Menu

الرئيس محمود عباس: كيف يفهم حدود الوطن والخيانة؟

اسحق أبو الوليد

خاص بوابة الهدف

إن ما أطلق عليه، اجتماع الأمناء العامين، هو في الواقع اجتماع للرئيس محمود عباس مع الأمناء العامين أو من يمثلهم؛ ألقى عليهم من خلاله رؤيته التي تناولت تحليل متكامل للتطورات السياسيه فلسطينياً وعربياً ، بصراحة معهودة وبوضوح لا لبس فيه، ورسم "حدود الوطن" في الأراضي المحتلة منذ عام 1967، وأوضح بتركيز أن جوهر القضية هو "النضال ضد الضم وتحرير أرض الدولة الفلسطينية من نير الاحتلال الإسرائيلي؛ من أجل أن يحل السلام العادل والشامل في هذه المنطقه وفي العالم"، وطالب المحتل المستعمر أن "يعاملنا بالمثل"، وبذل أقصى الجهد لتقديم نفسه كمدافع شرس عن "استقلالية" القرار الفلسطيني الذي انتهكته واغتصبته اتفاقيات أوسلو. كل هذا يتم في لحظة من مرحلة تتسم ب "الجمود السياسي" على الجبهة الفلسطينيه تسمح بالمناورة والتشدد على أمل التأثير ولو غير المباشر على الأحداث التي تجري بتسارع على الجبهات العربية المختلفة التي تشهد مشاركة صاخبة للعديد من الأنظمة العربية في التسوية التي بدأها السادات بزيارته لفلسطين المحتله عام ، 1977وثم انخرطت فيها منظمة التحرير والأردن الذين بدورهم أصبحوا أعضاء في نادي التسوية وإقامة العلاقات الكاملة مع كيان العدو، مما فتح أبواب هذه التسوية على مصراعيها للأنظمة النفطية الخليجية التي لم تنخرط في السابق لأسباب موضوعية، ولكل من يرغب في التوصل لاتفاقات مماثلة، بعد أن أسُقط "الفيتو الفلسطيني" كما قال رئيس وزراء العدو نتانياهو الذي يفضل في هذه اللحظة التاريخية لكيانه تأجيل "ضم" 33 في المئة من أرضنا المحتلة التي هي عمليًا في قبضته وتحت سيطرته، مقابل التوسع والتوغل في ملايين الكيلومترات من عمق الوطن العربي وعصب ثرواته، وبالتالي من "أوقف الضم" ، لا سلطه أوسلو ولا حكام الإمارات؛ لان كلاهما تابع للمركز الإمبريالي الصهيوني، بل التبدل في أولويات تمدد الاستراتيجية الصهيونيه التي ترعاها وتغذيها الإمبريالية العالميه وفي مقدمتها الإمبريالية الأمريكية.            

السيد محمود عباس الذي وفريقه لم يستطيعوا على مدار أكثر من ثلاثين عاماً ان يثبتوا "حقوق سياسية"، ما بالنا بالحقوق التاريخيه لشعبنا؛ أيستطيعون إلغاء وإفشال قرار بهذا الحجم، دون خوض أي معركة حقيقية وعلى الأرض وليس في دهاليز وكواليس الدبلوماسية الخادعة والوهمية؟

 يعترف في بداية كلمته أن "إسرائيل" ومن ورائها أمريكا "بقوا حتى هذه اللحظه يقولون لكم حقوق مدنية ودينية، وليس لكم حقوق سياسية"،  فما بالنا إذًا بالحقوق التاريخية التي هي جوهر الصراع؟ هذه المسلمه التي يقدمها "الرئيس" والتي تمثل حجر الزاوية والارتكاز في النضال الفلسطيني؛ تفرض طرح الأسئلة عليه، وعلى كل من شارك في جولات المفاوضات مع العدو: إذا العدو رفض المفاوضات والاعتراف بالحقوق السياسية، فعلى ماذا وعلى أي أساس تم الحوار؟ ولماذا ما كان مرفوضًا من شروط إسرائيلية من قبل "الوفد الرسمي" الذي ترأسه الدبلوماسي الراحل حيدر عبد الشافي، تم قبوله من القناة السرية، والتي كان أبو مازن أحد أهم المقررين فيها؟ ولماذا أيها المدافعين الأشاوس عن "الدولة" قبلتم بالبند الأول من أوسلو الذي ينص على أن "هدف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية ضمن إطار عملية السلام الشرق أوسطية هو إلى جانب أمور أخرى تشكيل سلطة فلسطينية انتقالية ذاتية"، ويضف نفس البند "ومن المفهوم أن المفاوضات حول الوضع النهائي ستؤول إلى تطبيق قراري مجلس الأمن 242 و 338" الذين هما الأساس الذي فرضوه الصهاينة والأمريكان للتفاوض، رغم أنهما أصلًا لا يمتان بصلة للقضية الفلسطينية، ولا يعترفان بوجود أية أراضي فلسطينية محتلة. ولماذا مارس فريق أوسلو الخداع والكذب على الشعب بالإدعاء بأنهم "عادوا لمناطق محررة"، وبأن "الدولة على مرمى حجر"، وبأن "اتفاقيات أوسلو تحتفظ بآليات تطوير السلطة إلى دولة مستقلة ذات سيادة" في الوقت الذي كانت تحتوي على بؤسها ورداءتها، ميكانزم تآكل ما لا يريده العدو منها؟ وأيضًا يؤكد الرئيس عباس في خطابه أن الأمريكان أبلغوه أن المطالبة "بدولهة هو خط أحمر ويضر بالمصالح الأمريكية في المنطقة"، وهذا في الحقيقة موقف أمريكي ثابت، ولم يتغير منذ عقود، أي منذ ما قبل بدا الاتصالات مع منظمة التحرير مع الطرف الفلسطيني، أي قبل المفاوضات بوقت بعيد، إنه ليس موقف مستجد من قبل إدارة ترامب، وهذا يعلم به "كبار المفاوضين المخضرمين"، أما طرحه لهذه الحقيقة الآن وما كشفة الحاضرين بها لا يعني تقديم معلومة سرية أو جديدة للشعب الذي بات يملك من المعلومات والمعرفة ما يفاجئ قياداته، إنه اضطر لقول الحقيقة؛ لأن الإعلام الأمريكي والإدارة الأمريكية والصهاينة وإعلامهم يرددونها في كل المناسبات تارة لإثارة "الشكوك والبلبلة" وتارة لإشهار إنجازاتهم، بهدف رفع السرية والسماح ببيع المعلومات للصحافة؛ في هذا السياق كشف رئيس الشاباك السابق المجرم كرمي غيلون بصفته ضابط استخبارات شارك في مفاوضات وترتيبات أوسلو، كما هو صرح بذلك، في مقابلة نشرتها وكالة سما الفلسطينيه بتاريخ 5 تموز من هذا العام، أنه "لم يتحدث أي شخص بمفاهيم السلام؛ السلام هو شيء ما قاموا ببيعه للجمهور، نوع من الأفيون، لأنهم داخل الغرق تحدثوا عن مصالح". ويضيف "إسرائيل خرجت من اتفاقيات أوسلو مع الاتفاقات الأمنية التي خدمتها جدًا ضد الإرهاب، كذلك اتفاقات اقتصادية، أما الفلسطينيون فقد خسروا؛ لأن الموضوع الفلسطيني لم يعد قضية العالم".. نعم، هكذا يرى العدو النتيجة والكل منا يدرك ويلمس حجم هذه النتيجة المدمرة.

واضح أن المتنفذين في قيادة اليمين الفلسطيني؛ فريق أوسلو وشريك الصهاينة في كل الاتفاقيات، يملكون من الذكاء والمعلومات ما يكفي لعدم تضليلهم، ونراهم يدافعون عن تواقيعهم ويبررونها بحماس وحجج تؤكد أن ما قاموا به بملء ومحض إرادتهم مع إدراكهم لمخاطرها ونتائجها المدمرة على الشعب والقضية، وهذا بحد ذاته مصيبة، أما من لا يعرف ويدعي أنه قد تم توريطه، يحاول ويعمل على التنصل عندما يرى النتائج مغايرة لما هو مفترض، أما استمرار الاصرار على التوغل والذهاب بعيدًا في مياه التسوية القذرة وأوحالها يستوجب المسائلة والمحاسبة والمحاكمة؛ بسبب وضع تاريخ، وأرض، وقضية، ومصير شعب بأكمله في مهب الريح، ولم يخول أو يوكل أحد بالتنازل عن حقوقه، وهدر وتبديد أعظم الانجازات والتفريط بالوطن الذي لا يعني أرض فقط، بل أرض وجو وبحر وحجر وبشر وتكوين تاريخي وأخلاقي ومعنوي التي بذل شعبنا من أجلها التضحيات بأغلى ما يملك؛ من دماء وأرواح وراحة بال ومدخرات.. إذًا يا سيادة الرئيس "الخيانة الوطنية وبيع القضية" ليس فقط التفريط ب 33 في المئة من أرض الضفة والقطاع التي تشكل 22 في المئة من أرض فلسطين، كما تقول في كلمتك، بل أيضًا هو بيع للقضية الأم وخيانة وطنية وقومية التنازل عن 78 في المئة من أرضنا التاريخية لعصابات استعمارية، جاءت بها الإمبريالية للسيطرة على الوطن العربي ونهب ثرواته، كما حدث ويحدث الآن. 

إن العدو الذي بطبيعة تكوينه الاستعماري الفاشي العنصري لا يتعامل مع "حلفائه وأصدقائه" أو مع اليد التي تمد إليه على أساس من الثقة والاحترام، بل ينظر لهؤلاء "كالبضاعة" التي لها مدة صالحه للاستعمال ويلقي بها في سلال القمامة؛ إذا قدًر أنها فاسدة أو غير مفيدة، وهنالك تخوفات يعبر عنها بين فتره وأخرى مسؤولين في سلطة أوسلو وقيادة حركة فتح؛ من محاولات خلق "قيادة بديلة" لديها الاستعداد للاستجابة والتعاطي مع ما هو مطروح "إسرائيليًا وأمريكيًا"، وهذا ما يفسر اصرار محمود عباس على ترديد عبارة أن "للعرب الحق أن يتعاملوا مع قضيتنا ولكن من خلالنا"، أي ليس من خلال أي طرف آخر. أما المنظمة ولأنها ما زالت تعترف "باسرائيل"، فإنها ما زالت في نظر العدو "بضاعة نافعة" كي يمتطيها فرسان المرحلة القادمة؛ سواء مع ترامب أو بدون ترامب، مما استوجب منه رفع وتيرة تصعيد لهجته في الخطاب، وحصر مسألة التخوين؛ بمن سيقبل بصفقة العصر فلسطينيًا، أما من يقبلها عربيًا و "يطبع" مع العدو فهو "منحرف" عن المسار؛ مسقطًا بذلك فعل الخيانة عن حكام دولة الإمارات وغيرها، وأن "مشاريع التطبيع يستخدمها الاحتلال كخنجر مسموم يطعن بها ظهر شعبنا وأمتنا"، أي سحب اتهامه السابق لحكام الإمارات بالخيانة، مرسلًا بإشارات الاعتذار، وإن بشكل غير مباشر لزملائه الخليجيين.

إن طرحه مواقف تقترب من "التطرف والجذرية"، إذا ما قرنت بنهجه، السياسي الاستسلامي الأصلي والتاريخي، تظهر "كتكتيك" هجومي يفيد المرحلة للملمة الصفوف الوطنية وليرضي بعض من لا زال يتململ داخل حركته، ولكنه أيضًا، لم يستطيع إخفاء تمسكه بنهج المفاوضات والتسوية التي وصلت منذ زمن إلى أدنى من الانحطاط، والذي لا يمكن له الخروج منه، مجددًا رهانه على الرباعية ومبادرة "السلام العربيه" التي أصلًا تخلى عنها الذين طرحوها؛ لأنها استنفذت وظيفتها وحققت مبتغاها في شق وتعبيد طريق علاقات الأنظمة العربية الرجعية بالكيان الصهيوني، وفي تنصلهم من استحقاقات دعم النضال الفلسطيني باشتراط دعم الفلسطينيين والعلاقة معهم، بقدر ابتعادهم عن قضيتهم وعن النضال من أجل تحرير وطنهم وعن معسكر المقاومه عربيًا وإقليميًا، ويصبح التخلي عن الكفاح المسلح في فلسطين المحتله، وخاصة في غزه، مطلب للأنظمة الرجعية، والتي تؤيد وتدعم الكيان الصهيوني في حربه على ما يسميه "بالإرهاب" الفلسطيني ضد "المدنيين"، مما يفرض على القوى الفلسطينية جميعها عدم المساومة على المقاومه وقواتها المسلحة في غزه تحت شعار: "سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح شرعي واحد"؛ لأنها درة عين الفلسطيني أينما وجد.       

إن تخلي الحكام العرب المتآمرين الذين طرحوا العديد من "المبادرات"، لحل المشكلة الفلسطينية و "أزمة الشرق الأوسط" عن مبادراتهم هو لأنهم كانوا يقدمونها، بهدف الترويض التدريجي للموقف الفلسطيني  واستعمالها كخشبة خلاص لنظرائهم من أصحاب التسوية في الساحة الفلسطينية، الذين هم أيضًا بدورهم تخلوا عن برنامجهم السياسي التحرري، وتم حذف البنود الأساسية منه، وكذلك عن الميثاق الوطني لمنظمة التحرير الذى ربط بين البعدين الوطني والقومي، وليس في ذلك أي استهجان أو استغراب؛ لأن كل هذه الخطوات تتماشى مع متطلبات المشروع الإمبريالي الصهيوني لإحكام السيطرة على الوطن العربي والإقليم، مما يفرض على كل القوى السياسية والحركات الشعبية وكافة المؤسسات الوطنية والأفراد مقاطعة التطبيع والمطبعين وعدم التعاطى مع الاتفاقيات التي وقعتها الأنظمة العربية، بما فيها منظمة التحرير مع العدو الصهيوني أو التي سيتم توقيعها في المستقبل، على طريق إسقاطها وإسقاط القائمين عليها.