Menu

رؤية يسارية للمرأة

خاص بوابة الهدف

في هذه الرؤية، لا نتطرق لقضية جزئية أو هامشية، بل نتطرق لقضية مركزية تخص وتشمل بتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة المجتمع بأسره؛ إذ لا يمكن تصور مجتمع معافى، نصفه غير معافى، مثلما لا يمكن تحقيق حرية وكرامة المرأة، بدون تأمين الحرية والكرامة للمجتمع.

مجتمعنا الفلسطيني العربي الذي يعيش أزمة معرفية شاملة، تقوم على أن مجتمعاتنا عموماً، لا تنتسب إلى زمن حداثي أو حضاري ديمقراطي بالمعنى الجوهري، وهو وضع جعل من استمرار الأنماط أو الأزمنة القديمة أو إعادة إحيائها عبر إعادة إنتاج التخلف، أمراً يكاد يكون طبيعياً بوسائل اكراهية وعنيفة أحياناً، أو بوسائل تبدو أنها سياسية في أحيان أخرى.

ونحن حينما نتحدث أو نتعرض لقضية المرأة في مثل هكذا واقع سياسي واقتصادي واجتماعي مأزوم، لا يجب أن يغيب عن بالنا أننا نتعرض للأم والأخت والإبنة والجدة والخالة والعمة... عموماً، والمرأة المناضلة والمعلمة والعاملة وابنة الشهيد وزوجة الأسير خصوصاً ... إذ أننا نتحدث عن نساء شعبنا وأمتنا العربية، وليس عن مخلوقات استخدامية ترتبط بالعقل الشرقي المتخلف.

إن المبدأ الأساسي في المنظور التنويري الحداثي واليساري هو رفض الاضطهاد الجنسي، أي اضطهاد الرجل للمرأة والتمييز ضدها تمشياً مع الرؤية اليسارية العامة التي لخصها الخليفة عمر بن الخطاب، بقوله: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا، وكذلك قول قائد الثورة الروسية لينين بالقول: "إننا ضد كل الاستغلالات والاضطهادات، سواء كان الاستغلال طبقياً أو قومياً أو جنسياً أو دينياً".

وطبقاً للتحليل اليساري للظواهر على أساس بعدها التاريخي، وظروف تكونها وحركتها، فإن الظلم والاضطهاد الذي أحاط بالمرأة قد نشأ عن معطيات محددة (سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية)، بزوالها يزول الظلم وتتحقق المساواة الكاملة بين المرأة والرجل.

وكوننا نعيش مرحلة تحرر وطني وديمقراطي، نواجه خلالها عدونا الصهيوني، الذي يوظف كل إمكانات مجتمعه "رجالاً ونساءً" في سياق عملية نفي شعبنا وحقوقه التاريخية في أرضه ووطنة، كما نواجه سلطتين "في الضفة وغزة" تمارس كل منهما –وفق منطلقاتها- تسلطها واضطهادها للمجتمع ككل، وبشكل أخص المرأة، إما تحت مبررات دينية أو طبقية أو أخلاقية أو بيولوجية ... الخ. هنا تكتسب قضية المرأة والنضال من أجل حقوقها السياسية والاجتماعية أهمية رئيسية؛ إذ أننا نرى أن مقياس تطور الشعوب يقدر بمدى تحرر المرأة ومشاركتها في الحياة العامة، ناهيكم أن أي عملية تغيير ثوري أو ديمقراطي مجتمعي لا تنتصر؛ إلا بقدر مشاركة كامل المجتمع وبطاقة كل مكوناته، ولنا في تجربة شعبنا في انتفاضته مثال ساطع على هذه الممارسة، حينما انخرطت النساء الفلسطينيات على نطاق واسع في التظاهرات والمصادمات والمناشطات العديدة جنباً إلى جنب مع الرجال، مستلهمة تجربة الثورة الفيتنامية التي ما كان ممكناً انتصارها على الاستعمار الفرنسي ومن بعده الاستعمار الأمريكي لولا تحشيد كل طاقاته من رجال ونساء في شتى الميادين.

أما إذا أمعنا النظر في "المجتمع" الإسرائيلي، نلاحظ على الفور الدور البارز الذي قامت وتقوم المرأة فيه، حيث تشكل 42% من قوى العمل الإسرائيلية، موزعة على جميع أنشطة المجتمع الاقتصادية، والصحية، والعلمية، والعسكرية... الخ؛ الأمر الذي عزز قوة دولة العدو من خلال الاستغلال الأمثل لدور المرأة التي تميزت في المؤسسة العسكرية، كما في المؤسسات التعليمية الأكاديمية، وفي الحقل الاقتصادي والقضائي والسياسي بحضور فعال ومؤثر.

بالمقابل ما زال مجتمعنا الفلسطيني والعربي، يمارس ضد المرأة كل أشكال الاستغلال والاضطهاد، والنظرة الدونية قياساً بالرجال، وحرمانها من المشاركة في القرار أو المطالبة بحقوقها؛ الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والسياسية، وتركز وجودها الاقتصادي، في الأعمال الهامشية وغير الإنتاجية (سكرتاريا – روضات أطفال – ممرضات ...)، إلى جانب التعامل معها كسلعة جسدية أو في أعمال استعراضية في البرامج التلفزيونية المعولمة، وبعض دور الأزياء والأفلام السينمائية، وبعض الكتب والمجلات ووسائل الإعلام...الخ، وكل ذلك ارتباطاً بآليات الاستغلال الرأسمالي البشع، وبالتالي فإن كل هذه الممارسات ضد المرأة، تؤكد على استمرار الأزمة العامة التي يعيشها مجتمعنا الفلسطيني ومجتمعاتنا العربية، وهي في أحسن أحوالها، شكل من أشكال الترميم الظاهري أو الشكلي لبنيان مهترئ كونه لا ينطلق بالأساس من مبدأ المساواة في الحقوق المعرفية والاجتماعية بين الرجل والمرأة، رغم أن المرأة في العديد من بلدان العالم المتقدم قطعت شوطاً مهماً في تطورها، حيث انتقلت من الاستلاب إلى الشريك الكامل في صنع التاريخ ومستقبل البشرية، كدليل قاطع على أن الفارق الفسيولوجي لا يجعل من الرجل أقوى من المرأة أو المرأة أقوى من الرجل في الميدان الذهني، والعمل والبناء، ذلك أن العصر لم يعد عصر العضلات والسيف فقط، بل عصر الصناعة والكمبيوتر والثقافة والطاقات العقلية والمهنية، ولنا في التجربة النضالية للمرأة الفلسطينية خير دليل على ما سبق رغم أوضاع وقيود التخلف التي يعيشها مجتمعنا.

لمحات من المسيرة النضالية للمرأة الفلسطينية

شاركت المرأة الفلسطينية في خضم الصراع الوطني جنباً إلى جنب مع الرجل، زوجاً كان أو أباً أو أخاً، فباعت ما تملكه من مصاغ لتأمين البندقية، وقامت بدورها في تأمين المعدات والسلاح والغذاء والمعلومات، وبعضهن مارسن المقاومة المسلحة إلى جانب الرجال، أمثال فاطمة غزال التي استشهدت في معركة عزون، إبان الاستعمار البريطاني، ومناضلة أخرى أطلقت النار على ضابط بريطاني في مركز جنين وأوردته قتيلاً، إضافة لمن سجن منهن ولسنوات طوال، إلى جانب أخوات القسام في حيفا القديمة اللواتي خضن غمار مقاومة شرسة بجانب رجالهن ، في مقابل نساء النخبة والطبقات الاقطاعية، التي لم يكن لهن مساهمة فاعلة في المقاومة الحقيقية للاستعمار البريطاني ومقدمات السيطرة الصهيونية على بلادنا.

بحلول نكبة عام 1948، فرض على شعبنا وجماهيرنا أوضاعاً طارئة غير عادية، حيث ترافق وجود "مجتمع اللاجئين"  في الضفة والقطاع، والشتات عموماً، مع انهيار كامل لقادتهم الاقتصادية أو الانتاجية التي كانت نقدم عليها علاقاتهم وحياتهم قبل النكبة، بحيث فرضت عليهم الظروف الجديدة الناشئة، والنساء بشكل خاص، ممارسة سلوكيات لم تستوعبها المفاهيم والقيم والعادات التقليدية في القرى والمناطق الفقيرة من المدن، مثل اضطرار المرأة للعمل، والاستقلال النسبي للأبناء والبطالة والعوز والحرمان والمعاناة؛ أسهم كل ذلك في خلق حالة من الاغتراب لدى الرجل والمرأة، فالوضع البائس في المخيمات ولد انسحاقاً ثقيلاً مادياً ومعنوياً، مثل وقوف المرأة في طوابير استلام الإغاثة، لم تعهده من قبل، والشعور بالدونية، والاستلاب، مترافقاً – بصورة موضوعية- مع كل أشكال الحقد الوطني ضد العدو الوطني (العدو الصهيوني) إلى جانب مشاعر الحقد الطبقي على الصعيد الاجتماعي، في مثل هكذا واقع وبفعل تأثير النكبة وما خلفته من مآسي، لعبت المرأة الفلسطينية دوراً حاسماً، وبصورة عفوية، في تأجيج المشاعر الوطنية والحفاظ على الهوية الوطنية وحق العودة، إلى جانب تأجيج المشاعر الطبقية والاجتماعية، نظراً لشدة وعمق معاناتها وحرمانها ومرضها الذي هو حال كل اللاجئين الفقراء آنذاك.

لم تتبلور طوال مرحلة ما بين 1948 – 1967، حركة نسائية ذات طابع وطني اجتماعي ممأسس، على الصعيد الجماهيري في أوساط النساء الفلسطينيات، وظل نشاط الاتحادات والمنظمات والجمعيات الخيرية النسوية، قاصراً على أعداد محدودة من النساء عبر اللقاءات والاجتماعات التنموية أو في إطار الأحزاب السياسية الوطنية، القومية واليسارية آنذاك، حتى هزيمة 1967، التي ترافقت معها صعود نشاط وفاعلية حركة المقاومة الفلسطينية كإطار رئيسي تغلب على كل النشاطات المدنية والاجتماعية الأخرى، مما أدى إلى تراجع نشاط الجمعيات والاتحادات النسائية، على قلتها وضعفها، لحساب فصائل المقاومة الفلسطينية التي استوعبت معظم العناصر النسوية والعلاقات في النشاط العام واندماجه في العمل السياسي عبر علاقته التنظيمية، أو ممارسته الكفاحية حيث لمعت العديد من أسماء المناضلات الفلسطينيات أمثال الشهيدات شادية أبو غزالة، ودلال المغربي ولينا النابلسي وغيرهن الكثير من المناضلات أمثال: ليلى خالد، وفاطمة برناوي، وعبلة طه، وأمنية دحبور، ورسمية عودة وغيرهن الكثير أيضاً.

مع تفجر الانتفاضة الأولى أعوام 1987 – 1993، تطور دور ومشاركة المرأة الفلسطينية في سياق تطور واتساع المشاركة الجماهيرية الشعبية في كل مناطق الضفة والقطاع، بما دفع إلى تشكيل المجلس النسوي للأطر النسوية في منظمة التحرير الفلسطينية، والتي تشكلت معظمها في أواخر الستينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي، لقيادته العمل النسوي، وفي هذه الأثناء برزت المنظمات الأهلية، أو الغير حكومية، ولكن عبر تنسيقها شبه الكامل مع أحزاب وفصائل الحركة الوطنية آنذاك، وبدأت في الظهور بعض المنظمات النسوية غير الحكومية التي تعددت وتنوعت نشاطاتها، كما أهدافها، وظروف نشأتها، وأساليب عملها، ساهمت من خلال المجالات البحثية والتدريبية والتعبئة ونشر الوعي ايجابياً في تخريج العديد من الكادرات النسائية التي ظلت معظمها مرتبطة في تلك المرحلة – بالتزام معين بأحزاب وفصائل الحركة الوطنية.

إن مساهمة المرأة الفلسطينية في الانتفاضة الأولى والمرأة الفقيرة منها في المخيمات والقرى، بدور بارز وملموس وبصورة يومية في مقاومة الاحتلال، فقد قدمت المرأة الفلسطينية نسبة 7% من شهداء الأعوام 1987 – 1997 و9% من جرحى الانتفاضة، وأكثر من 500 معتقلة فلسطينية في السجون الإسرائيلية طوال مرحلة الانتفاضة.

بعد أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1994، بدأت تتأسس منظمات نسوية غير حكومية وغيرها من المنظمات العاملة في حقول أخرى بعيداً عن الأحزاب والفصائل الوطنية، مرتبطة بمجموعات نخبوية ضيقة لا تستهدف تنظيم النساء أو حتى بناء صلة مستمرة معهن، سوى نشر الوعي بين صفوفهم حسب الميزانية والخطة المقررة، وشروط التمويل الخارجي، وهذا وحده ليس كافياً لجعل النساء قوى منظمة قادرة على تحقيق ما تردن، فكثير من الحركات الاجتماعية النشطة ترفض المقولة الماركسية: بأن هناك وعياً زائفاً يستدعي طليعة تعمل على نشر الوعي بين الجمهور، خاصة مع تراجع الحركات والاتحادات النسوية المرتبطة مع فصائل الحركة الوطنية التي شهدتها تلك المرحلة ولا تزال مستمرة حتى اللحظة، بحيث أصبحت الأولوية للحديث عن "الجندر" أو "النوع الاجتماعي"، وتنظيم ورشات العمل المعزولة عن هموم المرأة الحقيقية، وغير ذلك من الأساليب الشكلية المشابهة لها، مقابل القضايا الطبقية والاجتماعية والسياسية التي يمثل تناولها والتعرض لها وتغييرها أساساً موضوعياً لمواجهة وحل قضايا المرأة الأساسية، الفقر والتخلف والاضطهاد المجتمعي، فذلك لن يتم إلا من خلال الالتزام والانتماء السياسي الديمقراطي الكفيل وحده بتأطير الحركات الجماهيرية النسوية وغيرها من أجل تحويل المجتمع الفلسطيني ومؤسساته السياسية بصورة ديمقراطية تكفل تغيير وإزالة كافة مظاهر التخلف والاضطهاد والفقر والتبعية، وتحقيق العدالة الاجتماعية للرجل والمرأة على السواء.

لقد تفاقم واقع المرأة الفلسطينية مأساوية مع ما خلفه الحسم العسكري في قطاع غزة وتشكل سلطتين قمعيتين بالمعنى الاجتماعي في الضفة وغزة، أخذتا المجتمع الفلسطيني كله رهينة لأجندة أو برامج كل منهما الحزبية/الفصائلية، ومرتكزاتها الفكرية وتشريعاتها المتخلفة، استلابها وغربتها وانغلاقها، المترافق مع الاستخدام الخاطئ للتراث الديني الذي أدى إلى حجب قيم الحرية والديمقراطية والمساواة، كما لو كان نقاباً إضافياً يسد الطريق على عقل المرأة.

إن استنهاض المجتمع وقواه وقطاعاته المختلفة، يجب أن تترابط بأهمية وعينا المستقبلي العضوي لقضايا المرأة الفلسطينية بالحركة النسائية العربية بما يشترط من إدراك للخصائص المميزة لمجتمعنا الفلسطيني، والمجتمعات العربية من حولنا، في إطار استكشاف واستنهاض عناصر التوحد لقضية المرأة العربية، بما يقوي بنيتها وبرامجها ويحدد أهدافها ويحد من حالة التشرذم والتشظي القائمة إن المطلوب هو توفير الطليعة النسوية الديمقراطية، في إطار برنامج تقدمي عصري موحد يمكنها من النضال لتحقيق أهدافها المشتركة بالتعاون مع الرجل عبر الأطر الحزبية المنظمة، الكفيلة وحدها ببلورة حركة نسائية اجتماعية فاعلة في صفوف الحركة السياسية الوطنية الديمقراطية العامة.

انطلاقاً من طبيعة المرحلة التي نعيشها كفلسطينيين، باعتبارها مرحلة تحرر وطني، وربطًا بقناعاتنا الفكرية الحداثية والعقلانية المعاصرة وتوجهاتنا الثورية، يجب أن نتسلح برسالة تاريخية لتحرير المرأة الفلسطينية من مختلف المظالم وأشكال الاضطهاد الواقعة عليها، وأن نعزز لديها ومعها الفكر الثوري المحجوب عنها.