Menu

تقدير موقف..

مواجهة كورونا في قطاع غزة: استمرار الإغلاق أم التعايش؟

أحمد الطناني

خاص بوابة الهدف

بتاريخ 24/8/2020م وبعد 7 شهور من انتشار المرض عالمياً وتحوله لجائحة، أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة اكتشاف حالات مصابة بفيروس كوفيد-19 المتعارف عليه بـ"كورونا" من داخل المجتمع، لتتخذ بعدها مجموعة من الإجراءات من قبل الجهاز الحكومي بقطاع غزة، شمل اغلاق القطاع وإعلان حظر التجول لمدة 48 ساعة لحصر بؤر انتشار المرض والوصول للـ"الخريطة الوبائية" إضافة لفصل محافظات القطاع عن بعضها البعض ومنع التنقل فيما بينها[1]، هذه الإجراءات استمرت واخذت بالتصاعد مع تزايد اكتشاف الإصابات داخل المجتمع، وصولاً لتقسيم المناطق الجغرافية داخل المحافظة الواحدة، ومحاصرة المناطق التي صُنفت كبؤر وحجر المخالطين، وصولاً لتصنيف محافظتي الشمال وغزة كمحافظات موبوءة، والبدء بسلسلة من خطوات تخفيف الإجراءات في باقي المحافظات، وصلت لحد التخفيف والسماح بالحركة لكل محافظات القطاع بما فيها بعض مناطق محافظة غزة، والإبقاء على اغلاق محافظة الشمال والبعض الآخر من محافظة غزة[2]، مما طرح تساؤل هل تذهب غزة لخيار "التعايش مع فايروس كورونا" وهذه الإجراءات هي المقدمة. ان التوجه لخيار التعايش مع كورونا بدون الاخذ بعين الاعتبار الإمكانيات المتوفرة لدى وزارة الصحة في قطاع غزة من اسرة العناية المركزة، وأجهزة التنفس الاصطناعي مقارنة مع عدد المواطنين الذين يعانون من امراض مزمنة وامراض الجهاز التنفسي ومرضى الأورام، إضافة لكبار السن وضعيفي المناعة، والذين يحتاجون إلى رعاية طبية مكثفة، إضافة للعادات الاجتماعية التي تشكل التجمعات والزيارات والتخالط بنسب كبيرة جزءاً أساسي منها، هو حكم بالذهاب إلى التفشي الواسع للمرض، وانهيار النظام الصحي وعدم قدرته على التعامل مع الحالات بالقطاع.

وكيل وزارة الصحة، الدكتور يوسف أبو الريش اعلن أن وزارته تعاملت مع الأزمة وفق 4 مراحل، اولها كان الاستعداد ورفع الجهوزية وتأخير وصول الفيروس للقطاع، فيما كانت المرحلة الثانية التدخل الصارم لتشخيص الواقع، والمرحلة الثالثة تمثلت في الاستجابة، والمرحلة الرابعة كانت التحضير للتعايش والتعافي والخروج من الأزمة، مضيفاً أن الوزارة ستعمل خلال المرحلة الحالية على تخفيف الاجراءات في المناطق التي تم حصر الوباء فيها من خلال فتح العديد من الخدمات الضرورية للمواطنين والتي تتمثل في العيادات الخاصة والمختبرات وغيرها مع التزامها بإجراءات الوقاية والسلامة.[3]

فيما بدأت الحكومة بالإعلان عن قرارات التخفيف من القيود في الحركة في اغلب مناطق القطاع مع الدعوة للالتزام بإجراءات الوقاية والسلامة، واهمها التباعد الاجتماعي ولبس الكمامات.

ان الرهان على التزام الجمهور في المجتمع الغزي بإجراءات الوقاية يجب ان يأخذ بعين الاعتبار العادات الاجتماعية والتي تشكل جزء أساسي منها المناسبات الجماعية والاختلاط المباشر والزيارات المتبادلة بين الأسر، ويجب ان يتوقف مطولاً امام اعداد الإصابات وحجم المخالطين في فترات الإغلاق التام والتي وصلت عدد الحالات النشطة بفايروس كورونا داخل القطاع حتى اعداد هذه الورقة إلى 1228 إصابة، وبلغ عدد الخالطين لهذه الإصابات 11765 بمتوسط تقريبي 10 مخالطين للمصاب الواحد[4]، وهو ما يعني ان هذا الرقم سيتضاعف مع توسع دائرة التخفيف في الإجراءات والقيود المفروضة على الحركة والتنقل وهو ما يأخذنا لبعد آخر، وهو مدى جاهزية القطاع للتعامل مع التفشي الواسع للعدوى والبدء بإجراءات التعايش الفعلي مع وجود المرض، والعودة لممارسة الحياة الطبيعية مع إجراءات وتوصيات محددة تتعلق بالسلامة والوقاية واستمرار اغلاق بعض منشآت التجمعات، والتعامل مع الإصابات على قاعدة الحجر المنزلي للإصابة طالماً لا مهدد مباشر على حياة المريض ولا تحتاج إلى عناية طبية مكثفة، على غرار ما طُبق في دول كثيرة بالعالم.

  • طالع جدول يوضح معدل المخالطين للمصابين بكل القطاع، يليه رسم منحى عدد الإصابات المكتشفة يومياً

ان الذهاب لهذا الخيار مع الاخذ بعين الاعتبار العادات الاجتماعية في القطاع، وحجم الكثافة السكانية اذن تبلغ نسبتها بالقطاع  5,453 فرداً /كم2[5]، وهي نسبة مهولة تضع إمكانية التباعد الاجتماعي الحقيقي في ظل تخفيف القيود الاجبارية في موضع التشكيك، مع ملاحظة نسبة المخالطين في وضع الاغلاق وتقدير زيادة هذه النسبة في وضع الانفتاح، يأخذنا لنتيجة اننا سنكون امام معدلات واسعة من الإصابة وهو ما يعني المخاطرة بإصابة ما يقارب 150 ألف مواطن موزعين ما بين كبار للسن، وذوي الامراض المزمنة وامراض الجهاز التنفسي وامراض الأورام، والذين يشكل الإصابة بفايروس كورونا مهدد حقيقي على حياتهم يستدعي متابعة طبية حثيثة تستوجب في غالبها شغل سرير للعناية المركزة مع إمكانية كبيرة للحاجة لجهاز تنفس اصناعي، فهل تسمح إمكانيات وزارة الصحة في قطاع غزة بالتعامل مع هذا الواقع؟

ما تمتلكه وزارة الصحة في غزة من أجهزة تنفس الاصطناعي إضافة للأجهزة الموجودة لدى المستشفيات الخاصة والأهلية والخدمات العسكرية مع ما متوقع وصوله من منظمة الصحة العالمية لن يتجاوز 120 جهاز تنفس اصطناعي (إحصاء غير رسمي)، بينما القدرة السريرية بعد استنفاذ كل إمكانيات المذكورين سلفاً هي 400 سرير منها 100 سرير للعناية المركزة و300 سرير للحالات المنومة في مستشفى الأوبئة (غزة الأوروبي)[6]، وهو ما يعني ان الطاقة الاستبعابية القصوى للحالات التي تتطلب رعاية صحية لا يمكن ان تتخطى الـ400 حالة تحت المتابعة الصحية المكثفة وفقط 120 من الممكن ان يستفيدوا من أجهزة التنفس الاصطناعي، أي ان هذا النظام الصحي الهش معرض للانهيار في حال توسع موجة انتشار المرض في صفوف الجمهور والبدء بإصابة هذه الشرائح المعرضة للخطر الحقيقي، ان هذه الحالة ستضع الوزارة والمجتمع امام معضلة أخلاقية تتمثل باختيار من يعيش ومن يُترك لمواجهة مصيره، وهو ما يعني اعداد كبيرة من حالات الوفاة، وازمات كبيرة ستنتج بسبب خضوع الامر للاختيار فيمن يستفيد او لا يستفيد من هذه الموارد المحدودة.

ان الدفع الأساسي في العجلة بالذهاب لخيار التعايش يستند إلى ضرورة اقتصادية مرتبطة بحاجات الناس والأزمات الناتجة عن الاغلاق والشرائح المتضررة بشكل خاص عمال المياومة وموظفي العقود وأصحاب المشاريع الصغيرة والمنشآت السياحية، إن هذه الشرائح وغيرها يمكن دعم صمودها في حال استمرار الاغلاق الشامل باللجوء إلى عدالة توزيع حقيقية تقوم على تسخير كل الموارد والتبرعات الموجودة التي وصلت لحكومة غزة، إضافة لوقوف السلطة امام التزاماتها تجاه القطاع بشكل حقيقي وملموس، وانتزاع مساهمات حقيقية ومؤثرة من القطاع الخاص، وإخضاع المساعدات المتوفرة لدى مؤسسات المجتمع الأهلي بالقطاع والمؤسسات الدولية ووزارة التنمية الاجتماعية لقاعدة بيانات موحدة، كل هذا يوضع تحت مسؤولية واشراف لجنة وطنية عليا، تضع معايير واضحة تضمن الاستفادة الأمثل من هذه الموارد للوصول لأوسع شريحة ممكنة من المتضررين، مما يسهم في دعم صمودهم وتعزيز قدرتهم على الالتزام.

كما من المهم الإشارة انه ليس بالضرورة ان نكون محصورين بين خيارين الاغلاق الشامل، او التعايش الشامل، بل يمكن التفكير بحلول خلاقة اكثر واكثر ديناميكية واقل مخاطرة، بحيث يمكن ان يتم الفتح الجزئي مع تحديد الشرائح المسموح لها بالحركة لتلبية الاحتياجات، بحيث يحظر على كل الكبار في السن، وذوي الامراض المزمنة والاورام وامراض الجهاز التنفسي التحرك لأي سبب كان، والزامهم بعدم الاختلاط حفاظاً على حياتهم، مع فتح جزئي مدروس للمنشآت الأساسية واستمرار الدفع بتعزيز الخدمات الالكترونية وخدمات التوصيل المنزلي، وتوفير طواقم متطوعين لتلبية الاحتياجات للمسنين وذوي الامراض المزمنة الذين لا يوجد عندهم من يلبي هذه الاحتياجات، مما يسهم في تقليل حركتهم او ايقافها نهائياً والتزامهم بالحجر المنزلي للوقاية من الإصابة.

ان التفكير المتسرع في الذهاب لخيار التعايش على اعتباره الخيار الأقل تكلفة "حالياً" على الجهات الحكومية سيكون له ثمن أكبر بأضعاف مستقبلاً مع الاخذ بعين الاعتبار تجارب الدول الأخرى وليس بعيداً عنا تجربة الكيان الصهيوني الذي اختار التعايش وها هي معدلات الإصابة الكبيرة وحالات الوفاة مازالت مرتفعة، مع انه يتوفر لديه نظام صحي متقدم وعدد كافي من أجهزة التنفس الاصطناعي (تمتلك دولة الاحتلال 5372 جهاز تنفس اصطناعي) وعقدت صفقات لشراء 15 ألف جهاز آخر (وصل منهم للكيان حتى الان 707 أجهزة)[7] إلا انها حتى الان تعاني من موجات متكررة من العدوى تضطر معها إلى الاغلاقات المتكررة لعدد من المدن والمنشآت والمدارس بسبب اكتشاف بؤر جديدة للعدوى، أي ان هذا الخيار سيحملنا تكلفة، لا نظامنا الصحي ولا الوعي المجتمعي، ولا طبيعة الكثافة السكانية بالقطاع تستطيع السيطرة عليه او تحمل تبعاته، وان تبعات استمرار الاغلاق الشامل، وتتبع كل بؤر المرض لمدة زمنية معقولة (نماذج قليلة بالعالم التي لم يكلفها الانفتاح انتشار واسع وغير مسيطر عليه للمرض ويكاد يكون محصوراً بكوريا الجنوبية فقط، بينما نجحت الصين في القضاء عليه نهائيا عبر الاغلاق الشامل والتتبع المكثف للحالات والمخالطين) ومن ثم الانتقال التدريجي للانفتاح المشروط مع الزام الشرائح المهددة بعدم الحركة، وفرض غرامات وعقوبات قانونية بحق الغير ملتزمين بشروط السلامة والوقاية، واخذ الوقت اللازم للتوعية الكافية لكل شرائح المجتمع، مع ضمان وصول كل أدوات الوقاية لكل منزل بالقطاع (كمامات، معقمات) يمكن ان يكون خيار اكثر عقلانية وأقل تكلفة بشرية.

 


[1] المؤتمر الصحفي الأول لمركز الاعلام والمعلومات الحكومي بغزة، 24-8-2020م

[2] بتصرف عن تصريحات متتالية للناطق باسم وزارة الداخلية بقطاع غزة اياد البزم حول الإجراءات الجديدة للوزارة وقراراتها.

[3] لقاء وكيل وزارة الصحة يوسف أبو الريش مع الصحفيين، 8-9-2020م، https://bit.ly/2RamQG7

[4] التقرير اليومي لفايروس كورونا الصادر عن وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، 9-9-2020م، تابع الجدول المدرج.

[5] تقرير الجهاز المركزي للإحصاء حول أوضاع السكان في فلسطين، 11-7-2019م، https://bit.ly/33iGQvQ

[6] تصريح لمدير عام المستشفيات بوزارة الصحة عبد السلام صبّاح، 9-4-2020، موقع فلسطين الآن https://paltimesps.ps/p/258111

[7] إسرائيل في سباق للحصول على أجهزة التنفس الاصطناعي، صحيفة يسرائيل هيوم العبرية 16-6-2020م، https://bit.ly/2Zm4NBx