انفجار كمية هائلة من ذرات الأمونيوم (2750) طناً، المخزنة في المستودع رقم (12) منذ عام 2014، إثر احتجاز سلطات الميناء للباخرة، القادمة من جورجيا في طريقها إلى موزمبيق، كان بمثابة زلزال ضرب بيروت وأحدث دماراً في ثلث العاصمة، وأدى إلى استشهاد ما يزيد عن 140 مواطناً ومقيماً، وإصابة ما يزيد عن 5000 شخص، جراح معظمهم خطيرة. وهذه الكارثة غير المسبوقة في الشرق الأوسط، سواء بآثارها الإنسانية من حيث أعداد الشهداء والجرحى، أو من حيث عدد المشردين الذين باتوا بدون مأوى جراء ما لحق بمنازلهم من دمار (300 ألف مواطن)، أو من حيث الخسائر الاقتصادية المقدرة ب (15) مليار دولار، استدعت تشكيل لجنة تحقيق محلية في الكارثة، لتكشف الأسباب التي تقف ورائها، فيما إذا كان الفساد والإهمال المتعمد وحده يقف ورائها وحده، أم حدوث تفجير عبر ألغام من قبل الكيان الصهيوني، بدعم من القوى الرجعية وأدوات الفساد في لبنان، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن "بدري ضاهر" مدير عام الجمارك في المرفأ، سبق وأن وجه مذكرة لقاضي الأمور المستعجلة بتاريخ 28 ديسمبر/كانون أول 2017، بشأن التخلص من ذرات الأمونيوم في مخازن المرفأ، وقبل ذلك قدم ثماني مذكرات بهذا الخصوص منذ عام 2014 ، لكنه لم يتلقَ رداً من القضاء، وهذا الإهمال من القضاء لهذه المذكرات يطرح علامات استفهام كبيرة؟!
تزوير إعلامي للتصويب على حزب الله
واللافت للنظر أن أوساطاً انعزالية في لبنان، وأوساطاً رجعية في الخارج، بدل أن تنشد للكارثة وأخطارها وتداعياتها، راحت تستثمر الكارثة، عبر اتهام قوى محلية لإحداث فتنة في لبنان؛ إذ أنه بعد دقائق من حدوث الانفجار، تداعت فضائيات الظلام في بعض دول الخليج مثل فضائية العربية وأخواتها، وفضائيات القوى الانعزالية في لبنان، لتروج أخباراً مزيفة وكاذبة، في أن الانفجار ناجم عن وجود مخزن للأسلحة لحزب الله في المرفأ، جرى قصفه ما أدى إلى هذا الدمار، وهذه الفضائيات كانت تردد بالتفصيل ذات الخبر المزور من ألفه إلى يائه، ما يعني أن هذه الفضائيات وغيرها من وسائل الاعلام، تلقت نفس النسخة من نفس المايسترو الأمريكي، بهدف توظيف الخبر المزيف للتصويب على حزب الله، على أمل إشعال فتنة في ظروف الكارثة والرقص على دماء اللبنانيين، وإرباك حزب الله وأجندته.
رموز الانعزال ولجنة التحقيق الدولية
ولم تقف الأمور عند حد هذا التزييف الاعلامي، بل تداعت الرموز الانعزالية في لبنان والكتاب الذين يأتمرون بأجندة هذه الرموز، للبناء على هذه الأخبار الكاذبة بمواقف تنسجم مع أجندة المشغل الأمريكي، في إطاعة مكشوفة له، حين تنادي رؤساء الحكومة السابقين للاجتماع وهم "نجيب ميقاتي وتمام سلام وسعد الحريري" لبحث أمر التفجير، ومطالبتهم بتشكيل لجنة تحقيق دولية في انفجار المرفأ، ما يعيد للأذهان تشكيل لجنة التحقيق الدولية والمحكمة الدولية الخاصة باغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري، بزعم عدم نزاهة أو كفاءة القضاء اللبناني، متجاهلين حقيقة أن القضاء اللبناني كان محسوباً عليهم منذ عام 1992، بحكم أن وزير العدل على امتداد الفترة من عام 1992 وحتى عام 2005 كان من حصة "الفريق الانعزالي" الذي حمل لاحقاً مسمى فريق (14) آذار. وهم بمطالبتهم بتشكيل هذه اللجنة، يستهدفون استثمار الكارثة لأغراض سياسية قذرة تلبيةً لإملاءات واشنطن التي ما فتئت تؤزم الأوضاع الاقتصادية في لبنان من بوابة مصرف لبنان المركزي وحجب الدولار، وترك الليرة اللبنانية في مهب الريح بدون أدنى قوة شرائية، بهدف تحريك الشارع ضد المقاومة وسلاحها، وبهدف إسقاط حكومة "حسان ذياب".
غباء سياسي لقوى الانعزال في قراءتها لموازين القوى
فات هؤلاء الرؤساء، ومعهم رأسي الفتنة الطائفية "جعجع وجنبلاط"، التنبه لمسـألتين رئيسيتين هما:
1-أن تخزين كميات الأمونيوم، تم في عهد الذين تسلموا موقع رئاسة الوزراء منذ عام 2014 وهم "ميقاتي وتمام سلام والحريري"، الذين لم يتخذوا أي إجراء للتخلص منها، ما يستدعي مساءلتهم، ووضعهم كبقية مسؤولي ومديري التخزين في المرفأ تحت الحراسة للتحقيق معهم.
2- والمسألة الثانية -كما قال العميد إلياس فرحات، في لقائه مع فضائية الميادين- تكمن في أن ميزان القوى المحلي والدولي في هذه المرحلة، لا يُمكّن قوى الانعزال وأمريكا من ورائها من تمرير "لجنة التحقيق الدولية"، على النحو الذي تم فيه تمرير لجنة المحقق الفاسد "ديتليف ميلس" والمحكمة المسيسة وفق ألاعيب قانونية وشهود زور، بهدف توجيه التهمة لحزب الله.
فعلى الصعيد الدولي، تقف كل من الصين وروسيا في مواجهة المخطط الفتنوي الأمريكي ولن تسمحا بتمرير قرار "لجنة التحقيق الدولية" في مجلس الأمن، وعلى الصعيد المحلي بات معلوماً أن ميزان القوى في لبنان لمصلحة المقاومة وحلفائها في "محور المقاومة"، وأن حزب الله وحلفائه لن يتخلوا عن حكومة "حسان دياب"، ومن ثم فإن المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق دولية، ستعصف بها أيضاً رياح الأمونيوم وأنات الجرحى، ومواقف أبناء لبنان المكلومين من مختلف الطوائف والتشكيلات الاجتماعية، الذين تعاملوا مع هذه المطالبات ومع هذا التزييف الاعلامي باحتقار.
تمزيق الخطوط الحمراء
هول الكارثة أربك الإدارة الأمريكية والدول الغربية، والقوى الانعزالية والرجعية، ففي حين راح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يرجع التفجير إلى عمل عسكري دون تقديم أدلة وقرائن راحت القوى الانعزالية المحلية تتخبط؛ فتارة تطالب بتشكيل لجنة تحقيق دولية، وتارة تصوب على حكومة حسان دياب، متجاهلةً حقيقة أن الحكومة حديثة العهد، وأن كميات الأمونيا في المرفأ كانت موجودة في عهد ثلاث حكومات محسوبة عليها، ومن ثم فإن مطالبة قوى الانعزال برحيل الحكومة، وتحريك ميليشياتها في محيط مجلس النواب وقذفه بالحجارة، ودعوتها لاستقالة النواب، وتحميلها الحكومة مسؤولية عن عدم التصدي للكارثة، لن تنطلي على الشارع اللبناني الذي بات يعي جيداً، أن المسؤولية الكبرى تخص الحكومات السابقة.
في ضوء هذا الارتباك وتفاعلات الكارثة، أصبح بإمكان الحكومة اللبنانية تمزيق كافة الخطوط الحمراء والمحددات التي وضعتها الإدارة الأمريكية للبنان في علاقاته الدولية، إذ اشترطت الإدارة الأمريكية على لبنان، عدم الانفتاح على الصين وروسيا وإيران، وفي الذاكرة المشاريع التي اقترحتها الصين لتنفيذها في لبنان، في مجالات الطاقة والكهرباء والبنية التحتية، ولم تلقَ استجابة من الحكومة اللبنانية، في ضوء التحذيرات الأمريكية.
نعم أصبح بوسع الحكومة اللبنانية تمزيق الخطوط والمحددات الأمريكية، في ضوء أن كلاً من الصين وروسيا و إيران وسوريا، هي أول من هبت لتقديم يد العون والمساعدة للبنان في حين انتظرت الولايات المتحدة أكثر من يوم، لتتحدث عن تقديم مساعدات – التي لم يصل منها شيئاً حتى الآن - وفي حين راح رئيس وزراء بريطانيا "بوريس جونسون" يتحدث عن تقديم صدقات للبنان بواقع " 5" مليون جنيه استرليني؛ فروسيا باشرت فوراً بإرسال سرب جوي من الامدادات الطبية للبنان، وبتوفير مستشفى عسكري متخصص لمعالجة جرحى الكارثة، وجعلت فعلها يسبق قولها، والصين كذلك حيث لم تكتفِ بإرسال المساعدات، بل أعلنت عبر واحدة من أكبر خمس شركات صينية، عن استعدادها لإعادة بناء المرفأ في زمن قياسي، كما هبت إيران لتقديم الامدادات الطبية لدمشق وحطت لأول مرة في مطار بيروت طائرات إيرانية، تحمل مواداً غذائية وطبية وأطباء وممرضين، وأعلنت هي الأخرى عن استعدادها لإعادة بناء المرفأ.
الدول الغربية في مأزق جراء مبادرات الصين وروسيا وإيران
لقد سعت الإدارة الأمريكية والقوى الرجعية الخليجية وأدواتها في لبنان، إلى استثمار الكارثة لمصلحتها، لكن سرعة تحرك روسيا والصين وإيران وسورية، أوقع القوى المتآمرة في مأزق، فالولايات المتحدة وفرنسا وبقية دول المركز الرأسمالي، بعد أن استخدمت أساليب الحصار والتجويع للشعب اللبناني، وبعد أن دمرت القوى الشرائية لليرة اللبنانية، وبعد أن ضاعت ودائع المودعين إثر تحويل البنوك - بتعليمات من المايسترو رياض سلامة- (20) مليار دولار إلى الخارج. وبعد أن وظفت دول المركز الامبريالي أدواتها، لمنع تشكيل حكومة وحدة وطنية، كل ذلك بهدف تأليب الشارع على حزب الله وحلفائه، أدركت أن كل هذه الأساليب لم تجد نفعاً فعملت على استثمار كارثة المرفأ، لتحقيق ما عجزت عن تحقيقه بالأساليب السابقة، لكن تأخرها في الاستجابة لتحديات الكارثة، جعلها مكشوفة أمام الشعب اللبناني، وبالتالي باتت تركض وراء الحدث، على أمل استثماره مجدداً لمنع الحكومة من التوجه نحو الشرق. هذه التطورات أربكت الدول الغربية وقوى الانعزال، ما دفع بالرئيس الفرنسي ماكرون لاتخاذ قراره بزيارة لبنان بالتنسيق مع الأمريكان، تحت عنوان "التضامن" مع لبنان في مصيبته، لكن معطيات زيارته وتصريحاته، أوقعت فرنسا والإدارة الأمريكية في مأزق آخر.
فالرئيس الفرنسي تصرف وكأنه الحاكم السياسي للبنان، وكأن المندوب السامي الفرنسي لا يزال قابعاً في بيروت، حين أعلن في مؤتمره الصحفي (أولاً) بأن بصدد طرح "ميثاق سياسي" جديد للبنان، وأنه سينتظر حتى سبتمبر/ أيلول القادم لمحاسبة الطبقة السياسية إذا لم تنجز شيئاً، وأنه سيتولى حينئذ القيام بمسؤولياته اتجاه لبنان. (وثانياً) حين اشترط تقديم المساعدات بإنجاز الاصلاحات التي يريدها. (وثالثا) حين لجأ إلى إهانة الدولة والحكومة بمطالبته "تشكيل لجنة تحقيق دولية" وأنه بصدد ارسال خبراء فرنسيين للتحقيق في تفجير المرفأ، مستجيباً لمطلب الفريق الانعزالي. هذه التصريحات- التي لقيت انتقادات واسعة من قبل أحزاب فرنسية، ومن قبل الصحافة الغربية؛ قدمت خدمة مجانية للحكومة وللمقاومة وحلفائها، وقدمت خدمة مجانية لكل من سورية وروسيا والصين وإيران التي زادت من حجم مساعداتها للبنان.
فسورية بعد أن فتحت كل مستشفياتها أمام جرحى الكارثة، أعلنت على لسان نائب وزير الخارجية "فيصل مقداد " بأنها ستوفر كل ما يطلبه لبنان لتجاوز تداعيات الكارثة، وأنها لن تنأى بنفسها عن لبنان، من زاوية أن استقرار لبنان وأمنه هو من استقرار سورية وأمنها، والعكس صحيح... ويؤمل أن تستجيب سورية لمطالب مسؤولين في الحكومة اللبنانية، بتقديم تسهيلات للبنان في مجال تخفيض الرسوم الجمركية وغيرها.
وأخيراً، فإن الكرة الآن في مرمى حكومة "حسان دياب"... هل تجرؤ على اتخاذ قرار بالتوجه شرقاً، عبر توقيع عقود مع روسيا والصين وإيران، للتخلص من الارتهان المذل للولايات المتحدة ودول الغرب الرأسمالي؟ وهل تجرؤ على الانفتاح على سورية – بوابة لبنان للدول العربية-( الأردن والعراق ودول الخليج)- سؤالان برسم الإجابة؟ فالحكومة اللبنانية الآن أمام لحظة سياسية، تشبه البرق، إذا لم تستثمرها، فإنها قد لا تتكرر، بحيث يظل لبنان رهينة للولايات المتحدة، يئن تحت وطأة الارتهان للغرب، وما يرتبط بهذا الارتهان من فقر ومجاعة وبطالة وفقدان للسيادة.

