Menu
حضارة

الصراع على ثروات ليبيا

حاتم استانبولي

ليبيا.jpg

نُشر هذا المقال في العدد 16 من مجلة الهدف الرقمية

لعب فيها المجتمع القبلي في ليبيا منذ ما قبل استقلالها دورًا مهمًا في الاستقرار السياسي للنظام الملكي الإدريسي والنظام الجمهوري.

ليبيا تحت الحكم العثماني والاستعمار الإيطالي الذي سرقها تحت أعين الآستانة التي وافقت على الشروط الإيطالية، بعد معارك كر وفر في مرحلة كانت الدولة العثمانية تشهد تراجعها على كافة الصعد. وقعت إيطاليا و تركيا (العثمانية) على اتفاقية أوشي أو اتفاقية لوزان لعام 1912،  وافقت فيها تركيا على التخلي عن نفوذها في ليبيا، مع إبقاء حضور رمزي في برقة وطرابلس. توقيع اتفاقية لوزان عام 1912 فتح الباب على مصراعيه أمام الاستعمار الإيطالي للاستفراد بالأقاليم الليبية لاخضاعها، بعد أن واجه رفض عام من قبل القبائل الليبية التي عانت من القمع والقتل والتشريد والتجويع وسرقة مقدارت ليبيا.

بعد هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية خضعت ليبيا لتقاسم نفوذ بين البريطانيين والفرنسيين، حيث سيطر الفرنسيون على إقليم فزان، والبريطانيون على طرابلس وبرقة، هذا النفوذ الذي تخلله تعارض استمر حتى إعلان استقلال ليبيا وتوحيد الأقاليم الثلاث الرئيسية؛ إقليم الشرق، الممتد ما بين برقة ودرنة وبنغازي وأجدابيا وسرت، وتتمركز فيه قبائل العبيدات والبراعصة والمسامير والقذاذفة والعواقير والمغاربة في أجدابيا، حتى واجهته القبلية التي تتلاقى مع حدود مصراته وطرابلس التي تنتشر فيها واحدة من أكبر وأهم القبائل الليبية (الورفلة تعدادها يقدر بمليون)، وتليها قبيلة المقارحة التي تنتشر في وادي الشاطئ غربًا، ثم قبائل ترهونة التي تقع جنوب غرب طرابلس، وقبائل الجنوب وأهمهأ قبيلة اولاد سليمان وكذلك الطوارق. بعد استقلال ليبيا 1951 وتوحد أقاليمها وإعلان المملكة المتحدة الليبية التي استمرت حتى انقلاب مجموعة الضباط الوحدويين بقيادة القذافي في سبتمبر 1969.

استمر الحكم الذي قاده القذافي، وكان يحظى بتوافق قبلي متغير تبعًا لتوزيع الحصص بين القبائل الليبية في الحكم، ولكنه كان يعتمد بالأساس على مجموعة من المصالح العامة التي كان يوفرها لجميع الليبيين بغض النظر عن انتمائهم القبلية، حيث أطلق برامج اجتماعية طموحة في مجالات؛ التعليم والصحة والإسكان والأشغال العامة والإعانات الأسرية وإعانات الأمومة والطفولة (500 د للأم ومثلها للطفل) والمواد الغذائية الأساسية وكهرباء مجانية.

أما على الصعيد الوطني، فقد أمم شركات النفط الغربية؛ مثل: بريتش بتروليوم، وأنشأ المؤسسة الوطنية لنفط ليبيا والبنك الوطني الليبي الذي كان يعطي الليبيين قروضًا بصفر فوائد للإنتاج الصناعي، وكذلك كانت تقدم المزارع والأراضي بأثمان رمزية، وفي كثير من الأحيان، بلا مقابل؛ من أجل الاستثمار الزراعي، وكانت توزع الحبوب مجانًا للمزارعين وإطلاقه مشروع النهر الصناعي العظيم الذي نقل فيه المياه الجوفية من الدواخل إلى الساحل الليبي الذي يعاني من شح للمياه العذبة. كما أنشأ المؤسسة الوطنية للاستثمار الخارجي الليبي التي تحرك أكثر من 100 مليار دولار موزعة في عدة دول منها: مصر وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا ومعظم الدول الأوروبية وجنوب شرق آسيا وإفريقيا. هذه الإنجازات أشار لها تقرير البرنامج الإنمائي لعام 2010.

أما خارجيًا، فقد كان لنظام معمر القذافي؛ دورًا عربيًا وإفريقيًا ودوليًا، يتعارض مع سياسات واشنطن وحلفائها وأتباعها في المنطقة، وكان عملية إسقاطه نتيجة لتلاقي مجموعة مصالح لهذه القوى للتخلص من نظام قارع الولايات المتحدة وإسرائيل على مدى 41 عامًا.

إنهاء حكم القذافي باعتماد القوى المسلحة المتطرفة التي حظيت بدعم خليجي وتركي وفرنسي، وبغطاء أمريكي؛ أسقطت فيها أسس الدولة التي لم تكتمل، وفتحت صراعًا في ليبيا لم يهدأ؛ تغيرت فيه الاصطفافات الداخلية، بناء على تغير علاقات حلفاء الأمس الذين أسقطوا نظام القذافي.

بعد تسعة سنوات ما زال مستقبل ليبيا لم يحسم بعد، والسؤال الذي فرض نفسه عشية اغتيال معمر القذافي لم تتم الإجابة عليه: ماذا بعد اغتيال القذافي؟

من الواضح أن إنهاء حكم القذافي، لم يكن خيارًا ليبيًا داخليًا، فقد توضحت الصورة؛ أن ليبيا هي ميدان لصراعات مصالح القوى الخارجية، إن كانت أمريكية أو فرنسية أو إيطالية أو تركية أو مصرية أو خليجية أو روسية.

الموقف الأمريكي من الميدان الليبي، كان وما يزال يعتبره أمرًا ثانويًا، ولا يعير له أهمية قصوى بعد أن حقق هدفه بإخراج ليبيا من معادلة العداء لإسرائيل التي كانت دائمًا معيارًا للعلاقة مع ليبيا، وكذلك يدعم الموقف التركي ويساومه على حضوره في ليبيا، ولكن لا يعطيه دعمًا للسيطرة التامة.

الموقف الفرنسي كان موقفًا حاسمًا في إسقاط نظام القذافي، وكان له دورًا رئيسيًا في العمل العسكري الميداني؛ مستغلًا التحالف الإقليمي والدولي الذي قاده في الحرب على سورية. فرنسا خاضت حربها ضد سورية وعينها على ليبيا التي تريد انتزاع اعتراف إقليمي ودولي لنفوذها فيها، وسيطرتها على نفطها. الطموح الفرنسي واجه معارضة من قبل التحالف الإخواني التركي ال قطر ي الذي استطاع الحصول على الدعم الفرنسي لتشريع نفوذ تحالفه الميداني؛ من خلال حكومة الوفاق التي نالت دعمًا فرنسيًا لتشريعها دوليًا، هذا التعارض تطور تدريجيًا ارتباطًا بازدياد النفوذ التركي في سورية التي لم تعطه فرنسا أهمية قصوى، بالإضافة إلى الدور الأمريكي الداعم الخفي لتركيا في ليبيا وسورية التي تراه واشنطن أنه مدخلًا لتطوير التعارض بين تركيا وروسيا.

الموقف الإيطالي بحكم علاقاتها التاريخية مع ليبيا، فقد نسجت علاقات مع القبائل الليبية، ولها مصلحة مع كل الأطراف، وهي لم تأخذ مواقف عدائية حاسمة، فأي حل في ليبيا سيخدم مصالح إيطاليا الاقتصادية؛ بحكم التاريخ والعلاقات المتداخلة إن كانت نفطية أو استثمارية.

الموقف الخليجي الذي كان موحدًا ضد نظام معمر القذافي؛ افترق مع اندلاع الخلاف الخليجي القطري، وأصبح متصارعًا في الميدان الليبي، وكما حصل في سورية، فإن الاستثمار القطري في العامل التركي واجهه دعمًا سعوديًا إماراتيًا لحفتر.

الموقف الروسي يريد استعادة دوره وتصحيح خطأ ارتكبه الرئيس ميدييف بشأن ليبيا، حيث تريد روسيا العودة إلى ليبيا، ولكن من خلف الكواليس، لذلك حاولت صياغة اتفاق في موسكو، ولكنه أجهض فرنسيًا؛ روسيا ردت ميدانيًا برفع الدعم عن خليفة حفتر، مما أدى إلى تراجع نفوذه ليصل إلى مشارف مدينة سيرت، وفتحت قناة للعلاقة معه؛ من خلال دعم الموقف المصري أمام الطموح التركي، وفرضت اصطفاف جديد في الميدان الليبي بين مصر وتركيا.

مصر جاء موقفها متأخرًا في الميدان الليبي، حيث بعد تسعة سنوات صحيت على أن حدودها الغربية، أصبحت مهددة؛ من قبل تركيا وقطر وحلفائهم الميدانيين من جماعات إخوانية.

 ليبيا بالنسبة لمصر رئتها اليمنى التي لن تستطيع التخلي عنها، وهي تعمل ميدانيًا على إعادة توحيد القبائل الليبية، وإعادة الاعتبار لدورها في تشكيل ليبيا المستقبل، ولن يكتمل موقف مصر إلا إذا أعادت تموضعها بالشأن السوري إلى جانب دمشق، وضغطت على الثنائي السعودي الإماراتي لوقف دعم قسد والجماعات المسلحة في الجنوب السوري، ودعم دمشق في حسم معركة إدلب؛ الخزان البشري للتدخلات التركية في الشمال اللبناني والليبي.

تركيا تسللت إلى الميدان الليبي بهدوء؛ من خلال مرورها بين هوامش التعارض الأمريكي الروسي الفرنسي في الميدان السوري والليبي، وتستثمر في القوى والجماعات الإخوانية في حروبها الميدانية، وتريد أن ترسم خطًا للنفوذ البحري بين تركيا وليبيا؛ يعيد سلطانها إلى ليبيا، وتضع يدها على غازها ونفطها الذي هو ضرورة داخلية تركية؛ يؤمن استقرارًا اقتصاديًا نسبيًا. تركيا تدرك أن تقويضها لن يكون عسكريًا، بل من  خلال الضغط الاقتصادي، هذا الضغط الذي كان عاملًا حاسمًا في تقويض حكم السلطنة العثمانية؛ فإذا كانت إدلب ضرورة بشرية لحروب أنقرة القائمة والقادمة، فإن ليبيا ضرورة اقتصادية ملحة لأنقرة؛ لتمويل حروبها واستقرار اقتصادها، وهي تسير في علاقاتها على حد السيف، كلما تتقلص هوامش التعارض بين خصومها وحلفائها، كلما اشتد الخناق على أنقرة التي ستجد نفسها لوحدها وستعاني من عوامل الضغط الخارجي.

إسرائيل لها مصلحة في تعميق الخلاف التركي المصري لإضعاف الطرفين، ولكن موقفها الحاسم سيكون إلى جانب الموقف التركي لدورها في سورية والضغط على إيران؛ من بوابة التعاون الأمني والعسكري على الجبهة (الأذربيجانية- الأرمينية) لإحياء الخلاف التركي - الروسي - الإيراني في محيط قزوين - أرمينيا مصلحة جيوسياسية روسية، لن تتخلى عنها، وأذربيجان مصلحة قومية تركية صرح عنها أردوغان؛ شعب واحد في دولتين. الطموح التركي في الوصول إلى شواطئ بحر قزوين.

إسرائيل تستثمر في الحلم الأردوغاني؛ لتقويض كل الأطراف المتصارعة التي تشكل خطرًا عليها بما فيها تركيا.

الكلمة الأخيرة في ليبيا ستكون كلمة؛ القبائل الليبية التي مصلحتها الجمعية هي في وحدة ليبيا التي تحاول القوى الخارجية إعادتها إلى ما قبل وحدة الأقاليم الثلاثة؛ برقة وطرابلس وفزان.