Menu
أوريدو

المشروع القومي في مواجهة المشروع الصهيوني

محمّد جبر الريفي

خاص بوابة الهدف

منذ البداية اعتمد المشروع الصهيوني الذي يحقق تقدمًا الآن؛ من خلال هرولة التطبيع العربي، خاصة الخليجي مع العدو الصهيوني، في تطلعاته التي رسمها المؤتمر الصهيوني الأول الذي انعقد في مدينة بازل بسويسرا برئاسة الصحفي النمساوي اليهودي تيودور هرتزل على وطأة الاضطراب الذي ساد الحالة السياسية العربية، بعد هزيمة دولة الخلافة العثمانية، حيث الانشغال كان بعد الحرب العالمية الأولى، خاصة في المشرق العربي بمشروع الاستقلال العربي وتكوين مملكة عربية بتتويج الشريف حسين،  في حين أن المشروع الصهيوني لم يكن الانشغال به كبيرًا أو عامًا، وقد حدث ذلك رغم أن القضية الفلسطينية كانت جزءًا في إطار الفكر السياسي العربي الواسع. كما اعتمد المشروع الصهيوني إضافة إلى ذلك، على مخطط  التجزئة السياسية العربية الممنهجة، حيث كانت وثيقة بانرمان البريطانية؛ ترسم الخطوط العريضة له، وجاءت اتفاقية سايكس بيكو لتحقق ذلك؛ من خلال وعد بلفور المشؤوم.

خطوات سياسية مدروسة خطط لها الغرب الاستعماري ونفذتها الحركة الصهيونية العالمية بصعود البرجوازية الأوروبية، بأفول سيطرة الكنيسة واندحار عصر الاقطاع وتكوين الدولة القومية، في حين ظلت حالة التجزئة السياسية، تتكرس أكثر في الواقع السياسي العربي ومعها استمرت  المقاومة العربية لهذا المشروع الاستعماري الصهيوني؛ تقوم على شعارات قومية ودينية فضفاضة، لم يكتب لها التحقق والنجاح؛ بسبب أنها نشأت في مناخ سياسي مضطرب، وفي ظل ثقل الأحساس بتردي الواقع العربي. وقد رافق ذلك بداية الانفصام بين ما يسطره الفكر السياسي العربي، وبين ما تتبعة الممارسة؛ بين الشعار الذي لم يحظَ بالقداسة، باعتباره في الغالب نتاج فكر مثالي، وبين المعادل الواقعي الموضوعي.  

لقد جاء المشروع القومي بطبعته الجديدة التي تختلف عما كان عليه الفكر السياسي العربي السائد، في أوائل القرن العشرين، حيث كان يخلو من القضايا والمضامين الاجتماعية المرتبظة أساسًا بالتكوين الطبقي؛ جاء بعد نكبة عام 48، وبالتحديد أعلنت أهدافه الرئيسية؛ وحدة، حرية اشتراكية، بعد منتصف الخمسينيات باندحار العدوان الثلاثي على مصر وتفعيل الدائرة العربية في الاهتمام السياسي  لثورة 23 يوليو، كما جاء في كتاب الثورة عن الدوائر الثلاث للرئيس جمال  عبد الناصر، وكان قيام  الوحدة المصرية السورية في فبراير عام 58 أول إنجاز سياسي تاريخي لمسألة الوحدة العربية وللمشروع القومي بشكل عام  في العصر الحديث، لكن تحالف  قوى الرجعية العربية، مع الاستعمار الغربي، كان وراء الانفصال عام 61 الذي كان من دوافعه الأساسية؛ تعطيل القوانين الاشتراكية التي أُعلنت في دولة الوحدة الجمهورية العربية المتحدة،  وذلك تطبيقًا لأحد أهداف المشروع القومي، وهو هدف الاشتراكية. أما قبل قبل النكبة، فقد انشغل الذهن السياسي العربي في التخلص من السيطرة الاستعمارية التي أعقبت الهيمنة العثمانية، وقد أسفر هذا الاهتمام من القوى السياسية العربية آنذاك على تحقيق الاستقلال لبعض الدول العربية، وبداية مرحلة نشأة وتأسيس  الدول القطرية التي كانت تعميقًا أكثر لواقع التجزئة السياسية، وأما أيضًا بخصوص القضية الفلسطينية نفسها، فقد كان العامل الديني منذ بداية الغزوة الصهيونية هو المحرك الأساسي للنضال الوطني الفلسطيني الذي كانت تقوده طبقة الإقطاع الديني الذي اتسم بصبغة عائلية، في حين حدث التراجع الواضح للمشروع القومي، بعد هزيمة يونيو حزيران 67، وعدم قدرة أنظمة البرجوازية الصغيرة التي سميت بالوطنية، في التصدي للكيان  الصهيوني، وعجزها المتواصل على إحداث أي  عملية  تنموية حقيقية، تخرج البلاد من حالة التخلف الاقتصادي والاجتماعي. وبعد اتفاقية كامب ديفيد بدأ تفكك جدار المشروع القومي بخروج مصر؛ الدولة الأقوى في النظام السياسي العربي الرسمي من دائرة الصراع العربي الصهيوني، وباتفاقية أوسلو غاب المشروع القومي تمامًا من الساحة السياسية العربية، ومعه غاب الدور القومي أيضًا في المنطقة، ليفسح المجال أمام  الدور الإقليمي لكل من تركيا وإيران وللمال النفطي الخليجي، وهو الأخطر في تحقيق المخطط الإمبريالي الصهيوني الرجعي، في خلق الشرق الأوسط الجديد الذي تذوب فيه الرابطة القومية العربية، وأولي تطبيقاته الآن؛ ما جرى من عقد اتفاقيتي التطبيع الإماراتية البحرانية مع العدو الصهيوني، وما سيتبعهما من اتفاقيات من دول عربية أخرى، أي أن  الصراع العربي الصهيوني، وكذلك الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الآن، لا يدور فقط، حول قضية "التسويات" السياسية المطروحة، بشأن القضية الفلسطينية؛ مثل  صفقة القرن أو حل الدولتين أو الدولة الديمقراطية الواحدة، بقدر ما هو صراع ومواجهة أشمل بين مشروعين سياسيين متناقضين؛ المشروع القومي العربي التقدمي الذي يتراجع أكثر مع بقاء حالة التجزئة السياسية العربية، وما أصاب حركة التحرر الوطنية العربية من عدم فاعلية نضالية؛ بسبب غلبة الأفكار الإصلاحية في برامجها السياسية، حيث أصبح بعض أطرافها جزءًا من التحالف الطبقي الحاكم والمشروع الصهيوني الذي يحقق تقدمًا على حساب الانفضاض العربي عن القضية الفلسطينية، وذلك بسبب المأزق السياسي الذي وصل إليه المشروع الوطني؛ نتيجة الانقسام السياسي من ناحية، ومن الطريق المسدود الذي وصل إليه مشروع حل الدولتين من ناحية أخرى؛ بسبب تعنت العدو الصهيوني الذي لم يلتزم باتفاقية أوسلو التي كانت خطأً سياسيًا تاريخيًا أقدمت على توقيعه  منظمة التحرير الفلسطينية مع عدو غاصب واستعماري وإحلالي، لا يلتزم بأي اتفاق سياسي لا يخدم أهدافه الأيديولوجية العدوانية والتوسعية، كما هي تروج لها الرواية اليهودية المُختلقة.