Menu
حضارة

اليوم ليس أول الأيام السوداء

حاتم استانبولي

خاص بوابة الهدف

اليوم ليس أول الأيام السوداء، بل هو عاشرها؛ أولها عندما قبلت قيادة المفتي الحاج أمين الحسيني وأتباعه نصيحة الملوك والأمراء العرب بوقف انتفاضة الجماهير الفلسطينية عام 1936، وعندما قبلت بمسرحية حرب ال48 وعندما قبلت القيادة الفلسطينية بعملية الإلحاق والإلغاء وتغيير هويتها، وعندما أعادت إنتاج الهزيمة في عام 1967، وعندما قبلت القيادة الفلسطينية بالحل المرحلي الذي أعطى مشروعية لتوقيع أوسلو، وعندما تهاونت مع نظام كامب ديفيد وأعادته للحظيرة العربية وجلست تحت مظلته لإنتاج استراتيجية عبثية للمواجهة، وعندما قبلت بنقاط فيليب حبيب 1982، وعندما استثمرت في الانتفاضة الفلسطينية لتنتج أسوأ اتفاق تخلى طوعًا عن الجزء الأكبر من فلسطين، وفتح الباب لاتفاق وادي عربة، وبعدها للاتفاق الإماراتي و البحرين ي ولمن سيلحقهم.

الحديث عن الاتفاق الإماراتي البحريني بمعزل عن اتفاقات أوسلو ووادي عربة وأمهم اتفاقية كامب ديفيد هو تضليل وعبث. السواد بدأ من هناك؛ من هذه الغيمة السوداء التي تجمع تحالف الكمبرادور السياسي والاقتصادي مع الاستعمار الذي غير شكل ووسائل استعماره من مباشرة إلى غير مباشر. وبعد مائة عام يحضر الاستعمار القديم الجديد ليتدخل بشكل مباشر لإعادة إنتاج هذه النظم وتجديد تشريعها بشروط جديدة؛ جوهرها إعطاء مشروعية معلنة للكيان الصهيوني الذي تحول بعد مائة عام إلى حقيقة واقعة، والتي مرت في مراحل الاعتراف الدولي والحماية الإقليمية من قبل نظم سايكس بيكو إلى قيام هذه النظم بطلب حمايته وعونه.

السؤال الجوهري من هو عدونا الحقيقي؟ عدونا الحقيقي هو في شقه الأول هو من يتحكم بالمنظومة المالية ويتخذها مدخلًا للعقاب والضغط لتحقيق أغراض سياسية؛ الشق الثاني هو من يؤمن السيولة المالية لهذه المؤسسات ويرهن امكانيات الشعوب العربية لهذه المؤسسات. السؤال الثاني: لماذا تعمل هذه الحكومات على تقوية مؤسسات المنظومة المالية الإمبريالية التي تعلن كل صباح عن عدائها للجماهير العربية؟ لكون هذه الحكومات ونظمها لم تكن نتاج ضرورة موضوعية للتطور الاجتماعي والسياسي، بل هي حكومات وظيفية تعمل لصالح المؤسسات الاستعمارية بشكلها الجديد وزيارات ماكرون المكوكية للبنان أكبر دليل على ذلك؛ ماكرون حضر إلى لبنان وهدد الفئات المتحكمة في القرار السياسي بكشفهم وكشف فسادهم الذي هو سببه، فقد مارست حكومات الغرب التغطية على هذه الفئات الفاسدة التي أنتجتها وعندما شعرت أن فسادها أصبح عبئًا على تبعيتها أعادت أنتاجها بشخصيات جديدة في بعض البلدان، وتم الحفاظ على الاتباع الذين أنتجتهم دوائرها بشرط الاعتراف بشرعية وفوقية إسرائيل التي أعلن اليوم (توقيع الاتفاقان الإماراتي والبحريني).

إن القوة هي المدخل للسلام. هؤلاء الأتباع الذين تربطهم صفات القمع الممنهج لشعوبهم وغياب تام لأي شكل من أشكال الحريات الديمقراطية، بل إن صفة العدوان والقتل والتصفية الممنهجة للشعب اليمني وقمع شعب البحرين وسحب جنسيات مواطينها وإبعادهم عن أوطانهم وإطلاق أحكام الإعدام للمعارضين البحرانيين وتصفية معارضيهم بأبشع الاشكال والوسائل، كل هذا يجمعهم مع المواصفات العدوانية الصهيونية التي تمارسها العدوانية الإسرائيلية من قتل واعتقال وإبعاد للشعب الفلسطيني؛ ناهيك عن القصف العدواني على سوريا ولبنان.

السلام الذي يروج له لا يقوم على أساس العدالة الإنسانية؛ جوهره تشريع العدوان، سلام يعقد بين نظم تفتقر لأدنى شروط العدالة لمجتمعاتها؛ اتفاقان يحملان بالجوهر تشريع للعدوان على الشعب الفلسطيني وإعادة إنتاج النكبة الفلسطينية بعد ما يزيد عن 72 عامًا من النكبة الفلسطينية الأولى.

قبل 72 عامًا فلسطين اغتصبت نتيجة تقاعس وتآمر أجداد هؤلاء الحكام، والآن تعمل إدارة ترامب على تشريع إقليمي لهذا الاغتصاب من قبل أحفادهم. ترامب لديه قائمة من خمسة أتباع آخرين يطرقون باب نتنياهو وترامب لتقديم الولاء والطاعة ليضافوا إلى جمعية السلام الصهيونية. الشعب الفلسطيني مرة أخرى تخذله الأنظمة التابعة ليقف في مواجهة مشاربع تصفيته، وتعاد المحاولات لإعادة إنتاج التبعية والإلحاق، ولكن هذه المرة لا يدركون أن الشعب الفلسطيني تعلم الدرس، وأن السلام لا يمكن أن يتم بمعزل عن العدالة التاريخية والإنسانية والحقوقية والسياسية؛ الشعب الفلسطيني تحمل معاناة إلغائه والحاقة ومصادرة حقوقه ما بين ال1948 و1967، ولكنه عندما سنحت له الفرصة انتفض وأعلن قيام ثورته التي تم التآمر عليها داخليًا وخارجيًا، والشعب الفلسطيني وقواه الحية لن يقبلوا بالإلحاق والإلغاء هذه المرة.

المطلوب فلسطينيًا نفض ونقد وإعلان طلاق مع أوسلو وملحقاته، وعدم تفويض أيًا كان بالقرار الفلسطيني وليتحمل الاحتلال عبء احتلاله وثمنه.

ترامب يقول إنه قطع المساعدات عن الشعب الفلسطيني؛ الرد على عدائه يتم بإعادة تحميل الاحتلال والعدوان ثمن احتلاله وعدوانه، هذا مدخل الرد على عدوانية ترامب وأتباعه، هذه الخطوة ضرورة ملحة وهي المدخل لإعادة استنهاض وحدة الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده؛ ما زال هنالك شعوب تناصر قضية الشعب الفلسطيني، ودول تدعم حقوقه؛ المطلوب منا أن نعود ونطلق العنان لعدالة قضيتنا وحقنا الفلسطيني المسروق والمنهوب من قبل عصابات المافيا الصهيونية وأعوانها؛ من نظم عائلية استبدادية لا تعير أية قيمة للكرامة والنخوة وللعدالة واستحقاقاتها.