Menu
أوريدو

خمسون عاماً على رحيل القائد الخالد عبد الناصر:

الأمة العربية بأمس الحاجة إلى إعادة إحياء المشروع النهضوي العربي بمضامينه الناصرية

نواف الزرو

خاص بوابة الهدف

يمكننا أن نوثق اليوم ونحن أمام الذكرى الخمسين لرحيله، أن القائد الخالد جمال عبد الناصر كان شهيد فلسطين والعروبة بامتياز، فلم تنجب الأمة العربية على مدى  تاريخها المعاصر زعيماً خالداً كخلود عبد الناصر، كما لم تنجب زعيماً وطنياً قومياً عروبياً؛ حمل مشروعاً نهضوياً للأمة العربية، وفي قلبها فلسطين كما عبد الناصر، بل إن ثورة 23 يوليو الخالدة قامت ونهضت من رحم أحداث وتطورات اغتصاب فلسطين والقضية الفلسطينية.

فقد كان لاغتصاب فلسطين عام 1948 من قبل الصهاينة تحت مظلة ودعم الغرب الاستعماري، وفي مقدمته بريطانيا، الأثر العميق والاستراتيجي على الجماهير العربية التي تآلفت قلوبها كأمة واحدة وراء القضية وشعبها، غير أن واقع الاستعمار الجاثم على صدور الأمة ودولها وتواطؤ حكامها آنذاك، لم يسعف الأمة على أن تقوم بدورها، لذلك سادت مناخات الإحباط والغضب والنقمة في آن واحد، في نفوس أبناء الأمة، وتبلورت حالة من الغليان الشعبي ضد الأنظمة العربية التي تواطأت وتخاذلت أمام الغزو الصهيوني واغتصاب فلسطين.

وفي أعقاب ما جرى في فلسطين من سياسات التطهير العرقي الصهيونية وتهجير أهل البلاد، وفي ظل هذه الأجواء التي رزحت تحتها الأمة، كانت ثورة 23 يوليو الخالدة بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر؛ أول ردة فعل عربية قومية على ما جرى في فلسطين ومن أجل فلسطين، وكان من أبرز الأسباب التي أوردتها الثورة في بياناتها لقيامها إضافة إلى الأوضاع الداخلية في الوطن المصري، هو قيام النظام الملكي المصري بتزويد الجيش المصري الذي حارب في فلسطين بأسلحة فاسدة، مما حال دون قيام الجيش المصري بأداء واجبه القومي بالشكل المطلوب، وكان عبد الناصر آنذاك ضابطاً يقود إحدى الوحدات القتالية في منطقة الفالوجة الفلسطينية، وشهد بنفسه ورفاقه من الضباط الأحرار تلك الأسلحة الفاسدة.

   وعلى ضوء ذلك خلص عبد الناصر وإخوانه من الضباط الأحرار إلى أن "القاهرة حيث الانتهازيون وعملاء الاستعمار يتاجرون بالقضية الفلسطينية ويشترون الأسلحة الفاسدة للجيش المصري هي نقطة البداية وليست فلسطين"، لذلك يمكن أن نوثق دون تردد أن "حرب فلسطين 1948 بما ترتب عليها من نتائج وإفرازات وإرهاصات أسهمت إسهاماً كبيراً ومباشراً في قيام ثورة 23 يوليو/ تموز 1952 المجيدة، إلى جانب عوامل أخرى عديدة خاصة بمصر".

   كما يمكن القول أن اغتصاب فلسطين وما رافق ذلك من خيانات وتواطؤات عربية مع الاستعمار والمشروع الصهيوني، كان سبباً مركزياً  في ثورة 23 يوليو، ما أضفى ايضاً بعداً قومياً عروبياً على الثورة وأهدافها  وسياساتها على مدى سنوات حكم عبد الناصر الذي حمل عبء القضية الفلسطينية على كاهله واعتبرها هدفاً مركزياً في مقدمة أهدافه القومية، ما جعله في مواجهة استراتيجية مباشرة، ليس فقط مع المشروع الصهيوني، وإنما أيضاً مع الغرب الاستعماري بكامل قواه ومساحته وجبروته، ووضع عبد الناصر طاقات وإمكانات مصر المادية والبشرية والعسكرية في التصدي لذلك التحالف الاستعماري، وحقق في إطار ذلك، انجازات إعلامية ومعنوية وفكرية عروبية مذهلة على الصعيد العربي والدولي؛ الأمر الذي انعكس في  ذلك المد العروبي الثوري التحرري الهادر على امتداد مساحة العرب، وعلى مدى سنوات حكمه، في حين تكالب تحالف الغرب الاستعماري الصهيوني العربي الرجعي في مواجهة مشروع النهوض العربي بقيادة عبد الناصر، وكان ما كان من تداعيات ذلك، عدوان حزيران 1967، الذي أسفر عن هزيمة الجيش المصري ومعه الجيوش العربية الأخرى، واحتلال العدو الصهيوني لسيناء والجولان والضفة وغزة، وليس ذلك فحسب، بل كان من تفاعلات وتداعيات الهزيمة أن شكلت نقطة تحول استراتيجي في أحوال الأمة العربية والأنظمة على وجه الخصوص، باتجاه التفكك والتشرذم والاستسلام، ثم التطبيع الرسمي العربي، في أعقاب رحيل عبد الناصر- اغتيالاً بالسم على الأرجح، وفقاً لشهادات عديدة-- في الثامن والعشرين من أيلول/1970، لتفتح صفحة جديدة مظلمة في تاريخ الأمة العربية، وفي تاريخ الصراع مع المشروع الصهيوني.

وتبقى ذكرى عبد الناصر ودوره القومي العروبي الوحدوي وراء القضية الفلسطينية في الذاكرة الوطنية والقومية الفلسطينية العربية، بل إن الجماهير العربية، أخذت تترحم على أيام عبد الناصر وتستحضره؛ صورةً وفكراً ودوراً وطهارةً وحاجةً قوميةً عروبيةً، في ظل هذه الحالة المرعبة؛ من الدمار والخراب والانهيار الشامل للأمن القومي العربي وللمناعة القومية العربية، وفي ظل هذا التهافت التطبيعي العربي الخياني المرعب مع الكيان الصهيوني.

ولذلك بات من الواضح اليوم، أن أمتنا العربية بأمس الحاجة إلى إعادة إحياء المشروع العربي الوحدوي القومي بمضامينه الناصرية، فهذا المشروع كفيل بالتصدي للمشاريع الطائفية والاثنية والفئوية والإقليمية التفكيكية التدميرية التي أصبحت  تخيم على المشهد العربي، كما أن القضية الفلسطينية التي أدرك عبد الناصر خصائصها ومقومات انتصارها، لن تتقدم إلا على عجلة عمل عربي تضامني مشترك، يقوم على مبدأ الإيمان بوحدة المصير، والعمق الاستراتيجي العربي لفلسطين وشعبها المناضل، فالمجد لثورة 23 يوليو العظيمة ولقائدها الخالد ناصر الامة العربية.

ننحني احتراماً وتقديراً للذكرى والذاكرة وللرئيس الخالد عبد الناصر، آملين أن تعمل كل القوى الحية القومية العروبية على استنهاض الأمة؛ مستنيرة بفكر وفلسفة الزعيم الخالد عبد الناصر رحمة الله عليه، فمن يترك مثل هذا الإرث القومي العروبي ومثل هذه الجماهير التي تحمل رايته وفكره ومشروعه لا يموت أبداً.