Menu

في جذور المحنة اللبنانية

أحمد بهاء شعبان

يمر لبنان بمحنة، إن لم يخرج منها سالماً، كما يتمني له كل محبيه، ستدفع به، وبشعبه، دفعاً، إلي أتون أوضاع بالغة الخطورة، لا يعلم أحدٌ كيف، ومتي، وبأي وسيلة يُمكن أن يُتاح له الخروج منها، بل وأقول، عن يقين، أن لبنان وشعبه لن يكونا وحدهما رهين هذه المحنة، وإنما معهما، وربما قبلهما دول وشعوب المنطقة بأسرها، التي يبدو ـ علي عكس ما يتوقع البعض ـ أن مصائرها باتت مُرتبطة بأشد مما كانت في أي لحظة سابقة، وإلي حدٍ غيرٍ مُتَصَوَّرٍ ولا مسبوق!

وبعيداً عن الظنون والإشاعات، والتخيُّلات والتصورات، التي تملأ أجواء البلد المنكوب والمنطقة، وهو أمر طبيعي في مثل هذه الظروف، إذا أردنا وضع اليد علي المُجرم الأصيل والحقيقي، لا التابعين والمُنفِّذين الصِغار، فلنفتش عن "المستفيد"، كما يُوَجِّهُنا دائماً من يُريد أن يفك تعقيدات لغز اشتد استعصاؤه، وزادت تعقيداته، كلغز جريمة تفجير مرفأ بيروت البشعة، وما أحدثه من دمارٍ وخراب، يعادلان ما يُحدثه انفجار نووي صغير، كما وصفه البعض، من نتائج وآثار، وترتَّب عليه سقوط آلاف المصابين والضحايا الأبرياء، فضلاً عن أذىً مُريع حاق بما يقرب من نصف بيروت، فأحالها إلي أرضٍ يباب، ينعق فيها البوم والغربان، بعد كانت دائماً عاصمة للمرح والفرح، وأرضاً للبهجة والسعادة.

ولنقل، "من الآخر"، كما يُطالبنا دائماً "أولاد البلد": ليس هناك من مُستفيد من وقائع تدمير بيروت، علي هذا النحو البشع، سوي طرف واحد، وهذا الطرف لم ينقطع لحظة، طوال ما يقرب من ثلاثة أرباع القرن الماضي، هي سنوات عمره كله، عن التحرُّش بدول المنطقة وبالبلد المجاور: لبنان، وقد تمكَّن هذا الفاعل، المجهول المعلوم من تدمير وإزاحة، أو علي الأقل إرباك واستنزاف، عدداً مُهماً من ألد خصومه وأعدائه، ك العراق وسوريا، ونجح في تفكيك جانب كبير من قدراتهما العسكرية والاقتصادية، بل والروحية والمعنوية أيضاً، دون أن يخوضَ معركةً مُباشرة معهما، مُعتمداً علي الدعم غير المحدود الذي يناله من راعي البقر الأمريكي الجامح ومُعسكره "النيوليبرالي" النهَّاب، كحارسٍ لمصالحهما الاستراتيجية العظمي، علي أبواب ممالك النفط، وممرات التجارة العالمية.
 
إنها العدو الإسرائيلي الذي ما انفكت تُحركه دوافع الثأر لهزائمه في لبنان، واضطراره إلي الانسحاب ـ خائباً ـ أكثر من مرّة، من الأرض اللبنانية، دون أن يستطيع فرض إرادته، وإملاء شروطه، وتحقيق مطالبه المُلِحّة، وفي مقدمتها إنهاء قوة المقاومة الوطنية المُستعصية، وتصفية طوابيرها، ونزع أسلحتها، وتفكيك روابطها، وفتح لبنان أمامه لتطبيع العلاقات كافة، وتحقيق خُطوة مُهمة علي طريق تشكيل "الشرق الأوسط الجديد"، الذي تقوده إسرائيل، علي نحو ما أوضح "شمعون بيريز" في كتابه الكاشف، الذي يحمل هذا الإسم!

وأول دليل علي ذلك أن الأجهزة التابعة، والقوى العميلة لدولة الاحتلال الصهيوني، في لبنان وخارجه، وبمجرد وقوع الانفجار الضخم، وقبل أن ينتهي دويِّه الهائل، حاولت "تلبيس" حزب الله، وهو هنا الخصم الرئيسى المُستهدف، تبعات الجريمة، بالزعم أن الانفجار وقع في مخزنٍ لصنع المتفجرات يحتوي مواد تعود ملكيتها إلي الحزب، ولما اتضح زيف هذا الزعم، وثبت أن المواد التي انفجرت لا تمت للحزب من قريب أو بعيد بصلة، سارعوا بالقول أن المُستهدف منه كان مخزناً للأسلحة بالميناء يخص حزب الله، وهو اتهام "عبيط"، فأسلحة حزب الله، كما هو معروف لا يمكن أن تأتيه علي متن سُفن تتهادى في طريق بحرى طويل، لترسو ويتم تخزينها في ميناء مفتوح ومكشوف لكل الأعداء، فيُصبح هدفاً سهل الاصطياد علي هذا النحو الساذج! 

والمهم أن حزب الله، بمجرد وقوع التفجير، أصبح المُتهم الرئيسى، وعليه أن يدرأ عن نفسه شبح التهمة الجائرة، بدلاً من إعمال القاعدة الشهيرة: "فتش عن المستفيد"، والتي وحدها يمكن أن تُشير لنا بإشارة صحيحة إلي اتجاه المجرم الفعلي!

 فحزب الله، ككيان مُسلَّح ومتمرس، ليس له مصلحة ـ ابتداء ـ من تفجير يضعه في موقع الاتهام أو حتي الاشتباه والمُساءلة، ويُحيطه بأنياب مُتلمظة من كل جانب، خاصةً وأن نصيره وسنده الأساسى، إيران، في وضعٍ حرج، مُحاَرباً أيضاً من نفس مُعسكر الخصوم والأعداء، وعلي رأسه الولايات المتحدة وإسرائيل!
لكن المأزق ليس مأزق حزب الله وحده، وإنما مأزق كل المنظومة اللبنانية، السياسية الاقتصادية الاجتماعية الثقافية، بكاملها، التي حملت منذ تكوينها في القرن الماضي، "جينات" أزماتها المُميتة، وفي مُقدمها "جين الطائفية" اللعين!