Menu
حضارة

في مفهوم التنوير 

خاص بوابة الهدف

التنوير معركة فكرية مفتوحة لتحرير الفكر العربي من الخرافات والأساطير.

إن مصطلح التنوير يعود إلى القرن الثامن عشر، ولكي نفهمه، ينبغي أن نقارن الأنوار/ بالظلمات، أو الواضح/ بالغامض، ولكن المصطلح يحتوي أيضا على معنى أخلاقي ومعرفي من خلال الاحتكام إلى العقل والمعرفة العلمية، فالتنوير هو رديف العقل والمعرفة العلمية، وهو نقيض التخلف والأساطير والخرافات الدينية.

إن الغاية من وراء تناولنا لمفهوم التنوير، تتحدد في حاجة أحزاب وفصائل الحركات الوطنية التقدمية العربية إلى تعميق الوضوح المعرفي العلماني الديمقراطي الثوري، لمفهوم التنوير وما يحمله من مضامين تدعو الى العقلانية والمواطنة والديمقراطية ونبذ العنف الطائفي وغيره، بما يحقق اسهامنا في مجابهة مظاهر التخلف الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، بكل أبعادها المادية والفكرية التي تنتشر اليوم في بلادنا بصورة غير مسبوقة، في مشهد الظلام الراهن الذي وجد فيه التحالف الإمبريالي الصهيوني فرصة لتكريس احتجاز تطور مجتمعاتنا العربية عبر تراث ماضوي وعلاقات اقتصادية متخلفة تتطابق عبر تبعيتها مع النظام الرأسمالي العالمي.

وهنا بالضبط تتجلى مهمة اليسار العربي في إطار نضاله التحرري الديمقراطي من أجل استبدال وتجاوز المنطق الموروث وسلبياته المعرفية، بمنطق العقل والمعرفة العلمانية والتنوير، من خلال وعينا، أن الوصول إلى الحقيقة يتطلب إزالة العوائق التي تعترض التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، متسلحين بمفاهيم التنوير والحداثة والعلمانية والديمقراطية كطريق وحيد صوب التغيير وتفعيل النضال السياسي التحرري الكفاحي والاجتماعي من قلب الصراع الطبقي لإزاحة وإسقاط أنظمة الاستبداد والتخلف وتحقيق أهداف الثورة الوطنية الديمقراطية.

أبرز عناصر النهضة والتنوير في أوروبا بين القرن السابع عشر والتاسع عشر:

 لم تكن ولادة عصر النهضة (في القرن 15) عملية سهلة في المكان أو الزمان، ولم تتم أو تظهر معالمها دفعة واحدة، أو اتخذت شكل القطع منذ اللحظة الأولى؛ إذ أن هذا الانقطاع لم يأخذ أبعاده في الانفصام التاريخي، إلاَ بعد أربع قرون من المعاناة وتحولات ثورية في الاقتصاد والتجارة والزراعة والمدن كانت بمثابة التجسيد لفكر النهضة والإصلاح الديني والتنوير من جهة، والتلاحم مع هذه المنظومة الفكرية الجديدة من جهة أخرى. 

ففي هذه المرحلة الانتقالية، نلاحظ تطوراً ونمواً للمدن وظهور التجار والصناعيين وأصحاب البنوك، والاكتشافات التكنيكية والمغازل الآلية – دواليب المياه – الأفران العالية والبارود والطباعة في أواسط القرن الخامس عشر. فيما بعد تم إحراز نجاحات أخرى عززت تطور أسلوب الإنتاج الرأسمالي ضمن محورين أساسيين:

1.  الكشوفات الجغرافية مع نهاية القرن الخامس عشر وبداية السادس عشر.

2.  ترافق كل ذلك مع تغيرات ثقافية وفكرية رحبة كسرت الجمود الفكري اللاهوتي السائد، وأدت إلى - تهاوي استبداد الكنيسة في عقول الناس -.
أما المراحل التاريخية لعصر النهضة، فقد كانت البدايات الأولى مع ميكافيلي (1469-1527) وهو من أوائل المنظرين السياسيين البرجوازيين، حاول في مؤلفاته البرهنة على أن البواعث المحركة لنشاط البشر هي الأنانية والمصلحة المادية، وأكد أن السمة الفردية والمصلحة هما أساس الطبيعة الإنسانية؛ ومن جانب آخر فقد رأى أن القوة هي أساس الحق.

ثم نيقولا كوبرنيكس ( 1473 _ 1532 م)، حيث ساهم هذا المفكر في تحطيم الأيديولوجية اللاهوتية القائمة على القول بمركزية الأرض في الكون، وجوردانو برونو ( 1548 _ 1600 م ) الذي آمن بـ -لا نهائية- المكان أو لانهائية الطبيعة، ورفض مركزية الشمس في الكون مؤكداً على أن لا وجود لهذا المركز، إلا كمركز نسبي فقط -فشمسنا ليست النجم الوحيد الذي له أقمار تدور حوله-. لقد حطم برونو التصورات القديمة عن العالم المخلوق ليجعل الكون ممتداً إلى ما لا نهاية وهو القائل بأن: الكلمة الأخيرة في كل مجال من مجالات المعرفة تكمن في العقل وحده.
وفي ضوء هذا التطور الذي أصاب كل مناحي الحياة في عصر النهضة، رفع فلاسفة هذا العصر، شعار -العلم- من أجل تدعيم سيطرة الإنسان على الطبيعة وأصبحت التجربة هي الصيغة الأساسية للاختراعات والأبحاث العلمية التطبيقية في هذا العصر الذي برز فيه عدد من الفلاسفة أهمهم:

فرنسيس بيكون ( 1561 _ 1626م ): الانجليزي -أول من حاول إقامة منهج علمي جديد يرتكز إلى الفهم المادي للطبيعة وظواهرها-؛ وهو مؤسس المادية الجديدة والعلم التجريبي وواضع أسس الاستقراء العلمي. ورينيه ديكارت ( 1596 _ 1650م ): الفيلسوف الفرنسي وعالم رياضيات وفيزيائي وعالم فسيولوجيا، كان -ديكارت- في مبحث المعرفة مؤسس المذهب العقلاني، هذا المذهب الذي يرتكز عنده على مبدأ الشك المنهجي أو الشك العقلي -الشك الذي يرمي إلى تحرير العقل من المسبقات وسائر السلطات المرجعية-. وتوماس هوبز ( 1588 _ 1679م ) الذي رفض في مذهبه في القانون والدولة نظريات الأصل الإلهي للمجتمع . وجوتفريد فيلهلم لايبنتز (1646 – 1716م ): وصل من خلال اللاهوت - Theology - الذي أكد على مبدأ الترابط المحكم (الشامل والمطلق) بين المادة والحركة. وباروخ سبينوزا (1632– 1677م ) الهولندي.. وقد أكد على أن الفلسفة يجب أن تعزز سيطرة الإنسان على الطبيعة.. دحض سبينوزا افتراءات رجال الدين اليهود عن -قدم التوراة- وأصلها الإلهي.. فهي، أي -التوراة- كما يقول ليست وحياً إلهياً بل مجموعة من الكتب وضعها أناس مثلنا وهي تتلاءم مع المستوى الأخلاقي للعصر الذي وضعت فيه. وجون لــوك ( 1632– 1704م ): من كبار فلاسفة المادية الإنجليزية، رفض وجود أية أفكار نظرية في الذهن.. أي أنه أشار بطريقة غير مباشرة إلى أنه لا وجود لفلسفة إلاَ فلسفة البصيرة المستندة إلى الحواس السليمة.

وأخيراً التنويـــر الفرنسي والفلسفة، ومن أبرز الفلاسفة: شارل مونتسكيو (1689-1755): صاحب كتاب -روح القوانين- يرى أن الضمانة الأساسية للحرية في المؤسسات الدستورية التي تحد من العسف وتكبحه. وفرانسوا فولتير ( 1694– 1778م ) الذي عاش كل حياته مناضلاً ضد الكنيسة والتعصب الديني وضد الأنظمة الملكية وطغيانها. وجان جاك روسو ( 1712 – 1778) الذي ناضل ليس فقط ضد السلطة الإقطاعية، بل كان مستوعباً لتناقضات المجتمع الفرنسي، ففي كتابه -العقد الاجتماعي- يحاول روسو البرهنة على أن الوسيلة الوحيدة لتصحيح التفاوت الاجتماعي هي في ضمان الحرية والمساواة المطلقة أمام القانون. وديني ديدرو ( 1713 - 1784): وهو من أبرز وجوه الماديين الفرنسيين على الإطلاق.. ينطلق في أفكاره من القول بأزلية الطبيعة وخلودها وقف ضد التفسير المثالي اللاهوتي للتاريخ الإنساني ليؤكد أن العقل الإنساني وتقدم العلم والثقافة هي القوة المحركة لتاريخ البشرية.

أما الفلسفة الألمانية، فقد برز فيها: عمانويل كانت ( 1724 - 1804): الذي عارض مزاعم الإقطاع الألماني في أن الشعب لم ينضج بعد للحرية؛ مبيناً أن التسليم بصحة هذا المبدأ يعني أن الحرية لن تأتي في يوم من الأيام، ومن مآثر كانط قوله: إن الحرية المدنية هي حق الفرد في عدم الامتثال إلاَ للقوانين التي وافق عليها مسبقاً واعترف بمساواة جميع المواطنين أمام القانون.

جورج ويلهلم فريدريك هيجل (1770 - 1831 ): تكمن مأثرته التاريخية العظيمة في أنه كان أول من نظر إلى العالم الطبيعي والتاريخي والروحي بوصفه عملية؛ أي في حركة دائمة وفي تغير وتطور. لقد صاغت فلسفة -هيجل- بشكل منظم النظرة -الديالكيتكية- إلى العالم، وكانت مصدراً رئيسياً من مصادر فلسفة ماركس، التي تطورت وتجددت مقولاتها الفكرية والاقتصادية ما بعد ماركس وانجلز و لينين ، على يد العديد من المفكرين أمثال تروتسكي وبخارين وماوتسي تونج و ليوتشاوتشي ومدرسة فرنكفورت خاصة أدورنو وهوركهايمر وهربرت ماركيوزا... ثم تطورت وتجددت بعض أفكارها على يد المفكر الشيوعي المناضل أنطونيو جرامشي، وامتد مسار تطور الماركسية على يد الفيلسوف الفرنسي ألتوسير، كما نلاحظ بعض الشذرات الماركسية لدى الفيلسوف التفكيكي ميشيل فوكو، وكذلك الأمر لدى الفيلسوف جيل دولوز، وفي ألمانيا برز الفيلسوف الماركسي هابرماس (الذي مازال حياً) وفي فرنسا برز الفيلسوف جورج لابيكا... أما في بلداننا العربية فقد أسهم العديد من المفكرين العرب في مسألة التنوير، نذكر منهم صادق جلال العظم، د.سمير أمين، الياس مرقص، ياسين الحافظ، الشهيد مهدي عامل، الشهيد حسين مروة، د.هشام غصيب، الشهيد شهدي عطية الشافعي، فؤاد مرسي، محمود أمين العالم، فوزي منصور، د.رمزي زكي، إسماعيل صبري عبدالله، إبراهيم العيسوي، أحمد صادق سعد، أبو يوسف يوسف، عبدالله العروي، ومحمد عابد الجابري، سعيد بن سعيد العلوي، وكمال عبد اللطيف، محمد أركون، هشام جعيط، وجورج طرابيشي، نصر حامد أبو زيد، الشهيد فرج فودة، عامر عبدالله ، فالح عبد الجبار، عبد الرزاق صافي، هادي العلوي، جورج حبش، أحمد قطامش، سليمان بشير،  اميل توما، غسان كنفاني، سلامة، صابر محي الدين، غالب هلسة، عبد القادر ياسين، دماهر الشريف،  د. حسين أبو النمل، وغازي الصوراني وغيرهم الكثير.