Menu

لماذا الاستهداف المستمر للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين؟

طارق حسين

خاص بوابة الهدف

في الأيام السابقة كنت قد كتبت الجزء الاول من مقالتي التي حملت عنوان لماذا الاستهداف المستمر للجبهة الشعبية، ولماذا لا زالت تمثل خياري، وماذا تعني بالنسبة لي بعد ٥٣ عامًا من الانتماء إليها.

في القسم الاول من المقالة تناولت لماذا الاستهداف المستمر للجبهة، وفي القسم الثاني سأتناول االجزء الآخر من عنوان المقال.

بداية أعتذر منكم بشدة بسبب التأخر في كتابه الجزء الثاني، وذلك لأسباب خارجة عن إرادتي، وبالتحديد بسبب وعكة الصحية أصابتنيي وجعلتني غير قادر على مواصلة نشاطي، أما الآن وقد تجاوزتها، فها أنا أضع بين أيديكم الجزء الثاني حتى تستكمل المقالة.

قبل بضعة أسابيع كنت مشاركًا في جلسة حوارية مع عدد من الأصدقاء والأخوة المثقفين العرب، كان حاضرًا فيها أخوة ورفاق من العراق وسوريا، لبنان واليمن، مصر والجزائر، تونس ومن فلسطين. كانت جلسة ممتعة ورائعة، تم فيها حوار جيد ومثمر، تناول العديد من القضايا على الساحة العربية، والتي تشغل بال المواطن العربي في هذه الفترة خاصة (الربيع العربي)، والنتائج الكارثية التي وصلنا إليها من خلال المؤامرات، والتي هدفت وتهدف إلى تقسيم المنطقة، والقضاء على أية قوة عربية مناهضة للصهيونية ودولة الكيان الغاصب، ورافضة لمشاريع أمريكا على المنطقة، وإقامة ما سمي بشرق أوسط جديد. كما تم في هذه الجلسة أيضًا مناقشة الموضوع الفلسطيني، وتم التوقف أمام صفقة القرن وقرار الضم وخطوات التطبيع وأوسلو والوحدة الوطنية الفلسطينية وموضوع الانقسام، وغيرها من الموضوعات، وموقف المنظمات الفلسطينية منها خاصة الجبهة. وبعد أن قمت بتقديم مداخلة مطولة حول الوضع وموقف الجبهة من التطورات ودورها في الساحة وبعد حوار شامل ومعمق، وقف أحدهم وسألني قائلًا: أخ أبو بسام، أنت من المناضلين القدامى وشاركت في الثورة الفلسطينية منذ انطلاقتها ومضى أكثر من نصف قرن ولا زلت تشارك في العمل الوطني دون كلل أو ملل، رغم كل ما حصل، ومازلت تتمتع بروح كفاحية ومعنويات عالية، رغم حالة اليأس والإحباط التي نعيشها، ومن البداية اخترت الجبهة الشعبية وانخرطت للنضال في صفوفها منذ التأسيس ولا زلت تفتخر وتعتز كونك تنتمي لهذا التنظيم،

فماذا تعني لك الجبهة الشعبية بعد هذا العمر الطويل؟ وهل لا زلت متمسكًا بهذا الخيار؟ ولو عادت بك الأمور إلى الوراء، هل ستختار نفس الطريق أم أنت نادم على ذلك؟

قلت له سأرد عليك، ولكن أرجو أن تتحملوا إجابتي الطويلة على هذا السؤال، وأن يتسع صدركم  لما سأقوله، قلت له الجبهة تعني لي الكثير الكثير لدرجة لا أستطيع أن أتصور ولو لحظة واحدة أن أكون بعيدًا عنها أو خارجها، لقد اصبح هذا التنظيم جزء من حياتي وكياني، أنا جزء منه وهو جزء مني ولا يمكن الفصل بيننا.

لقد اخترت هذا التنظيم منذ التأسيس من خلال الحس العفوي وبالفطرة، حيث كنت في السابعة عشرة من عمري، ولا أدعي أنني كنت امتلك الوعي النظري والسياسي، وكانت هذه المرحلة بالنسبة لي بداية تبلور هذا الوعي، وشكلت الجبهة بالنسبة لي الخط السياسي الواضح الذي يقوم على تحديد معسكر الاعداء والأصدقاء، كما شكلت بالنسبة لي الموقف الحازم الذي يقول لا تعايش مع الكيان الصهيوني، وشكلت بالنسبة لي أيضًا نموذجًا يدعو لتحرير فلسطين كل فلسطين، ويرفض المساومة والتنازل، وشكلت نموذجًا يجمع ما بين السياسي والكفاحي من خلال شعار كل مقاتل سياسي وكل سياسي مقاتل. ومثلت لي أيضًا الفكر التقدمي الذي يدافع عن الفقراء والمظلومين، ومثلت بالنسبة لي التمسك بوحدة الأرض الفلسطينية والشعب الفلسطيني في كافة مناطق تواجده في الضفة و غزة وال ٤٨ والشتات. الجبهة تعني بالنسبة لي التمسك بالوحدة الوطنية ومنظمة التحرير؛ استنادًا للبرنامج والميثاق الوطني والثوابت الوطنية، وتعني لي رفض الانقسام وعدم الانجرار للصراعات الداخلية، وعدم التلوث بالدم الفلسطيني ورفضها للاقتتال، وتعني لي محاربة الفساد والفاسدين، وتعني لي الحفاظ على القرار الفلسطيني المستقل وربطه مع بعده العربي، وتعني الجبهة بالنسبة لي ربط ال قطر ي مع القومي عبر موقفها من القوي التقدمية والوطنية العربية، وتعني لي القدرة على ربط القومي مع الأممي مع التمسك بخصوصية الوضع الفلسطيني، وهذا ما جسدته من خلال علاقاتها مع الدول الاشتراكية والحفاظ على خطها السياسي المميز، كما تعني لي العمليات النوعية ووراء العدو في كل مكان، هذا الشعار الذي كان يرعب العدو والرجعيات العربية.

الجبهة تعني لي النموذج الذي قدمته في العلاقة مع الجماهير وقول الحقيقة لها؛ النموذج الذي يلتصق بالجماهير ويعيش آلامها، وهي التنظيم الذي تصدى بقوة للعدو الصهيوني في معركة الكرامة وفي معارك لبنان المتعددة وصولًا لحرب ١٩٨٢، وتعني لي الرافعة والمحرك دون إهمال دور الآخرين في انتفاضتي الحجارة والأقصى، وتعني بالنسبة لي التصدي لنهج التسوية، منذ برنامج النقاط العشرة عام ١٩٧٤ وصولًا لاتفاقيات أوسلو، وهي الفصيل الأول الذي أجرى عملية تبادل أسري مع العدو في عام 1968، وهي الدفاع عن المرأة وحقها في المساواة مع الرجل، هي الاعتماد على الشباب وتكريس دورهم في الثورة، وهي الكادر الملتزم ثقافيًا وفكريًا ويخوض معركة ضد استلاب الوعي الفلسطيني، وهي احترام الرأي والرأي الآخر وإتباع الحوار الديمقراطي

وربط الفكر بالممارسة والقول بالعمل. الجبهة تعني لي الآلاف من الشهداء.. وفي مقدمتهم أبوعلي مصطفي الذين عبدوا طريق الحربة والآلاف من الأسرى والمعتقلين وفي المقدمة منهم أحمد سعدات الذين يتصدون لغطرسة العدو ويحملون مشاعل الحرية.

الجبهة تعني بالنسبة لي القائد الرمز والوطني بامتياز أبو أحمد فؤاد الذي يقود سفينة الجبهة الشعبية في هذه الظروف الصعبة.. مع رفيقه سعدات ورفاقه في القيادة.. هذا القائد الشجاع والصلب الوحدوي الذي لا يساوم ويشكل نموذجًا في العلاقة المميزة مع الجماهير ومع رفاقه إلى جانب كل ذلك إنني أرى الجبهة من خلال:

١الحكيم جورج حبش صاحب الرؤيا السياسية الثاقبة والتجربة الديمقراطية الرائدة والذي قدم نموذجًا فريدًا في المنطقة العربية والساحة الفلسطينية، حيث كان القائد الأول الذي يتخلى عن الأمانة العامة وهو لازال قادرًا على العطاء، وشكل نموذجًا في الصدق والعطاء، وهو الذي رفض اتباع العنف مع المنشقين عن الجبهة وأرسي قاعدة للحوار عنوانها الطلاق الديمقراطي، إذا اختلفت الآراء داخل الحزب، ولم يعد ممكنًا التوصل إلى حل، ورفض اللجوء إلى القوة، كما حصل مع بعض التنظيمات.

٢أبو علي مصطفي الأمين العام الثاني للجبهة بعد الحكيم، والذي لم يختلف اثنان على توليه هذا المنصب، وهذا ما كان في المؤتمر الوطني السادس. لقد مثل الرفيق أبو علي نموذجًا قياديًا مميزًا للقائد الصلب والشجاع، حيث تمتع بعزيمة كالفولاذ وشموخ كالجبال إلى جانب حسه العاطفي وحبه لأبناء شعبه، هذا القائد صاحب المواقف المبدئية الصلبة، وهو القائل عندما وطأت أقدامه تراب فلسطين بعد عودته للداخل (عدنا لنقاوم ولم نعد لنساوم)، ودفع حياته ثمنًا لهذه المواقف الشجاعة.

٣- أحمد سعدات الأمين العام الثالث للجبهة، وهو صاحب المقولة الشهيرة بعد اغتيال أبو علي مصطفي وعند انتخابه أمينًا عامًا ( العين بالعين والسن بالسن والدم بالدم)، هذا الرفيق الذي ما زال يقبع في سجون الاحتلال بعد اعتقاله من خلال مؤامرة دنيئة تواطأت فيها السلطة ورئيس مخابراتها مع العدو.

٤وديع حداد، صاحب شعار وراء العدو في كل مكان و ما أدخله من رعب في قلوب  الأعداء.

٥ غسان كنفاني ، عميد الأدب الفلسطيني المقاوم الكاتب والصحفي والروائي المبدع.

٦أبو ماهر اليماني ضمير الثورة القائد الجماهيري الذي رفض الامتيازات عندما كان عضوًا في اللجنة التنفيذية، وبقي ملتصقًا مع الجماهير ورفض مغادرة المخيم وحارب الفساد والاستسلام.

٧جيفارا غزة القائد الجبهاوي الذي سيطر على قطاع غزة ليلًا، كما قالت تصريحات قيادة العدو وأقام سلطة المقاومة في القطاع.

٨ - أبونضال المسلمي والذي قاد و باقتدار مع المرحوم أبو جهاد انتفاضة الحجارة.

٩تيسير قبعة والذي مثل نموذجًا في قيادة الدبلوماسية المقاومة أثناء عمله كنائب لرئيس المجلس الوطني الفلسطيني.

١٠صابر محي الدين القائد والمفكر الفلسطيني الصامت الذي قاتل بصمت ورحل بصمت.

١١صلاح صلاح، هذا القائد الذي قاوم ولازال رغم تجاوزه ال٨٥ عامًا، وهو يعمل بعزيمة يفتقر لها الشباب.

١٢- عمر قطيش هذا الرفيق الذي أمض حياته مناضلًا وبقي يعمل وهو يصارع  المرض حتى وفاته.

والجبهة تعني لي الرفيقات المناضلات ليلي خالد رسمية عودة وداد قمري أمينة دحبور مريم أبو دقة وسميرة صلاح وأول شهيدة للثورة الفلسطينية بعد عام 1967 شادية أبو غزالة، وتعني لي قيادة الجبهة القابضة على الجمر المتمسكة بالوحدة الوطنية والثوابت الوطنية الرافضة لنهج التسوية والاستسلام، كما أن الجبهة تعني بالنسبة لي ما تمثله من تيار جماهيري ينتشر في كافة أنحاء المعمورة، حيث أصبح من الصعب أن تجد مكانًا لا وجود للجبهة فيه، هذه هي الجبهة التي عرفتها وانتميت لها ولا زلت متمسكًا بهذا الانتماء افتخر واعتز به.

هذا خياري وهذه قناعاتي التي لم تتغير ولو خيرت الآن مرة أخرى لما اخترت أن أكون سوى عضوًا في هذه الجبهة، ولست نادمًا على ذلك. إن خياري هذا لا يعني عدم احترام خيار الآخرين، فهذا حق مقدس للجميع.

وأخيرًا: أقول أن الجبهة ليست كاملة الأوصاف، فهي تخطيء وتصيب، ومن يعمل يخطئ. هذه أسباب اختياري واستمرار تمسكي بالجبهة؛ أقولها بكل تواضع، وأرجو أن أكون على حق.