Menu
أوريدو

فلسطين.. ضوء فى عمق الظلمة

أحمد بهاء شعبان

حرى بنا أن نبتهج ونحتفل بأى إنتاج ثقافى مصرى أو عربى جديد يحتفى بالعقل، ويدعو إلى إعادة الاعتبار للفكر، وإلى اعتماد العلم الجاد والمعرفة الرصينة أساسًا لإعادة بناء واقعنا العربى الممزق والمُهترئ.

وفى ظل هذا الواقع البائس، الذى يدعو بتمزقاته واهتراءاته إلى اليأس وفقدان الهمّة، إذا أتتنا المبادرة للسير فى الاتجاه العقلانى الرصين من فلسطين المُحتلة، التى تقاوم بالصدر الأعزل محاولات المحو من خارطة الإنسانية والتاريخ، لذا وجب تقديرها كل التقدير، وإيلاؤها كل الاهتمام والاحترام، فرغم مرارة الوضع وآلام الحصار، وفقدان القدرة على الحركة والتواصل؛ بسبب مفاعيل فيروس «كورونا» الفتّاك، وتسلُّط طاعون الاحتلال الصهيونى الهمجى، وندرة المراجع، والانقطاع المُتكرِّر للكهرباء والمياه والمواصلات، وغياب وسائل التواصل الاجتماعى، وتعطُّل مراكز العلم والمعرفة، وافتقاد الحد الإنسانى الأدنى اللازم من توافر ضرورات الحياة.. الخ. رغم كل ما تقدَّم من مُحبطات ومُعَطِّلات، فقد احتفت الأوساط الثقافية، والفكرية، والسياسية الفلسطينية، احتفاءً كبيرًا بصدور الدراسة الفلسفية المُعمَّقة، المُعنونة بـ«موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور»، لأحد أبرز المفكرين والمناضلين السياسيين الفلسطينيين: الأستاذ «غازى الصورانى».

والكتاب سفر ثرى بالغ الأهمية، يقع فى نحو ألف وأربعمائة صفحة من القطع الكبير، يرصد فى دقة وشمول، وهو أمر لا يطيقه إلا الكُتاب الكبار أولى العزم والإرادة، تاريخ الفلسفة الإنسانية عبر العصور، منذ وعى الإنسان ذاته، وراح يتساءل عن معنى الحياة وكنه الوجود، وعن موقعه فى الكون الواسع، ومن الذى سوّاه وسوى هذا العالم وجعله على النحو الذى هو فيه.

يتناول هذا السفر الجامع الفلسفة والفكر الفلسفى والشخصيات النافذة التى تركت بصمتها فى مسيرة التفلسف البشرية، بدءًا من العصور التليدة: الهندية، والبوذية، والصينية، والبابلية، والمصرية القديمة، انتقالًا إلى الفلسفة اليونانية بمدارجها ومنعرجاتها: السفسطائيون، وأفلاطون، وأرسطو طاليس، وفلسفة العصر الهلنستى: أبيقور والرواقيون، والأفلاطونية الجديدة، وأفلوطين، والقديس أوغسطين، قبل أن ينتقل إلى فلسفة القرون الوسطى فى آسيا: الصين، والهند، واليابان، وبيزنطة، وفارس، وصولًا إلى الفلسفة الإسلامية وتأثرها بالفلسفة اليونانية: أرسطو والأفلاطونية المُحدثة، وعلم الكلام، وموقفها من العلم، وإخوان الصفا، مع استعراض مُكَثف لأشهر فلاسفة الإسلام حتى بداية القرن الرابع عشر: جابر بن حيان، والخوارزمى، والكندى، وابن الراوندى، والرازى، والفارابى، والأشعرى، والتوحيدى، وابن سينا، وابن حزم، والغزالى، وابن باجه، وابن طفيل، وابن رشد، والسهروردى، وابن عربى، وابن تيمية، وابن القيـّم الجوزية.

ويقدم الكتاب مسحًا مُعَمَّقًا للفلسفة الأوروبية وأعلامها فى القرون الوسطى، فى عصر الإقطاع وبدايات عصر النهضة: ميكافيللى، وتوماس مور، ولوثر والبروتستانتية، وكالفن، وليوناردو دافنشى، وجاليليو، وهوبز، وديكارت، وباسكال، وسبينوزا، وجون لوك، ونيوتن، ولايبنتز، وصولًا إلى عصر التنوير والعقل والحداثة «القرن الثامن عشر»: جون تولاند، بركلى، دولامترى، هيوم، كوندياك، ليسنج، توماس بين، كوندورسيه، سان سيمون، بابوف، وفيخته، وهيجل، وفورييه.

وينتقل الباحث الكبير الأستاذ «غازى الصورانى» إلى فلاسفة القرن التاسع عشر: شوبنهاور، كونت، وجون ستيوارت ميل، وفيورباخ، ودو توكفيل، وبلانكى، وشتراوس، ودارون، وبرونو باور، وكيركيجارد، وباكونين، وماركس، وإنجلز، وسبنسر، ودوهرينج، وماخ، وبيرس، ووليم جيمس، وأفيناريوس، ولابريولا، ونيتشه، وبليخانوف، وفرويد، ودور كايم، وديوى، وهوسرل، وبرجسون، وسنتيانا، وفيبر، وتان سو تونج، وكروتشه، قبل أن يعرج إلى الفلسفة فى القرن العشرين بمذاهبها: الوضعية المنطقية، والوجودية، والبنيوية، والماركسية، مُستعرضًا أعلامها الكبار: راسل، برهييه، شبنجلر، ياسبرز، باشلار، لوكاتش، فنجنشتاين، هايدجر، جرامشى، كارناب، هوركهايمر، ماركيوزه، وإريك فروم، وبوبر، وبارسونز، وبوليتزر، أدورنو، وكوريان، وسارتر، وآرون، وسيمون دو بوفوار، وستراوس، وكامو، وريكور، وأويزرمان، وفاسكيز، وألتوسير، وراولز، وليوتار، وشاتليه، ودولز، وفوكو، وبورديو، ودريدا، وبولانتزاس.

وأخيرًا يرسو الكاتب والكتاب على شاطئ قرننا الحالى: القرن الحادى والعشرين، فيعرض لأبرز مذاهبه الفلسفية وأعلامها: بومان، وتشومسكى، وهابرماس، ولابيكا، وسير، ورورتى، ولسون، وجيمسون، فاتيمو، وباديو، وجيجك، وهونيث، وفيرى، وبتلر، وأونفراى، وهاريس، قبل أن يختم هذا السفر «الجامع المانع» بخاتمة وقائمة المراجع الضخمة التى اعتمد عليها الكاتب فى إتمام عمله الكبير.

وبعد، فلقد حرصتُ على أن أقدم وصفًا تفصيليًا لما تضمنه هذا العمل بالغ الأهمية من مباحث ومواضيع، لكى أوضِّح الجهد الهائل الذى قام به مؤلفه المثقف والسياسى الكبير الأستاذ «غازى الصورانى»، والذى توج به تاريخًا وطنيًا وفكريًا حافلًا بجلائل الأعمال، والذى رد بتركيز على سؤال مهم: لماذا الحديث عن الفلسفة فى زمن الموت والخراب القائمين، بقوله: «إن الفلسفة تساعدنا على أن نفكر ونسأل بشكلٍ أفضل، لكى نعيش بشكلٍ أفضل.. وهذه هى الحكمة».