الوطن هو الإطار الجامع لكل من يعيش في إطاره الجغرافي الذي حدد بشكل طوعي؛ عبر تطور المصالح المشتركة للمجموعات البشرية في السياق التاريخي وهذه المجموعات أطلق عليها مصطلح الشعب.
وفي سياق التطور التاريخي كان هنالك ضرورة ملحة لسن مجموعة من القوانين؛ من أجل تنظيم العلاقات الانسانية لتعبر عن مصالح الفئات المختلفة من الشعب، حيث اختلفت هذه القوانين باختلاف نمط علاقة قوى الإنتاج مع تطور وسائل الإنتاج الذي فرض ضرورة التغيير الدائم في القوانين الاجتماعية التي تنظم العلاقة بين المنتجين وأصحاب رأس المال.
في البدايات كانت العلاقات تنظم عن طريق قائد القبيلة أو قادة مجموع القبائل، ومن ثم أصبحت تنظم عن طريق الأمير الاقطاعي، ومن بعدها تطور الأمر عبر الملك الذي يدير عدة اقطاعيات أو الإمبراطور الذي يدير عدة ممالك أو إمارات وكانوا دائمًا يحتاجون لعون رجال الدين من أجل فرض سلطتهم.
ومع تطور علاقات الإنتاج تطلب سن قوانين تنظم علاقات قوى الإنتاج مع أصحاب العمل الذين تصادمت مصالحهم مع المنظومة القانونية التي تستند لتحالف رجال الدين مع الإقطاع، وهنا حدثت أول قفزة في القوانين المدنية وضرورة فصلها عن المفاهيم الدينية. وأصبحت الحاجة لمجالس تعبر عن مصالح الفئات الاجتماعية التي تشكلت عبر تطور علاقات الإنتاج وظهور فئات اجتماعية جديدة حرفية تحمل ثقافة فرضتها العلاقات الاقتصادية الجديدة، حيث فرضت ضرورة لسماع صوتها؛ من أجل الحفاظ على تماسك المجتمع وعدم حدوث ما يمكن أن يفتته، كون عامل الاستقرار يعتبر هامًا؛ من أجل الحفاظ على تطور علاقات الإنتاج.
خلال الصراع تشكل وعي عام بضرورة تشكيل مجلس للشعب، هذا المجلس وظيفته التعبير عن مصالح الفئات الشعبية بكل فئاتها، وكان أعضاء مجلس الشعب هم ممثلين عن الشعب، وليسوا موظفين أو جزءًا من النظام البيروقراطي للسلطة، ولكي يتحقق دور مجلس الشعب في تطوير القوانين المدنية؛ على اعضاءه أن يكونوا مستقلين تمامًا عن السلطة التنفيذية ويعبروا عن مصالح فئاتهم الاجتماعية، وشرط تحقيق هذا الهدف يكمن في ضرورة استمرار النائب في نشاطه العملي اليومي في وسطه الاجتماعي، لكي يستمر في معرفة ظروف عملهم ومشكلاتهم. أي أن العامل يجب أن يبقى عاملًا والمهندس عليه أن يستمر في عمله والطبيب والمدرس... الخ، بمعنى الاستمرار في عملية الإنتاج الاجتماعي التي تشكل شرطًا للتطور الذاتي والمجتمعي، لكي يتحول النواب لفئة تعتمد في معيشتها على ما تقدمه لها السلطة التنفيذية، وبهذا تكون قد أصبحت جزءًا من جهازها البيروقراطي، وهذا سيدع النواب تحت رحمتهم وخاضعين لشروطهم ويضبطون دورهم في ما لا يحقق مصالح الشعب ولا يغضب قادة الجهاز التنفيذي ويصبحوا أسرى لهذه الازدواجية، وفي هذا السياق تفسر المواقف العرجاء لأكثرية النواب التي تتراوح بين الانغماس التام مع مصالح السلطة التنفيذية التي تتنكر لمصالح الشعب، وبين بعض المواقف الانتهازية المغلفة بمواقف شعبية، لكنها في الجوهر هي مواقف تضر بالمصالح الشعبية. مع استمرار هذه الحالة تصبح السلطة التنفيذية هي المتحكمة في السلطة التشريعية، ويصبح دور النائب هو تجميل قرارات السلطة التنفيذية، وفي كثير من الأحيان مُنظر لها.
النواب هم ممثلين للشعب وفئاته التي ينتخبون منها وهم ليسوا موظفين للسلطة التنفيذية، والأساس هو أن لا يأخذوا رواتب من السلطة التنفيذية، كون عملهم هو عمل طوعي واعي لخدمة عموم الشعب، وإذا كان عملهم مقابل أجر من السلطة التنفيذية، فسيكون لديوان الخدمة المدنية رأيًا في توظيفهم؛ من حيث خضوعهم لامتحان الكفاءة المهنية، وتتحول النيابة لمهنة لها شروطها وهي الخضوع للسلطة التنفيذية وفروعها.
النواب هم ممثلون الشعب وعملهم عمل طوعي كما مجالس النقابات المهنية، ويجب أن يخضعوا للرقابة الدائمة في سلوكهم ومداخيلهم، لكي لا يخضعوا للابتزاز من مراكز القوى المالية.
النائب يجب أن يحسم موقفه بشكل دائم لمصلحة الفئات الشعبية التي يعبر عنها، ويجب أن يحمل رؤية شاملة تتعاطى مع المعضلات السياسية والقانونية والاقتصادية ويملك الشجاعة المعرفية لمراقبة أداء الهيئات التنفيذية.

