فلسطين تستحق أكثر وأفضل من ذلك.. بداية لا بد من تثمين اجتماع قيادة المقاومة بمشاركة جميع الفصائل من داخل وخارج منظمة التحرير وهي المرة الأولى التي يتم فيها ذلك ومنذ زمن طويل، هذا الاجتماع الذي جاء استجابة لدعوة من الرئيس عباس وشاركت فيه حماس والجهاد إلى جانب فصائل منظمة التحرير إدراكًا منها لخطورة المرحلة، وما تتعرض له القضية الفلسطينية من مؤامرات، وانسجامًا مع تطلعات الشعب الفلسطيني. هذا الاجتماع الذي جاء ردًا على صفقة الخيانة والاستسلام التي عقدتها دولة الإمارات وشيخها العميل محمد بن زايد الذي قدم الهدايا المجانية لترامب ونتنياهو، وسجل طعنة في قلب القضايا العربية ومنها القضية الفلسطينية.. وشكل خروجًا عن ثوابت هذه الدولة العربية التي وقفت دومًا وعلى لسان شيخ العرب زايد آل نهيان، إلى جانب الحق الفلسطيني ومدافعًا عنه...
لقد انتظرت جماهير شعبنا الفلسطيني والعربي انعقاد هذا الاجتماع، وكان يحذوها الأمل نظرًا لما تمر به المنطقة؛ أن يكون بعيدًا عن الخطابات والأجواء الكرنفالية، وأن يصدر عنه مواقف حاسمة قاطعة في الرد على هذه المؤامرة، وأن لا يكتفي بإصدار البيانات فقط، بل يذهب إلى اتخاذ خطوات عمليه طالما طالب بها الشعب الفلسطيني تمكنه من التصدي لهذه المؤامرة وتضعه على الطريق الصحيح، لكننا نقول مع الأسف الشديد: أن الموقف الصادر عن الاجتماع بقي يراوح في نفس الدائرة؛ دائرة وهم الحلول السياسية والرباعية الدولية... الخ.
صحيح أنه تحدث عن المقاومة الشعبية، لكنه لم يرسم استراتيجية واضحة للخروج من نهج المفاوضات وأبقى الباب مفتوحًا ضمن المراهنة على السياسة الانتظارية، كما جرت العادة فمن المراهنة على سقوط نتنياهو إلى المراهنة على سقوط ترامب، هذه السياسة التي أثبتت فشلها ويجب أن نغادرها.
إن البيان الختامي والمواقف التي اتخذت، لم يرتقِ لطموح أبناء شعبنا الفلسطيني العظيم ومستوى تضحياته.. وجاء خجولًا يكرر المكرر، كما حصل طوال الفترة الماضية.
إن جماهير شعبنا الفلسطيني لم تكن تنتظر بيانًا جميلًا يصدر عن هذا الاجتماع، بل كانت تنتظر اتخاذ مجموعة من المواقف العملية؛ من أجل التصدي لهذه المؤامرة الخطيرة؛ مؤامرة التطبيع مع العدو الصهيوني، والتي باتت تشكل مقدمة لتطبيع عدد آخر من حكام الدول العربية مثل: السودان والبحرين وعمان والمغرب وغيرهم من الخونة الذين يصطفون اليوم في طوابير الخزي والعار؛ ينتظرون دورهم.
لم تعد تكفي اليوم المناشدات لحكام الإمارات، ولا لجامعة الدول العربية، هذه الجامعة التي تأمرت على سوريا والعراق ولبنان واليمن و ليبيا .. وأشعلت فيها الحروب وشكلت غطاءً للتدخل الأجنبي فيها وساهمت في تقسيمها... هذه الجامعة فقدت دورها منذ زمن بعيد وأصبحت منفذًا للخطط التآمرية على العرب، وبالتالي لن تنتظروا منها موقفًا عمليًا مساندًا.
اما منظمة الدول الإسلامية، لم يعد لها دور منذ زمن بعيد سوى التطبيل والتزمير لسياسة السعوديه ومحمد بن سلمان... إن من يراهن على الجامعة العربية ومنظمة الدول الإسلامية كمن يراهن على استخراج اللبن والحليب من الماء... وهل هذا ممكن؟!
أن المنظمة والفصائل يجب أن تقول الحقائق لجماهيرها دون مواربة؛ أن محمد بن زايد وغيره، لم يكن يجرؤ على هذا الموقف الخياني لولا أنه وجد مبررًا له في الموقف الفلسطيني الذي وقع أوسلو واستمر في المفاوضات وأسقط خيار المقاومة. لا أقول ذلك من موقع جلد الذات، وإنما من موقع رؤية الأمور، كما هي لقد فتحنا لهم أوتوسترادًا كبيرًا للسير به للتطبيع مع العدو، وأصبحوا يقولون لماذا نكون ملكيين أكثر من الملك وفلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم؟ ولماذا لا نقبل بما يقبله الفلسطينيين لأنفسهم، ويحرمونه علينا؟ للأسف فتحنا لهم أبواب التبرير، وعلينا أن نملك الجرأة لتحمل المسؤولية والعودة لإغلاق هذه الأبواب نهائيًا.
إن الموقف الجاد والعملي الذي بات مطلوبًا اتخاذه اليوم قبل الغد في مواجهة هذه المؤامرة الكبيرة، هو فضحها وتعريتها وحشد كافة الطاقات للتصدي لها وإدانتها إدانة كاملة وصريحة، وحتى نكون عمليين نجسد القول بالعمل... لا بد من اتخاذ مجموعة من الخطوات العملية فورًا ودون إبطاء... الزمن يمر، والوضع لم يعد يحتمل والمسؤولية تقع على عاتقنا جميعًا ولا مهرب ولا عذر لأحد، هذه الخطوات تتجسد في:
أولًا: .سحب الاعتراف بدولة الكيان الصهيوني فورًا، واعتبارها دولة مارقة تغتصب الأراضي الفلسطينية ولا شرعية لها.
ثانيًا: إلغاء واضح وصريح لاتفاقيات أوسلو لا يقبل أي تفسير وبشكل نهائي.. والقطع معها نهائيًا، ومع كافة ملحقاتها الأمنية والسياسية والاقتصادية، بحيث تقفل كافة الأبواب أمام اللاهثيين وراء التطبيع وتسحب كافة الذرائع منهم.
ثالثًا: إنهاء فوري دون أي تأجيل للانقسام الفلسطيني الذي أساء للقضية الفلسطينية، ولم يعد له أي مبرر.. ولم يعد مقبولًا اليوم الاستمرار في هذه الحالة ويجب أن تنتهي للأبد، وإذا لم يكن اليوم هو الوقت المناسب للانقسام.. متي سيكون هذا الوقت؟ وعلى حركتي فتح وحماس أن يتحملوا مسؤوليتهم تجاه ذلك.
رابعًا: استعادة وحدة منظمة التحرير الفلسطينية بمشاركة كافة الفصائل والمنظمات والشخصيات الوطنية، وبمشاركة فاعلة من المرأة الفلسطينية والشباب الفلسطيني، وذلك استنادًا إلى التمسك بالثوابت الوطنية الفلسطينية من ناحية، وإجراء عملية مراجعة شاملة لمسيرة الثورة الفلسطينية والمنظمة واستخراج دروسها.
خامسًا: إعادة الاعتبار لخيار المقاومة بكافة أشكالها وعدم الاستناد إلى خيار وحيد هو خيار المفاوضات. لقد أثبتت تجارب كل الشعوب في فيتنام وكوبا والجزائر وأخيرًا في لبنان؛ أن ثورة واحدة لم تنتصر دون مقاومة ودون تغيير موازين القوى، ولولا المقاومة في لبنان، لكنا لا نزال حتى الآن تحت حراب الاحتلال الصهيوني. نحن نعيش في عالم ينطبق عليه قانون الأرض: ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وقانون السماء: (و اعدو لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله و عدوكم..).
سادسًا: وقف المراهنة على قرارات الشرعية الدولية والرباعية وغيرها والخروج من أوهام أن الحل سيأتي عن طريق العمل الدبلوماسي فقط، والعمل على نسج أوسع علاقات ممكنة مع القوى الوطنية والتقدمية العربية والمنظمات المناهضة للتطبيع.. والتمييز بين موقف الشعوب العربية التي وقفت دومًا مع فلسطين وبعض الخونة من الحكام العرب الذين يطبعون مع العدو.
سابعًا: تمتين العلاقة مع القوى التقدمية والمناهضة للعنصرية والاحتلال في العالم وتعزيز الروابط مع لجان المقاطعة لأهمية الدور الذي تقوم به في عزل ومقاطعة دولة الكيان الصهيوني.
إن القيادة الفلسطينية.. قيادة المنظمة والفصائل.. أمام تحدِ حقيقي؛ فإما أن نكون. وإما لا نكون... المؤامرة كبيرة وتستهدفنا جميعًا وتريد تصفية قضيتنا وبمساهمة بعض الخونة من الحكام العرب... والسؤال: هل سنكون بمستوى التحدي وننتقل من موقع رد الفعل على الحدث، إلى الفعل على الأرض؟
علينا أن ننظم أنفسنا ونحشد طاقاتنا ونعتمد اولًا، وأخيرًا على شعبنا العظيم الذي قاتل وقاتل.. وضحى ولا زال يضحى منذ أكثر من ١٠٠ عام، علينا أن نكون القاطرة التي تقود الأمة العربية والإسلامية في الاتجاه الصحيح، وأن تبقي بوصلتنا تؤشر إلى فلسطين.. نحن أصحاب القضية وأصحاب القرار، علينا أن نكون جزءًا من محور المقاومة، وأن نقوم بعملية فرز حقيقية بين العدو والصديق ونغادر دائرة الضبابية.
وقبل نهاية هذا المقال؛ أتوجه بالتحية لشعبنا في الإمارات وكافة دول الخليج، ولكافة شعوبنا العربية التي رفضت التطبيع وقالت التطبيع خيانة، ومن يوقع عليه لا يمثلنا، وعليه، يجب أن نميز بين موقف الشعوب العربية المناضلة، وبين بعض حكامها الخونة.
الشعوب باقية وفلسطين باقية، أما هؤلاء سيذهبون إلى مزابل التاريخ، إذا قبلت بهم.. والنصر للحق.. النصر لفلسطين.

