Menu

أزمة مصطلح الوحدة الوطنية الفلسطينية

بنان ياسين

خاص بوابة الهدف

إن مصطلح "الوحدة الوطنية" في الحالة الفلسطينية أصبح مصطلحاً فارغاً من محتواه اللغوي والفكري والعملي، ومن المصطلحات التي يتم تداولها مصطلح "إنهاء الانقسام" وهي مصطلحات يتم ترديدها في الكتابات والحوارات والنقاشات في أوساط السياسيين والإعلاميين والمثقفين وعامة الناس مجرد كلام بدون مضمون، باعتباره شهادة حسن سلوك للمتحدث عند حديثه عن الوضع الفلسطيني.

وإذا نظرنا بشكل إيجابي لتناول هذه المصطلحات في ظاهر الأمر نري الدلالة على أهمية الوحدة الوطنية؛ إذ لا خلاف عليها، ولكن عندما تفقد معاييرها يجعلها مجرد كلام رومانسي ذي تأثير مخادع ومُخدِّر عند تعاطيه في الوقت الذي يجب عليه من تحميل المسؤولين عن تعطيل وتعثر والتهرب من مسؤولياتهم، والضغط عليهم إما للقيام بواجباتهم أو لإفساح الطريق لمن يستطيع القيام بذلك

سؤال: هل يمكن للوحدة الوطنية أن تقوم على أسس غير وطنية؟ وهل يجوز لقيادة الحركة الوطنية أن تمارس وظائف وأدواراً "غير وطنية"، وأن تساوم على الأرض وعلى الشعب بحجة أنها تدرك "المصالح الوطنية" أكثر من القوى والتيارات والرموز الأخرى، وأكثر من الشعب الفلسطيني نفسه، الذي فرضت نفسها وصية عليه، والذي تتحدث باسمه وغصباً عنه؟ ما هو المعنى المقصود بالوطنية؟ وما هو الحد الأدنى المقبول لوضع الشخص في دائرة "الوطنية"؟

في سؤالنا عن "الوطنية" نبدأ بالسؤال المتعلق بالثوابت، وهي باختصار متعلقة بالأرض والشعب والهوية والسيادة.

فالأرض هي فلسطين الكاملة من نهرها إلى بحرها، ومن رأس الناقورة إلى أم الرشراش. أما من يقدم لنا فلسطين على أنها الضفة الغربية وقطاع غزة، أو أنها الجزء العربي من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 181، فيجب أن تكون وطنيته موضع مساءلة، ومن يُعرِّف فلسطين المحتلة سنة 1948 على أنها "إسرائيل"، ويعترف للصهاينة بأي حق على أي جزء من فلسطين، فيجب أن تكون وطنيته موضع مساءلة.

والشعب الذي يملك الأرض تاريخياً هو شعب فلسطين، وهو جزء من أمته العربية وأمته الإسلامية، ولا يحق لأي أحد أن يصطنع لهذا الشعب هوية مزورة غير هويته، وهو كل أبناء هذه الأرض سواء من سكن فيها في فلسطين 1948 أم في الضفة أم في القطاع أم في خارج فلسطين، ومن يَقْصِر الشعب الفلسطيني على أبناء الضفة والقطاع؛ وكل من يتنازل عن حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى منازلهم التي أُخرجوا منها أو لم يتمكنوا من العودة إليها، فإن وطنيته موضع مساءلة.

وهؤلاء المستعدون للتنازل عن حق العودة مقابل دولة في الضفة والقطاع ويجعلون الموضوع مجالاً للمساومة والتسوية، وأولئك الذين يفرطون بهوية الشعب الفلسطيني وبسيادة شعبه على أرضه أو أي جزء منها، ويرضون للصهاينة أن يفرضوا هويتهم وسيادتهم، فإن وطنيتهم موضع مساءلة.

من ناحية أخرى، هل يحق لفصيل معين أن يكون تحقيق الوحدة الوطنية مرهوناً بالتنازل عن أكثر من ثلاثة أرباع فلسطين، تحت غطاء الالتزام بالاتفاقات والتعهدات التي التزمت بها منظمة التحرير؟

وإذا كانت هناك أطراف فلسطينية تريد أن تفرض علينا التسوية ومساراتها وتصوراتها، والتي لا تستطيع أن تعطينا في أفضل أحوالها خريطة للوطن تسمى فلسطين؛ إلا على 22 % من أرضنا، وتريد منا أن نعترف بإنجازاته وإن لم نفعل فهي لا ترغب بنا شريكاً "وطنياً" ولا تريدنا عضواً أو صانع قرار في مؤسساتنا الوطنية الرسمية التي تحتكرها هي؛ وهنا نرى السلوك غير الشرعي والخارج عن الوطنية، حيث أصبح من يتنازل عن الوطن هو الذي يوزع "صكوك" الوطنية. لا ندري هل التجميع الشكلي لفصائل وتيارات ورموز متنازعة، وتتحرك بقوى شد وجذب متعاكسة، ومتناقضة في الأولويات، خصوصاً بين مسار المقاومة ومسار التسوية، وليس لديها برنامج سياسي، وتتسلط عليها قيادة ترفض الشراكة، وتركيبتها العقلية والنفسية معادية للبناء المؤسسي والدستوري، هذه ليست "وحدة وطنية"، وإنما تعطيل أي عملية إصلاحية جادة، ولاستمرار تحكُّم شبكات الضعف والفساد في قرارنا الوطني ومؤسساتنا الوطنية؛ ولاستهلاك الجهد والوقت في محصلات عبثية لا تخدم القضية.

وعندما تنتقد القيادةَ الرسمية المتنفذة، تتحرك عجلة الحملات الدعائية ضد منتقديها باعتبار أن ما يقومون به "طعنٌ" في العمل الوطني وضرب "للوحدة الوطنية"؛ وبحيث تصبح الوحدة الوطنية أداة تخويف لإسكات المعارضين، وممارسة الإرهاب الفكري ضد من يسعون لإحداث إصلاح حقيقي، ووسيلة لتكريس الوضع القيادي المزرى للسلطة والمنظمة.

وعندما تدعو جموع الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج ومعظم فصائله ورموزه وشخصياته العامة لإصلاح منظمة من العجز والتردي والانهيار؛ يرفع المتنفذون عليها أصواتهم بأن ذلك خروج عن العمل "الوطني"، بل ويصبح معيار "الوطنية" أن تصفق لقيادة فشلت في قيادة الشعب الفلسطيني على مدى عشرات السنوات، وأوقعته في كارثة أوسلو، وتعاونت مع المحتل لضرب قوى المقاومة تحت ادعاء تحقيق "المصالح الوطنية".

وأصبح الاعتراف بالاتفاقات والالتزامات التي التزمت بها المنظمة، بما في ذلك التنازل عن معظم فلسطين، والتنكّر لمعظم بنود الميثاق الوطني الفلسطيني التي قامت المنظمة على أساسها؛ معياراً وطنياً، فإما أن تكون شريكاً معهم في هذا الهوان والذل، وإما أن تظل خارجاً حتى يُتموا هذه المهمة "الوطنية" بأنفسهم.

في إطار “الوحدة الوطنية”، من الطبيعي الترحيب بحالة التنوع الفلسطيني، وتشجيع إدارة الاختلاف بالطرق الحضارية، والاستفادة من هذه الحالة الغنية في عملية الإبداع وتفجير الطاقات والإمكانات، لكن عندما يتم تضييع الثوابت والقيم والمعايير؛ تصبح الوطنية إطاراً حاضناً يستوعب الفاسدين والمنافقين والمتسلقين، بل ويُمكَّن لبعضهم من رقاب المخلصين والمضحين وأصحاب الكفاءات، وعند هذه النقطة فقد آن الأوان لهذا المفهوم أن يقوم على أسس صحيحة، وأن يتم تنظيف "البيئة الوطنية" من عناصر الهدم والفساد داخلها، بشكل صحيح حينها ليس مقبولاً أن تُميَّع المصطلحات، ولا أن تفقد اللغة معانيها، ولا أن يتهرب المعنيون من مسؤولياتهم والاستحقاقات المترتبة عليها، وليس من المقبول أن ما كان يَعُدّه الشعب الفلسطيني طوال تاريخه "خيانة"، وتصبح أي الخيانة لدى البعض مجرد "وجهة نظر"، ومشروعة ولا تمنع صاحبها من قيادة "المشروع الوطني الفلسطيني".

يجب أن تكون للوحدة الوطنية معايير تحكمها؛ أولها الالتقاء على برنامج وطني يحافظ على الثوابت المتعلقة بالأرض والشعب والهوية والسيادة، وثانيها فتح المجال بجدية وإخلاص لإعادة بناء منظمة التحرير على أسس "وطنية" حقيقية، وثالثها تحديد أولويات المرحلة وإعادة الاعتبار لبرنامج المقاومة، ورابعها إيجاد الآليات المناسبة لتحقيق التمثيل الشعبي للفلسطينيين في الداخل والخارج، والتعبير عن إرادتهم في مؤسساتهم التمثيلية والدستورية.