Menu

التطبيع الاماراتي.. "حلف بغداد" جديد (1)

مُراقب خليجي

نُشر في العدد 17 من مجلة الهدف الرقمية

"لم تمضِ سويعات قليلة على الإعلان الثلاثي (في 13 أغسطس 2020) بشأن بدء علاقات دبلوماسية بين إسرائيل والإمارات حتى كانت الشركات الإسرائيلية ترسل للصحفيين في بريدهم الالكتروني أخبارًا حول نشاطاتها القائمة في السوق الإماراتية"، هكذا علق مراسل صحيفة هآرتس أنشل بفيفر. وبعدها بـ 48 ساعة أعلنت مجموعة تيرا "الإسرائيلية" توقيعها اتفاق مع صندوق إيبكس الاستثماري الاماراتي لتطوير علاج ومصل لكوفيد-19. قبلها بشهرين أُعلن أن شركتين إماراتيتين ستعملان مع شركتين "إسرائيليتين" لمكافحة فيروس كرونا. وفي الشهر الماضي أعلنت شركتان "اسرائيليتان" عاملتان في المجال العسكري شراكة مع قروب 42 الإماراتية العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي.

قد لا يكون التطبيع الإماراتي جديدًا من ناحية المضمون، ولكنه حدث غاية في الخطورة من المنظور الفلسطيني والعربي والإقليمي، لأنه يفتح الأبواب على انفتاح ثقافي مع الكيان الغاصب وعلاقات واسعة أمنية وعسكرية واستخباراتية واقتصادية وتجارية وفي مجال الاتصالات والتكنولوجيا والسياحة، ويسمح بتغلغل صهيوني في كل المنظومة العربية المهترئة التي يسهل غزوها، ومنافع اقتصادية جمة يجنيها العدو، وتعزز الأطراف الصهيونية الأكثر تشددًا التي تقول أن الكيان يملك من القوة والدعم الأمريكي ما يكفي لفرض وصفته "السلام مقابل السلام"، دون أن يتخلى عن شبر من الأرض العربية، على دول عربية ضعيفة منقسمة تخوض حروبًا مع بعضها بالأصالة أو بالوكالة، تقيم أغلبها علاقات سرية مع الكيان، ولا تقيم وزنا للرأي العام العربي الرافض للتطبيع.

يقول مراسل هآرتس أنشل بفيفر أنه ما أن فتحت شبكة الاتصالات بين البلدين حتى قام وزراء من الطرفين بالاتصال بنظرائهم والإعلان عن ذلك فورًا للصحافة، ويضيف "الأمر هذه المرة مختلف عن اتفاقيات السلام مع مصر والأردن، حيث لم تنجح العلاقات الدبلوماسية في صنع علاقات دافئة، وظلت العلاقات محصورة أساسًا في الجانب الأمني وبشكل سري".

خطورة التطبيع الاماراتي ناشئة أيضًا من كونه أول علاقات طبيعية كاملة بين الكيان ودولة عربية لا تملك حدودًا مع فلسطين ولم تدخل حربًا مباشرة معه، إضافة إلى أن الإمارات أصبحت لاعبًا إقليميًا وعربيًا هامًا بما تملكه من إمكانات مالية هائلة ومركز تجاري إقليمي وعلاقات عربية واسعة وطموحات إقليمية. الآن أصبح بإمكان دولة العدو أن تقول أنها حققت هدفها في مزاوجة الرأسمال الخليجي بالعقل والتكنولوجيا الصهيونية، مع أن عقول وتكنولوجيا العالم كلها متوفرة لمن يملك الإرادة ويعرف كيف يوظف رأس المال لمصالحه.

الخطوة الإماراتية في حقيقة الأمر هي أول اشهار رسمي من دولة عربية، منذ أنور السادات، لعملية فصل الصراع العربي الصهيوني عن الصراع الفلسطيني الصهيوني؛ والأخطر أن الإمارات لم تخطَ هذه الخطوة منفردة، بل رتبتها مع شركاء آخرين يرجح أن يقدم بعضهم على إعلان علاقات مع دولة العدو خلال الأسابيع والأشهر القادمة.

التطبيع العربي في السر وفي العلن:

تغريدات وتصريحات وزير خارجية البحرين السابق خليفة بن أحمد الخليفة كاشفة لمدى عمق العلاقات بين بعض الدول العربية والكيان الصهيوني. فقد رثى الوزير في سبتمبر 2016 شمعون بيريز في تغريدة على تويتر قائلًا: "ارقد بسلام أيها الرئيس شمعون بيريز، رجل حرب ورجل سلام، لا يزال بعيد المنال في الشرق الأوسط". وفي مايو 2018 غرّد وزير الخارجية مدافعًا عن الكيان إثر عدوانه على سوريا قائلاً: "طالما أن إيران أخلّت بالوضع القائم في المنطقة واستباحت الدول بقواتها وصواريخها، فإنه يحق لأي دولة في المنطقة ومنها إسرائيل أن تدافع عن نفسها بتدمير مصادر الخطر". وفي يونيو 2019 صرح وزير الخارجية لصحيفة "تايم أوف إسرائيل" التي حضر مندوبين لها ورشة المنامة: "إن إسرائيل وُجدت لتبقى ولها الحق في أن تعيش داخل حدود آمنة".

هذا على صعيد التصريحات، أما على صعيد الأفعال، فإن أغلب الحكومات الخليجية مضت في عملية تطبيع متسارعة مستغلة التوقيع على اتفاقية أوسلو عام 1993. وفي البحرين، شارك وفد دبلوماسي صهيوني برئاسة وزير البيئة آنذاك في مؤتمر حول قضايا البيئة، وفي يناير 2000 التقى مسؤول بحريني رفيع في دافوس رئيس الكيان حينها شمعون بيريز، ومرة أخرى جرى لقاء سري بين مسؤولين بحرينيين وصهاينة في نيويورك نهاية 2008، وفي ديسمبر 2016 قام وفد صهيوني أمريكي بزيارة البحرين غنى ورقص في مركزها التجاري بالمنامة، وبعدها بعام حضر وفد من الاتحاد الصهيوني لكرة القدم اجتماع اجتماع الفيفا الذي استضافته البحرين، وفي ديسمبر2017 قام وفد جمعية ترعاها الحكومة بزيارة لمدينة القدس بحجة زيارة الأماكن المقدسة. وقد شارك دراجون من الفريق الذي تملكه البحرين في سباق دولي للدراجات أُقيم في الكيان الصهيوني في مايو 2018، كما استضافت البحرين في ابريل 2019 النسخة الحادية عشر لمؤتمر ريادة الأعمال العالمي، حيث شارك الكيان الصهيوني بوفد من 30 فردًا. وفي يونيو 2019 استضافت البحرين ورشة العمل التي اعتبرت الشق الاقتصادي لصفقة القرن المشبوهة بحضور وفد من الكيان.

ولم تكن دول خليجية أخرى بمنأى من هذا التسارع في العلاقات الصهيونية العربية الذي اتخذ أشكالًا متعددة؛ رياضية وسياحية واقتصادية وتجارية ودينية وسياسية وفي مجال الطاقة والأمن، خاصة دولة الامارات العربية. أما عمان فقد استقبل سلطانها الراحل رئيس وزراء الكيان وزوجته في أكتوبر 2018، وكانت أول زيارة رسمية يقوم بها رئيس وزراء للعدو إلى دولة عربية خليجية. لذلك ليس مستغربًا أن تقدم كل من البحرين وعمان، الدولتان الخليجيتان اللتان رحبتا علنا بالتطبيع الإماراتي، على الانضمام لجوقة المطبعين في العلن. وقد صرح الحاخام اليهودي الأمريكي مارك شناير، الذي يعمل مستشارًا لدى الحكومة البحرينية، في محادثة خاصة له مع هيئة البث "الإسرائيلية" قائلًا: "أعلم أنه بحلول نهاية العام، سيبدو أن دولة أو دولتين من الخليج ستقيم علاقات مع إسرائيل، وأعتقد أن البحرين ستكون هي التالية".

في أسباب الاتفاق:

هذا الاتفاق ليس مجرد اعتراف بشرعية الاحتلال، ولكنه بنفس القدر، إن لم يكن أكثر، مقدمة لتحالف إقليمي برعاية أمريكية قد يشهد انضمام دول عربية أخرى، "حلف بغداد" جديد لإجهاض التغيير الديمقراطي وحركات المقاومة العربية والإسلامية في المنطقة ومواجهة ايران. يقول نتنياهو: "في لقاءاتي (السرية) مع الزعماء المسلمين والعرب، أقول لهم أن من مصلحتهم إقامة سلام مع إسرائيل لأننا دولة قوية.. ولا أتردد في مواجهة إيران".

بعض المخاوف على الأمن الخليجي مشروعة، لكن يمكن حلها في إطار إقليمي لو تم الاعتماد على النفس وتوافرت النيات الحسنة وفك التبعية للغرب. في المقابل هناك هوس في بعض دول الخليج بالإخوان المسلمين و قطر وتركيا وإيران وجماعات المقاومة في فلسطين ولبنان، إضافة إلى طموحات في توسيع النفوذ الإقليمي باستخدام المال والمرتزقة بالتحالف مع حكومات تشاركها الأهداف والأعداء.

مكاسب ترامب من الاتفاق لحظية وقد لا تكون طويلة الأثر. بالنسبة لسيد البيت الأبيض، الموضوع يتعلق أساسا بالسياسة الداخلية، خصوصًا حظوظ الرئيس في إعادة انتخابه في الثالث من نوفمبر 2020. من جانب يحاول ترامب بث الحماس في قاعدته الانتخابية من المسيحيين الانجيليين الذين يؤيدون إنشاء دولة يهودية على الأراضي المقدسة في فلسطين، وقد صرح ترامب في تجمع انتخابي في 17 أغسطس الجاري أنه نقل السفارة إلى القدس إرضاء لهم. ومن ناحية أخرى يحاول ترامب أن يقنع الناخب الأمريكي أنه رئيس عظيم ينجح في عقد صفقات مربحة تبدو مستحيلة، لكن هذه الفائدة قد يتلاشى مفعولها سريعًا في خضم حملة انتخابية محمومة تسيطر عليها القضايا الداخلية.

بالنسبة للإمارات، يجمع المراقبون أن ادعاء دولة الإمارات ايقافها قرار ضم أراضي بالضفة الغربية مقابل اعترافها بالكيان، ليس إلا ورقة توت تغطي حقيقة أن هذه العلاقات كانت تتطور لتصل إلى نهايتها المحتومة، وعلى العموم فقد كذب نتنياهو الإدعاء الإماراتي بعد ساعات من الاتفاق الثلاثي.

إقامة علاقات طبيعية مع الكيان تسمح بإعادة بناء التحالفات الإقليمية بإدخال الكيان شريكًا شبه رسمي في المحور الاماراتي السعودي المصري البحريني؛ الشريك الصهيوني بالإضافة إلى قدراته العسكرية والأمنية والاستخباراتية، صاحب نفوذ في دوائر صنع القرار في واشنطن، ويمكن أن يخفف من أثر التغييرات المتوقعة في السياسة الخارجية الأمريكية في حالة عودة الديمقراطيين لكرسي الرئاسة.  

في المقابل، فإن حكومة الإمارات وجدت أن إقامة علاقات طبيعية مع الكيان تساعدها في الحصول على أسلحة متطورة لا تمنحها الولايات المتحدة؛ إلا لدول على علاقات طيبة مع الكيان، مثل صفقة طائرات أف16، حسب رأي المفاوض الأمريكي السابق دنيس روس، وتفيد في تقليل الضرر الذي ألحقته حربي اليمن و ليبيا بسمعتها الدولية نتيجة للكلف الإنسانية الكبيرة لهاتين الحربين.

أما الكاسب الأكبر فهو الدولة اليهودية، هناك فوائد اقتصادية كبيرة لشركات الكيان خاصة العسكرية والأمنية والتكنولوجية، وتتوقع وزارة الاقتصاد ارتفاع صادرات دولة الكيان إلى الإمارات إلى ما بين 300 و500 مليون دولار سنويًا.

على مدى أكثر من عام سعى رئيس وزراء الكيان إلى تحقيق حلم اليمين الصهيوني بضم أراض واسعة من الضفة الغربية وقتل فكرة الدولة الفلسطينية إلى الأبد مستغلًا رئاسة ترامب التي مثلت فرصة تاريخية يصعب تعويضها، لذلك فقد كان يستعجل تنفيذ إجراءات الضم قبل الانتخابات الأمريكية المقبلة مخافة انتخاب إدارة أمريكية أقل تأييدًا لإجراءات ضم أحادية تقوض حل الدولتين الذي يتبناه برنامج الحزب الديمقراطي.

وقبيل الاتفاق الثلاثي على التطبيع مع الإمارات كان نتنياهو، قد أجل إعلان قرار ضم أراضي الضفة الغربية؛ بسبب عدم موافقة إدارة ترامب على التوقيت وخلافات مع شريكه في الائتلاف الحاكم. لقد قدمت هذه الخطوة التطبيعية خدمة كبرى لنتنياهو المحاصر في الداخل بقضايا في المحاكم بتهم الفساد وفشل في التصدي لفيروس كرونا والبطالة التي بلغت 800 ألفا وتظاهرات تطالب برحيله، والآن أصبح يتباهى قائلًا: "هذه هي المقاربة التي عملت عليها منذ سنوات، إقامة سلام دون التنازل عن أراض أو قبول تقسيم القدس.. في الشرق الأوسط، البقاء للقوي".

لقد انتصرت الإمارات لمبدأ نتنياهو "السلام مقابل السلام" الذي شرع للسطو المسلح والتهويد والاستيطان المستمر، وتخلت عن المبدأ الذي اعتمدته المبادرة العربية للسلام "السلام مقابل الأرض"، هذه المعادلة الجديدة التي فرضها نتنياهو تهدف لعزل الفلسطينيين عن بحرهم العربي ليسهل كسر إرادتهم والإجهاز على قضيتهم.

يُتبع..