تمر علينا في مثل هذا اليوم 28/9 مناسبتان كبيرتان، الأولي رحيل الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، والثانية ذكري اندلاع انتفاضة الأقصى. ففي مثل هذا اليوم وقبل 50 عامًا، بتاريخ 28/9/1970، رحل عن عالمنا القائد الخالد والمعلم الرمز جمال عبد الناصر، هذا القائد الذي مثل حالة نموذجية لا تتكرر في التاريخ العربي، ولم يشهد لها التاريخ مثيلًا، حيث كان صاحب مشروع قومي عربي، وطني نهضوي، ينحاز إلي الفقراء والمظلومين؛ مشروع يعمل من أجل الوحدة العربية والعدالة الاجتماعية، يدعو إلى الحرية والاستقلال الوطني؛ مشروع يحدد معسكر الأعداء والأصدقاء بكل وضوح؛ مشروع يؤمن بتحرير فلسطين كل فلسطين، ويعمل من أجل، ذلك ويتصدي للمؤامرات الامبريالية الصهيورجعية؛ مشروع يستند إلى لاءات الخرطوم الثلاثة: لا للصلح، لا للاعتراف، لا للمفاوضات التي أطلقها الرئيس الراحل ردًا على هزيمة حزيران، ويستند إلى المقولة الشهيرة، ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة.
ورغم مرور 50 عامًا على رحيله، لا زال مجرد ذكر اسمه يشغل العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه، ويعود السبب في ذلك لما حمله برنامجه من قيم ومبادئ ومواقف.
إنها المرة الأولى، وقد تكون الأخيرة في التاريخ، التي يهزم فيها القائد، كما حصل مع عبد الناصر في الخامس من حزيران، ويعلن تحمل المسؤولية والتنحي، وتخرج الملايين في مصر والشوارع العربية مطالبة إياه بالعودة عن التنحي والعودة للاستمرار في قيادة المسيرة؛ عبد الناصر كان واحدًا من رجالات مصر العظام، قضي حياته في خدمة ابناء شعبه وامته العربية؛ عبدالناصر لم يكن ملاكًا، كان بشرًا يخطئ ويصيب، وقد حملت تجربته العديد من الأخطاء والانتكاسات والتراجعات أحيانًا؛ إلا أن إنجازاته كانت أكبر بكثير، وبما لا يقاس، من اخفاقاته.
وفي هذه المناسبة وفي ذكري الرحيل، وعندما فكرت بالكتابة عن عبد الناصر لم أجد أفضل مما سبق وكتبته عنه في مقال مطول بمناسبة هزيمة الخامس من حزيران، وهنا أعيد تسجيل جزءًا منها وهو المتعلق بإنجازات وإخفاقات عبد الناصر للأهمية، وهذا ما ورد فيها: والسؤال الذي يطرح نفسه هنا؛ لماذا تحميل الهزيمة ونتائجها لعبد الناصر فقط ؟ وأين دور الآخرين؟ لقد امتلك الرجل الشجاعة واعترف بذلك. ولماذا التوقف دائمًا عند هذه المحطة من حياته؟ وهل ناصر هو الوحيد الذي هزم في هذا العالم؟ ألم تهزم جيوش المسلمين في بعض معاركها؟ ألم تهزم ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية؟ ألم تهزم العديد من الإمبراطوريات عبر التاريخ، الرومانية والعثمانية؟ ألم تهزم بريطانيا العظمى التي لا تغيب عنها الشمس؟
أن التركيز على هذه المحطة الفاشلة والنقطة السوداء في حياة ناصر يراد منها هزيمة الوعي العربي والفكر والإرادة، وهذا أخطر من الهزيمة العسكرية. ألم يرفض عبد الناصر الهزيمة؟ وألم يقل لا للصلح، لا للاعتراف، ولا المفاوضات؟
ليس دفاعًا عن عبد الناصر، لكن من موقع الإنصاف لهذه التجربة التي حملت الكثير من الإنجازات الكبيرة والاخفاقات الكبيرة، لقد كان ناصر عظيمًا في إنجازاته وكبيرًا في إخفاقاته، وما هو إلا بشر يخطئ ويصيب، ومن أجل إنصاف هذه التجربة، وهذا الرجل، لا بد من الإشارة إلى بعض سلبيات وايجابيات هذه التجربة؛ في إطار السلبيات: هزيمة حزيران وما نتج عنها؛ حرب اليمن والاآار التي تربت عليها؛ حل الأحزاب وغياب الحياة الديمقراطية؛ غياب الحريات؛ الثقة الكبيرة بعبدالحكيم عامر وغيره من المحيطين به؛تعيين السادات نائب لرئيس الجمهورية، هذه وغيرها من الأخطاء، والتي نجم عنه الكثير من السلبيات وأدت إلى الكوارث أحيانًا.
أما الإنجازات، فلقد حقق عبد الناصر أثناء مسيرته ومن خلال تجربته، ورغم التآمر عليه من قبل الإمبريالية والرجعية والصهيونية، الكثير من الإنجازات الكبرى أهمها: تطبيق برنامج الإصلاح الزراعي وتوزيع الأراضي على الفلاحين؛ مجانية التعليم والعلاج؛ تأميم قناة السويس بكل ما تحمله من معاني اقتصادية وسياسية؛ بناء السد العالي، هذا الصرح العظيم الذي اعتبرته الأمم المتحدة في تقريرها عام 2000 أهم إنجاز عالمي في القرن العشرين؛ بناء مصانع الألمنيوم في نجع حمادي، بتكلفة 3 مليار جنيه في قيمة ذاك الوقت، وهي من أكبر المصانع في العالم؛ الحفاظ على نسبة نمو اقتصادي بلغت 7-8% وهي نسبة لا مثيل لها في العالم؛ امتلاك قاعدة صناعية كبيرة جدًا، حيث تم بناء أكثر من 1200 مصنع؛ من أضخم المصانع الاستراتيجية في العالم، كان الاقتصاد المصري يتفوق على الكوري الجنوبي في ذلك الوقت؛ كانت مصر تملك احتياطًا من العملة الصعبة يزيد عن 250 مليون جنيه بأسعار ذلك الوقت وشهادة البنك الدولي؛ كانت مصر دائنة للبنك الدولي، ولم يكن لديها أية ديون؛ تحمل أعباء إعادة بناء الجيش المصري دون ديون؛ لعب دورًا رئيسًا وأساسيًا في إنشاء حركة عدم الانحياز؛ كان له دورًا رياديًا في احتضان أنوية الثورة الفلسطينية المعاصرة وتنميتها؛ تحقيق أول تجربة للوحدة العربية، رغم فشلها فيما بعد، وهذا موضوع يحتاج لمبحث خاص
وتجدر الإشارة أن جزءًا مهمًا من هذه الإنجازات حصل بعد هزيمة حزيران، ومن أجل قول الحقيقة أولًا، وإنصاف هذا القائد ثانيًا، يجب أن نسجل له هذه الإنجازات. لقد رحل هذا القائد العظيم، ولم يكن في جيبه سوى 84 جنيهًا مصريًا، ولم تملك عائلته سكنًا خاصًا بها، ولم يكن يملك أرصدة في البنوك الأجنبية، ورصيده فى البنوك المصرية كان بحدود 3700جنيه، أما راتبه الشهري الصافي بعد الخصومات كان 395 جنيهًا مصريًا.
نعم.. هذا هو عبد الناصر، وما أحوجنا لأمثاله، وأين هي الزعامات العربية منه اليوم؟
في هذه المناسبة ونحن نفتقد هذا الزعيم الكبير، نوجه التحية لروحه الخالدة، ونقول أن هزيمة حزيران، لم تكن سوى محطة من محطات عبد الناصر الكثيرة.
أما المناسبة الثانية التي نحتفل بها اليوم هي الذكري ال 20 لانتفاضة الاقصي، هذه الانتفاضة التي شاءت الأقدار أن تنطلق في نفس تاريخ اليوم الذي رحل فيه عبد الناصر، حيث انطلقت بتاريخ 28/9/2000، وكأنها جاءت في هذا التاريخ وبعد مضي 30 عامًا على رحيل الزعيم الخالد، لتقول إن الشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية؛ مصممة كل التصميم على متابعة المسيرة والنهج المقاوم الذي سار عليه عبد الناصر، نهج ما أخذ بالقوة لاي سترد بغير القوة؛ نهج العنفوان ورفض الاستسلام، وهذا ما عبرت عنه انتفاضة الأقصى التي اندلعت شرارتها بتاريخ 28/9/2000، عندما ذهب شارون وبحماية الجنود الصهاينة إلى اقتحام المسجد الأقصى، مما أثار غضب الشارع الفلسطيني، وأدي إلى اندلاع مواجهات مع الجنود الصهاينة؛ أدت إلى استشهاد 7 مواطنين وجرح أكثر من 250، وجرح وإصابة أكثر من 13 جنديًا صهيونيًا، وكان ذلك اليوم بمثابة الشرارة التي أشعلت الانتفاضة، وبعد يومين تم إعدام الطفل محمد الدرة برصاص العدو، عندما أطلقت عليه النيران بتاريخ 30/9/2000 وهو يحتمي خلف برميل من الإسمنت بجانب أبيه، وأردوه قتيلًا، وقد أدى ذلك إلى صب الزيت على نار الانتفاضة وزاد لهيبها اشتعالًا، وقد تميزت هذه المرحلة بتصاعد حدة المواجهات مع الجنود الصهاينة والمستوطنين، حيث سقط المئات من الشهداء والجرحى، وتم اقتحام المدن والقرى وتدمير المساكن والمزارع واعتقال آلاف المواطنين، وكان من أبرز المعارك في جنين ومخيمها، حيث دارت معارك أسطورية ألحق فيها الفدائيون خسائر كبيرة في صفوف العدو، إلى جانب ذلك، قامت قوات العدو ومخابراته بتصفية الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أبو علي مصطفي، وكذلك الشيخ احمد ياسين، كما قامت باعتقال القائد أحمد سعدات ومروان البرغوثي في محاولة منها لإطفاء شعلة الانتفاضة، ولم تنجح بذلك، واستمرت الانتفاضة حتى تاريخ 8/2/2005، عندما تم التآمر عليها، وتوقيع اتفاقية شرم الشيخ بين أبي مازن والصهاينة وبرعاية دولية، والذي تم بموجبه وقف الانتفاضة، والتي كانت قد حققت مجموعة من الإنجازات الكبيرة همها:
أولًا: ايقاع خسائر كبيرة في صفوف العدو بلغت 1069 قتيلًا بينهم 300 جندي، وتم جرح أكثر من 4500 آخرين، وكان من أبرز قتلاهم الوزير رحبعام زئيفي، والذي تم قتله على يد كتائب الشهيد أبو علي مصطفي وردًا على اغتياله.
ثانيًا: إلحاق خسائر اقتصادية كبيرة، باقتصاد العدو؛ بلغت مئات الملايين من الدولارات.
ثالثًا: ازدياد الهجرة من دولة الكيان للخارج وتقلص أعداد المهاجرين (الوافدين).
رابعًا: تراجع الحالة الأمنية وغياب الاستقرار في دولة الكيان وتأثيرات ذلك على مستقبلها.
خامسًا: تزايد التأييد الدولي للقضية الفلسطينية ودعمها، مقابل زيادة العزلة لدولة الكيان، هذا إلى جانب العديد من المنجزات الأخرى. بالمقابل قدم الشعب الفلسطيني في هذه الانتفاضة العديد من التضحيات الجسام؛ منها: استشهاد 4412 فلسطينيًا، بالإضافة إلى 48322 جريحًا، إلى جانب مصادرة الأراضي وهدم البيوت والعقوبات الجماعية والاعتقالات... الخ.
رغم كل ذلك عملت فصائل المقاومة على تطوير أجنحتها العسكرية، وأحرزت تقدمًا بارزًا في ذلك،
أما الآن، وفي هذه الذكرى، ومع اشتداد مؤامرات التصفية للقضية من خلال صفقة القرن والضم والتطبيع، ما أحوجنا إلى انتفاضة جديدة، تستفيد من تجربة الانتفاضتين الأولى والثانية سلبًا وايجابًا، تبدأ ولا تنتهى؛ إلا بتحقيق طموحات شعبنا في الحرية والاستقلال، لذا علي القيادة الفلسطينية؛ إن كانت جادة في المواجهة، أن تنخرط في صفوف الجماهير وتتقدمها في التحرك والتصدي للمؤامرة وعدم الاكتفاء بالبيانات والتصريحات والمقابلات التلفزيونية، وعليها أن تخرج من وهم التسوية والمراهنة على المفاوضات والرباعية الدولية، وأن تغادر سياسة الانتظار التي درجت عليها، وعليها أن تذهب فورًا لسحب الاعتراف بدولة الكيان وإلغاء اتفاقيات أوسلو، وأن تعيد الاعتبار لخيار المقاومة، وأن تستعيد وحدة منظمة التحرير استنادًا إلى التمسك بالثوابت الوطنية والبرنامج الوطني، وأن تعمل على تجسيد وحدة وطنية حقيقية، يشارك فيها الجميع بعيدًا عن أحادية أو ثنائية القطبية، كما يجري الآن بين فتح وحماس، وهنا نؤكد على ضرورة مشاركة الجميع في القرارات، على قاعدة شركاء في الدم والنضال؛ شركاء في القرار، ولا يجوز التعامل مع الفصائل الأخرى، بهذا الشكل، وكأنها ملحقات كما هو حاصل حاليًا؛ فمن يريد الوحدة الحقيقية، عليه أن يغادر هذه السياسة، أما اجتماعاتكم في اسطنبول و قطر ، فهي رسالة خاطئة بالاتجاه الخطأ، كان ممكن للاجتماعات، أن تعقد في بيروت أو غز ة أو الجزائر أو تونس؛ وكان الأجدر بكم أن تذهبوا لمحور المقاومة بدلًا من ذلك.
أما الفصائل الأخرى عليها أن ترفع صوتها بكل قوة لرفض هذه السياسة والابتعاد عن سياسة التبعية والمجاملات وأن تكون صريحة مع الجميع، وفي المقدمة مع شعبها فنحن الخاسرين لو ربحنا العالم وخسرنا شعبنا.
في ذكرى رحيل الزعيم الخالد جمال عبد الناصر؛ نقول لروحه السلام، كان نموذجًا في العطاء
والموقف والممارسة... عمل حتى آخر لحظة في حياته؛ دفاعًا عن قضايا مصر والأمة العربية.. ونقول له ما أحوجنا إليك في هذه الفترة المظلمة من تاريخ أمتنا، وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
سلام لك وسلام عليك أبا خالد.

