في المشهد التراجيكوميدي، ها قد بدأت ملامح الولد المدلل تتفتَّح, وقد أشرَعَ عينيه مجدداً خارج حليب الرضاع.
سوف يسيء الظن قارئٌ كثيرٌ، ليذهبَ الظنُّ إلى أن استعادة الزمن ومقولاته الرَّهيطية ضربٌ من ضروب العصبية القبلية, وهذا شائن الظن المُتداوَلُ اعتياداً حسماً لعناء الغوص في بحر المعنى، فلا أنا غزوتُ إن غزتْ، ولا عجنتُ إرادةً مسلوبة اللون والمعنى بسلاسل من نُحاس القبيلة، أو انتميت إلى عِرقِ ولون فجٍّ قطيعي, بل ربما هي فكرة تماهٍ قُصوى ليس إلا, قيمةٌ مُثلى، لا تُنازعها قيمةٌ مماثلة، مفادها الخُلاصي ألَّا يبيعَ الرضيعُ ثديَ أمه!
في لحظة وهنٍ، قد يظن الشاعر منّا بأن فخامة المفردات قادرةٌ في خضمِّ انحطاط المعنى على نيل التمني مما يتطلبه غبارُ قحط الزمن الآنيِّ, اللحظي دوراناً، كسَبْتٍ يمرُّ في قطار أسبوعه الأخير, أو يُظن بأن جوائز الفخامة الساميَّة الأممية الهادفة قادرةٌ على العبور فوق دم جثة الفلسطيني- الضحية - كل ضحية إنسانية هي ضحيةٌ فلسطينية- هكذا بتسليم وببساطة، وبلا نباهة القصد والمعنى, أو فخامة تشريح نصوص القانون الدولي وشرعات الحقوق الكاذبة.
في رسالة للآخر تَستنبط فحوى الذاكرة, ينأى سليم بركات, الشاعر- الشاعر عن كينونته الشعرية المُثلى، ليُحقق مبادرةً تقدمية رجعيةً باتجاه النوال الفج لتكريمٍ قادم من ليلةِ سبتٍ سرِّيةٍ عالمية, تُطيح بذاكرة مفرداته الصاخبة بطبول وبنادق حرب الثورة ضد ماكينة الدكتاتورية والاضطهاد الذي جلَّل نوافذ الكرد قبل العرب, وصبغ أيامهم بالكُحل الأسود, دونما ذنب سوى أنهم وجدوا كأية صخرة راسخة في بقعة أرضية ما، ثمة خيانات تحدث لمرة واحدة كي تؤدي دورها مرتين!
تلك انتباهة، وربما التفاتة فحسب، انتباهةُ الشاعر المكلوم التائه إلى سبر حفر المفردات العميقة التي تسعى للانضمام إلى جوقةٍ باهتةٍ عميقة بفعل مُرِّ العيش وظلامية الرغيف، وانحدار مركب الأخلاق إلى غاية لا يمكن إدراك عمقها القاعِيِّ, فتذهب بجريرتها ريحُ الشاعر النَّبيهِ مع ريحِ ثُلة الأغبياء، ومعهم رَكْبُ جرحى الحياة من أثر حديد القيد, علماً بأنه ليس في معصمه النحيل أي قيدٍ ولا أية سلسلة سوى فضة تلقَّاها كهديةٍ من دريئة الضحية!
نكبةُ الروح أدهى النكبات كافةً, واستعارة سوط الظالم أشد إيلاماً من يد الجلاد!
هو يُقرُّ بوفرة الماضي, ذاك الماضي الذي سدَّ طريق المجاعة عن دياميس أيامه, فعضَّ يداً امتدت إلى شباكه لتُقدم رغيفَ الخبر المُدمَّى بحكمة الشهداء وصراخ اليتامى وثكالة الأرامل إلى طاولة الجلاد؛ هو مطر غزير قادم لا شكَّ في قدومه, يبدأ من حرف المعنى الروحي ولا ينتهي بتزييف لحظة التاريخ, كما ولا ينتهي بموتٍ آسنٍ خارج الحلبة الشريفة.
كاشف سرُّ الصديق - إن كان سراً حقاً- يبحث في خُرج الحمار الاجتماعي عن خنجر يغرسه في معصم اليد التي مُدت بالرغيف, وأوقدت نار الشعرية في حطب الحياة اليومية البائسة، و صححت جوهر اللغة والمعنى طويلاً - هذا اعترافٌ له بفضل درويش، وهو موثقٌ من لدنه: " علمَني مهارة الاشتقاق"!
وهكذا إذاً تسير حافلة الشعر المربَكَة المثقوبة عجلاتُها، وتهتزُّ فصاحة اللغة المغمضة لعينها عنوةً, وتموت الاشتقاقات الجميلة كأميرة مغتصبة، كأن العمى ساد وتفشَّى في لُبِّ البصيرة ليُضحي ميزةً للمرحلة المقبلة!.
كأن الموت حياً صار من سمات الشاعر، ومن غاية الشعراء.
لا يختلف الأمر هنا عن أصحاب النياشين الكاذبة التي تذبح بيد وترفع جريدة البكاء على الأشقياء باليد الأخرى, - يا للفجيعة!- كما ولا يختلف عن دُعاة القانون الدولي الذين يذبحون الضحية هاتفين بأحقية حياتها !! كما لا يخرج عن جوقة زواحف التطبيع الذين يرتكزون في دوافعهم إلى كَمٍّ من الشتائم من أفراد بلا أسماء موساديين هامشيين مغمورين لا يميزهم أيُّ وَسْمٍ سوى الشماخ الأبيض العربي الأصيل كعنزةٍ شآمية..!
لا بُدَّ أن أزدري شاعراً يخون شاعريته.
أن أزدري شاعراً يجعل من خيانة سر الصديق مركباً لسطوع علنية اسمه عالمياً، كأن الأمر فضيحة تعرٍ جسدي في شارع خصصته الرأسمالية العالمية لخوض فنون الدعارة!
وأحتقر إنساناً مُجازاً من لُبِّ إنسانية كي يملأ جيبه نقوداً بعظم صانعه الماهر بعد فتح غطاء القبر, أو تلمع سحنته المرهقةُ بفلاش كاميرات المهرجانات، ليخون أول ما يخون حليبَ الذاكرة والمعنى المقتبسَ من الوجود وهالةَ المفردات.
لا يستطيع الشاعر الحقُّ- النبيُّ خيانةَ شيء مهما ضَؤلَ قوامه، أو يُماري فكرةَ أحد- أي أحد كان- الشاعر فقط ربما في حال ما قد يستطيع خيانةَ امرأة!
أجزمُ، سوف ترون عمَّا قريب مذبحةَ جوائز إبداعية, وسينال سكِّينُ سليم بركات كل حظوة وتقدير في المشهد التراجيدي المُظلم الظالم، الذي يبدأ غالباً في بلادنا بحُلَّةٍ كوميدية سوداءَ أو بيضاء.
لذا، فقد تم تأخير نشر المادة- الفضيحة- الصفراوية لسنوات, أو ربما – إن أعْمَلْتُ سوءَ طويتي- تكون قد كُتبتْ بحبر الآن، وتم تأريخها ماضياً لحرف التفكير بالتساوق مع اللحظة التطبيعية، كي تكتمل لوحة خيانة الطفل المدلل الذي يقفز على كتفي مُنجزهِ طيلة أيام نُموّه ثم يعض ثديَ أمه، هي ليست مؤامرة واعية تماماً، وإنما فتحة هوائية لاستقبال هواء اللحظة الآسنة من باب استكمال الصورة الوحشية المتوحشة، وسُنَّة النفط المقدس!.

