تواجه مصر تحديًا من نوع خاص، ربما كان الأكثر خطورة منذ الحملة الثلاثية التي شنتها: إنجلترا وفرنسا وإسرائيل، إبان حرب السويس العام 1956، فمن الغرب، ومع تفكك البناء السياسي في ليبيا، نشطت الجماعات الإسلامية، بشكل بات يهدد الداخل المصري، وهو ما تجلى في العديد من العمليات الإرهابية التي تطلبت جهدًا هائلًا لضبط خط الحدود الطويل، لكن التدخل التركي المباشر بدعم وتأييد حكومة الوفاق، ذات الطابع الإخواني، طرح متغيرًا جديدًا على طاولة الصراع الأيديولوجي، بكل ما يحمله ذلك من تهديد مباشر.
وفي الجنوب، واصلت إثيوبيا تعنتها فيما يتعلق بمشروع سد النهضة، حيث أخذ المسار التفاوضي، وقتًا طويلاً دون أن يفضي إلى نتائج مرضية للجانب المصري، وفي ظل تصريحات شبه عدائية من النظام الإثيوبي، بات واضحًا أن كلا المسارين يرتبطان بمؤثر استراتيجي واحد، ينطلق من رغبة مشتركة في التضييق على مصر، وخنق هامش المناورة السياسية، نحو ممارسة المزيد من الضغط.
المشروع التركي يستهدف أمن المنطقة:
مع المتغيرات الدولية التي صاحبت انهيار الاتحاد السوفييتي، حاولت تركيا كدولة وظيفية، إعادة توجيه سياساتها، من خلال الانضمام إلى الاتحاد الأوربي، وهو ما فشلت في تحقيقه في مرحلة ما قبل المد الإسلاموي، والذي تزامن مع الصعود التدريجي لحزب العدالة والتنمية، وظهور ما يعرف بالعثمانية الجديدة، في المجال التداولي للمفاهيم السياسية.
وعليه، كان المحيط الحيوي المباشر الذي استهدفته الاستراتيجية التركية، هو المنطقة العربية، حيث منح الترهل السياسي الذي أصاب الأنظمة الحاكمة فرصة ذهبية لأنقرة، التي مارست نوعاً من التدخل الناعم، من خلال الترويج للنموذج الثقافي التركي، الذي حمل في ثناياه دعاية ارتكزت على محورين: الأول تاريخي؛ سعى نحو احياء النزعة النيو-عثمانية، بتكريس نماذج من التاريخ العثماني، بوصفه لحظة ذهبية ينبغي استعادتها، والثاني سياسي؛ يقوم على دعم جماعة الإخوان المسلمين، كواجهة لنموذج إسلامي ليبرالي، جدير بقيادة وتوجيه الواقع السياسي المرتبك في المنطقة.
وعقب أحداث الربيع العربي، وفي ظل محاولات الإحياء العثماني، التي انتهجها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، تحولت الاستراتيجية التركية إلى التدخل الخشن، باجتياح الحدود السورية، واستباحة الأراضي العراقية، قبل أن يتم التحول النوعي الأكثر خطورة، بدفع القوات التركية نحو ليبيا، بالإضافة إلى تمرير المليشيا التابعة لأنقرة، ما وضع الأمن القومي المصري على المحك، في ظل تواصل التوجهات العدائية التي انتهجتها تركيا تجاه مصر، عقب سقوط حكم الإخوان العام 2013.
ألقت أنقرة بثقلها السياسي والعسكري خلف حكومة السراج في ليبيا، ما أسهم في إنقاذها من السقوط أمام الجيش الوطني الليبي، وفي مناورة سياسية مباغتة، سارع أردوغان إلى توقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق في طرابلس، ما كشف عن مغزى التحركات التركية الرامية إلى السيطرة على موارد الطاقة في المتوسط، كرد على فشل مشروع نقل الغاز الإسرائيلي إلى أوربا عبر تركيا، واستبداله بخط آخر، يجري من خلاله مد خط أنابيب الغاز من الآبار الإسرائيلية، إلى قبرص واليونان وإيطاليا، حيث أعلن أردوغان استنادًا إلى اتفاقه مع حكومة السراج، رفضه السماح لإسرائيل بتفعيل ذلك المشروع.
في المقابل، تعاملت مصر مع التهديد التركي بنوع من الحسم، باعتبارها القوة الإقليمية الوحيدة، القادرة على وقف التمدد التركي، فكانت المبادرة المصرية التي تضمنها إعلان القاهرة نقطة انطلاق، قبل أن يحدد خط الجفرة-سرت خطًا أحمر، رافقه تحرك ثلاثي مصري/يوناني/قبرصي، لترسيم الحدود البحرية وقطع الطريق على تركيا، ونجح التحرك اليوناني في تحجيم طموحات أردوغان، إثر توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع إيطاليا، قبل أن يضع اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان خطًا أحمر آخر، من شأنه القضاء على تطلعات تركيا وأطماعها في غاز المتوسط.
وتظل سيناريوهات الصراع في الملف الليبي مفتوحة على كافة الاحتمالات، وإن قلل مرور الوقت من احتمالات الصراع الخشن، وفرص المواجهة العسكرية بين مصر وتركيا، لكن المواجهة قد تتخذ أشكالاً أخرى، بتباين تحركات القوى الإقليمية ذات الصلة، ما يضع المنطقة على مرجل ساخن يوشك على الانفجار.
إثيوبيا تلعب دورًا وظيفيًا للضغط على مصر:
كان الهدف الحيوي للمشروع السياسي التركي، مد قدم خارج دوائر المحيط الجغرافي التقليدي، باستهداف شرق إفريقيا ومنابع النيل، في محاولة لتشكيل حزام سياسي، يمكن من خلاله تطويق مناطق النزاع المحتملة، على تخوم مناطق الصراع السياسي، وممارسة الضغط على مصر بورقة المياه.
وظفت تركيا المساعدات الإنسانية للتأثير على دول شرق إفريقيا، لتجاوز معطيات الجغرافيا السياسية، وعليه ظهرت أهمية إثيوبيا التي باتت تقع داخل دائرة المجال الحيوي لأنقرة، في منطقة جغرافية، يمكن من خلال السيطرة عليها تأمين مناطق النفوذ في الصومال، وازعاج مصر، إضافة إلى قربها من مناطق النزاع في اليمن، كما يمكن أن تُشكل رأس حربة نحو لييبا والساحل الإفريقي.
وكالة تيكا التركية لشئون الإغاثة تلعب أدوارًا وظيفية:
دشنت أنقرة مقرًا لوكالة التعاون والتنسيق المعروفة باسم، تيكا، في أديس أبابا، العام 2005، والتي باشرت دورها عبر تقديم جملة من المساعدات في شكل منح دراسية، ومراكز تعليمية وهيئات ثقافية، وخدمات طبية، ومنح وقروض ومعارض تجارية، نجحت من خلالها في السيطرة على النظام السياسي، وتوجيه دفة صانع القرار الإثيوبي، مع انفتاح السوق الإثيوبي أمام الشركات التركية، العاملة في قطاع الصناعة، والتي هيمنت على فرص العمل من خلال استثماراتها الهائلة في شتى القطاعات، حيث وصل حجم الاستثمارات الصناعية التركية في أثيوبيا قرابة الثلاثة مليارات دولار، كما وقعت تركيا اتفاقية عسكرية مع تركيا، احتكرت من خلالها تدريب وتسليح الجيش الإثيوبي.
ومع تطور المواجهة بين مصر وتركيا، لعبت أنقرة على ورقة المياه، بعدما تحولت إثيوبيا إلى منطقة نفوذ، يديرها السفير التركي لدى أديس أبابا، يابراق ألب، والذي ظهر برفقة منسق وكالة تيكا، في أكثر من مناسبة، وذلك منذ دشن وزير خارجية تركيا، أحمد داود أوغلو، جملة من المشاريع والاتفاقيات المتعلقة بسد النهضة، العام 2014، حيث أكد المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية، أنّ بلاده تتطلع إلى الاستفادة من الخبرات التركية في مجال الري والسدود، باعتبارها إحدى الدول الشريكة لبلاده في مشروع السد، كما تستهدف أنقرة زراعة واستصلاح أكثر من مليون فدان، إضافة إلى مشاريع توليد الطاقة الكهرومائية من السد، وهو ما صدقت عليه زيارة نائب وزير الخارجية، أحمد يلدز، إلى أديس أبابا، العام 2017، والتي وضعت الخطوط العريضة لاستراتيجية التعاون التركي/الإثيوبي، جرى التصديق عليها في مقر وكالة الأناضول، بالعاصمة الإثيوبية.
رافق تصاعد الخلاف بين تركيا ومصر، نشاط في زيارات المسئولين الأمنيين الأتراك، للعاصمة الإثيوبية، صاحبها ارتفاع وتيرة التشدد في مواقف أديس أبابا، فيما يتعلق بمفاوضات سد النهضة، وهو الأمر الذي بلغ ذروته بالانسحاب المفاجئ من مفاوضات واشنطن، وعليه يمكن رصد الدور التركي خلف كواليس التصعيد الإثيوبي في ملف سد النهضة، ما يعني اندماج مساري الصراع، وهو ما كشف عنه تعهد تركيا بحماية سد النهضة من أيّ هجوم محتمل، وصاحب ذلك مد الجيش الإثيوبي بأجهزة إنذار تركية متطورة.
وعليه بلغت المواجهة المصرية التركية ذروتها، مع تواصل تحركات القاهرة الرامية إلى مواجهة المساعي التركية التي تهدف إلى إعادة صياغة علاقات القوة في المنطقة، بوقفة حاسمة تجاه التحركات العسكرية التركية في المتوسط، مع عدم الانجرار خلف الاستفزازات الاثيوبية التي تهدف بإيعاز تركيا نحو توريط القاهرة في صراع عسكري يستنزفها، حيث لجأت الأخيرة إلى تدويل القضية، ما يمنحها في النهاية شرعية التدخل الخشن في حال تجاوزت إثيوبيا المسموح به في ملف المياه.

