقيم، وهم اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان منذ نكبة عام 48 والذي يقدر عددهم بنصف مليون والنازحين السوريين ويقدر عددهم 900 ألف، وذلك من خلال الإدعاء، بأن وجودهم هو أحد أسباب الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد؛ الأمر الذي يستدعي من الدولة اللبنانية العمل على إخراجهم. تصريحات بذلك صدرت من قبل أوساط في "التيار الوطني الحر" وعلى رأسه رئيس التيار باسيل جبران صهر رئيس الجمهورية ميشال عون ووزير الخارجية السابق، وكلها تصب على ضرورة حياد لبنان السياسي، وذلك بخلوه الداخلي من أي قوى لها ارتباطات سياسية في المنطقة، أي انكفائه على ذاته الطائفي، بعيدًا عن الانتماء القومي العربي أو الإسلامي  (حزب الله وإيران)، وذلك كحل للأزمة الاقتصادية والخلاص من الضائقة المالية، وهي مواقف سياسية عنصرية تأتي في وقت تشهد فيه الجبهة الشمالية توترًا دائمًا؛ بسبب الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا والانتهاك الدائم للأجواء اللبنانية، كما تتجاهل أيضًا ما قدمته جموع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من مساهمات في مجال الاقتصاد والثقافة والعلم والتحويلات المالية؛ من العاملين منهم في الخارج، خاصة في دول النفط الخليجية للدولة اللبنانية التي كانت دومًا تئن من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تسببها هيمنة الطبقة البرجوازية اللبنانية على النظام السياسي وترك البلاد بدون أي عملية تنموية، مما أشاع الفقر بين أعداد كبيرة من  الشباب اللبناني الذين أخذوا يتجهون للهجرة، خاصة إلى قارتي إفريقيا وأمريكا اللاتينية طلبًا للعمل، بهدف تحسين أحوالهم المعيشية. 
إن المطلوب لتحصين الموقف الفلسطيني ضد الخشية الدائمة من قبل النظام الطائفي اللبناني لموضوع توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان؛ جرى التأكيد في الميثاق الوطني، على أن الشعب الفلسطيني يعبر عن نفسه بالثورة المسلحة، وهذا ما حصل بالفعل، حيث احتضنت   المخيمات الفلسطينية في لبنان الثورة الفلسطينية، وذلك تأكيدًا منها على رفض التوطين، وقد  أظهر ذلك مدى عداء المارونية السياسية بزعامة حزب الكتائب اللبناني لوجود مقاتلي الثورة  وقيادتها على الأرض اللبنانية، فتواطأت قواها الانعزالية المسلحة مع الغزو الصهيوني في يونيو 82، وارتكبت مجازر صبرا وشاتيلا بإشراف المجرم إيلي حبيقة. هكذا على خلفية هذا الخطاب الطائفي التحريضي؛ تسطع حقيقة أن هذا النظام الطائفي اللبناني في توجهاته السياسية بقيادة البرجوازية اللبنانية يسير بالفعل وفق المخطط الأمريكي الصهيوني بإقامة  الشرق الأوسط الجديد الذي تذوب به الرابطة القومية في المنطقة لصالح تعميق التجزئة السياسية الممنهجة، بإنشاء  دول دينية وطائفية وعرقية، يتبوأ فيها الكيان الصهيوني بمكانة سياسية واقتصادية هامة، بحكم تقدمه العلمي والتكنولوجي، نتيجة لارتباطه بالنظام الرأسمالي العالمي بقيادة الإمبريالية الأمريكية.