Menu

جمال عبد الناصر.. مثقفًا

كاظم الموسوي

خاص بوابة الهدف

الرئيس الراحل جمال عبد الناصر (1918- 1970) شغل الناس والسياسات المحلية والإقليمية والدولية في زمنه، وحتى بعد رحيله، ولعل الفترة التي تلت أصبحت محكًا أو اثباتًا لما كانت عليه قبلها، أي أن الفترة اللاحقة كشفت مصداقية وعظمة الإنجازات والأخطاء، كما رثاه الشاعر محمد مهدي الجواهري. ولعل السؤال والبحث عن الثقافة ودورها في بناء وعي السياسي، صاحب القرار ومصدره، وتأثيرها على قراراته ودوره العام مهمة كبيرة تسهم في توضيح المكانة والمسؤولية والإدارة والإجراءات وانعكاسها العملي، لا سيما في دولة مثل مصر وفي فترة حاسمة من الصراعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية محليًا ودوليًا.
في كتابه الصادر عام 2018 في القاهرة، بعنوان: عبد الناصر.. مثقفًا، بحث الكاتب والقائد السياسي، أمين عام الحزب الاشتراكي في مصر، المهندس أحمد بهاء الدين شعبان، في هذا الموضوع المهم،  كاتبًا عن الثقافة والسياسة، السياسي والثقافي، في شخص عبد الناصر، بدايات القراءة والاهتمام في المطالعة، والممارسة والإنجاز والتداعيات وما آلت إليه سيرة الشخصية الثقافية في الدور السياسي والقيادة الفعلية والاسهام في البناء الاجتماعي، وكيف تشابكت عند عبد الناصر في مصر وتداعياتها عند العرب، مع أضواء على من أسهموا معه في هذا الدور والتداعيات التي استمرت أو تكشفت بعده.
عبد الناصر رجل عسكري قاد مجموعة عسكرية لتغيير نظام حكم، تحول التغيير إلى ثورة شعبية لعب فيها الضباط العسكريون إدارة القيادة والتغيير والتحولات على الصعد المختلفة، وكانت هذه التحولات والاتجاهات التي ظهرت بعدها وليدة طبيعية لتركيب المؤسسة العسكرية، السياسي والثقافي، وما حصل خلالها من صراعات واصطدامات ونجاحات وتراجعات وحتى خيبات، حيث قدم إلى القيادة وصناعة القرار ما تفاعلت به وتمكنت من الخروج منه إلى فضاءات الإصلاح والتغيير المطلوب بكل ما حملته من إيجابيات وسلبيات، باتت اليوم من صفحات التاريخ، أو التاريخ هو الشاهد عليها.
رغم ذلك كتب المؤلف في تقديمه، "والصفحات التي يتضمنها هذا الكتاب، لا تدعي استهداف التغطية الكاملة لموضوع "عبد الناصر والثقافة" وتطور العلاقة بين "الزعيم" وهذا البعد المعرفي الكبير، لكنها تلقي أضواء أولية على دور الثقافة في تكوين شخصيته الفريدة في تفاعلها مع نشأته ودراسته المدنية والعسكرية، كما تلمح إلى دوره في نشر التعليم المجاني وانحيازه لأن يكون المنتج الثقافي ميسرًا لمحدودي الدخل (...)، وتشير إلى بعض التعثرات التي صادفته وصادفت الوطن في هذه المسيرة، ومنها الصدام بين نظامه وبين قطاع من المثقفين الوطنيين من المفكرين الاشتراكيين المصريين (ص6). 
أما فصول الكتاب فقد تناولت ما تمت الإشارة إليه، أو الأبرز فيها، حيث جاء الفصل التالي بعد المقدمة؛ بعنوان الكتاب: عبد الناصر مثقفًا، والفصل الثاني: بحث في وهم الليبرالية وعصرها الذهبي، والفصل الثالث بعنوان: عبد الناصر واليسار ومن ثم لحقه فصل بعنوان: هيكل واليسار، وبعده التوظيف المتبادل أو عبد الناصر و"الطليعة"، وختم الكتاب بفصل المثقف العربي والسلطة، مركزًا على مصادر التثقيف والدور السياسي والالتزام والتأثير في التكوين والقرار الثقافي والسياسي معًا.
في تقديمه لترجمته لكتاب لينين ، تطور الرأسمالية في روسيا، كتب فواز طرابلسي: "بين سجنه في سان بطرسبورغ ومنفاه السيبيري، كرس لينين ثلاث سنوات (1896-1898) لوضع "تطور الرأسمالية في روسيا". أما جهد الدراسة والتنقيب فأقل ما يقال فيه أنه خارق، خلاله اطلع لينين، اطلاع الباحث الناقد، على أكثر من 500 كتاب ومجموعة إحصائية ومجلة ومقالة - باختصار، كل ما كتب عن الاقتصاد الروسي. وكعادته لم يترك هذه المناسبة "الأكاديمية" بدون استغلال في عمله النضالي السري تتعلق بأوضاع الحلقات الماركسية المبتدئة تحت راية "عصبة النضال من أجل تحرر الطبقة العاملة" التي كان لينين من مؤسسيها، وقد اعتقل بتهمة الانتماء إليها، وحين صدر الكتاب، في مطلع العام 1899 عرف رواجاً ملفتا في أوساط المعارضة الروسية".
أردت الإشارة هنا إلى أن الكاتب والمثقف والسياسي لا يمكنه التصدي في هذه المجالات دون حصيلة معرفية وجهود ثقافية وبحث ونقد، وهو ما ينبغي قراءته أو البحث فيه عند الحديث عن ثقافة أية شخصية عامة، وليست للمقارنة ولا سيما الاختلاف الكبير في متغيرات الظروف الموضوعية، ولكن الدلالة مهمة ولا بد من الانتباه لها.. وقد سعى كما يلاحظ الكاتب في الإشارة إلى بدايات عبد الناصر الأولى في مرحلته التأسيسية، وهو طالب في المرحلة الثانوية، وكتابته لمقال عن فولتير، الفيلسوف التنويري الفرنسي؛ "رسول الحرية في القرن 18" ومن ثم تأثره برواية توفيق الحكيم، عودة الروح، حسب ما كتبه رجاء النقاش، واستخلاصه منها في فكرة الوحدة الوطنية، وفكرة عودة الروح لمصر في دورها الحضاري، واضاف لها المؤلف فكرة "التوحد" أو الجمع بين الموضوع والذات، بين الأمة والزعيم أو بين الشعب والقائد، وتوسع في رصد الكاتب السويسري جورج فوشيه في كتابه "جمال عبد الناصر ورفاقه" قائمة الكتب التي استعارها وقام بالاطلاع عليها من مكتبة الكلية العسكرية، وهي لها دلالاتها من خلال عناوينها ومضمونها، ثم تأثره في مسرحية الكاتب الايطالي لويجي بيرانللو، "ست شخصيات تبحث عن مؤلف"، ورؤيته فيها دعوة إلى التحرك من أجل الاستجابة لصرخة الكاتب ولملء الفراغ الرهيب، والبحث عن "القائد المنقذ"، ومن خلال هذه الكتب ومضامينها يستدل على اهتمام ومعرفة قارئها وتأثره في اختيارها ودورها في تنمية الوعي والإدراك الثقافي، وتبيان الخلفية الفكرية أو عواملها الأساسية ومعرفة انعكاساتها اللاحقة.
يشير المؤلف إلى انطباعات مقربين أو عاملين مع عبد الناصر عن اهتمامه في الثقافة عمومًا، سواء في القراءة واختيار الكتب، أو في مناحي ثقافية أخرى، كعشقه للسينما، وحضور الحفلات الموسيقية والغنائية وعروض الأوبرا والمسرحيات. ويلفت الانتباه إلى طلب عبد الناصر من خالد محيي الدين: "يذكر الأخير أنه بعد أن هدأت العاصفة، ووافق عبد الناصر على  رجوعه إلى مصر من منفاه في جنيف، طلب منه أن يشتري له قبل عودته، "شوية كتب عن الاشتراكية بمختلف مدارسها" كان ذلك أواخر عام 1955 حين بدأ عبد الناصر يبحث عن مسار يجيب على التساؤلات الحادة التي طرحتها ظروف مصر والمنطقة عليه وعلى نظام حكمه" (ص21)، وبغض النظر عن تقييم مضمون ومآلات السياسات، فالنتائج العملية تخدم الشعب ونقلت عمليًا قطاعات واسعة، وبالتالي المجتمع إلى مراحل متقدمة من التطور على هذا الصعيد.
ورغم ذلك فإن الحياة العملية وضغوط العمل السياسي والهواجس الأمنية والأخطار المتنوعة اشتركت في محنة مثقفين في عهد عبد الناصر، وهذه المحنة سجلت سلبًا في تاريخه وزمنه وذريعة لخلفه في تعميقها واستغلالها بالضد من مشروع النهضة المزمع تعبئته وتنفيذه في البلاد. ورغم التبريرات أو التفسيرات، فإن هذه الأخطاء كانت من الخطايا التي وصمت فترت وفاته الزمن في معالجتها، مثل ما ذكر الكاتب نقلًا عن فتحي غانم، الذي كان عضوًا في "التنظيم الطليعي" ووثيق الصلة بمراكز صنع الأحداث، بتناقض حاد في غلبة الهاجس الأمني، " كانت استراتيجية الأمن عنده، أقوى من استراتيجية الثقافة" (ص24 ) واعتبر هذا من أخطاء النظام، التي كشفت بعد رحيل الرئيس ناصر، في 28  ايلول/ سبتمبر 1970 وصعود أنور السادات إلى الرئاسة، وبصورة أوضح على الثقافة والمعرفة والتعليم، أثر انتهاج سياسة الانفتاح الاقتصادي وعشوائية التطبيق والعمل على عكس ما كان عبد الناصر يمارسه ويعمل عليه، وتلك فاجعة يعالجها الكاتب في فصول تالية، أبرز فيها رأيه وحاول البحث عن أسباب تضاف إلى ما نشره كثيرون من المتابعين والمنتسبين، أو الضحايا والناشطين، تستند إلى ما حصل فعلًا من ما سماه بالشروخ الكارثية في معسكر الثقافة الاشتراكية، وصراع عبد الناصر واليسار، ودور  الوزير والكاتب الاستاذ محمد حسنين هيكل ومجلة الطليعة ومجموعتها اليسارية، وتحتاج هذه القضية التي أثارها الكاتب ووضع مقدمات لها، وبالإضافة إليها، إلى قراءة موضوعية ودراسة علمية تتم منها الاستفادة من دروس فترتها وعبَر التاريخ وعدم تكرارها أو استمرارها بأشكال أخرى.
يفيد الكاتب أن التيار الاشتراكي في مصر من أقدم التيارات السياسية والفكرية المنظمة، والذي لعب دورًا في التعبئة الشعبية لبناء البلد وتطوره وحريته واستقلاله، ومع ذلك، أو لأجله، تعرض خلال تاريخه إلى حملات تصفية وقتل وتعذيب، وهو ما سماه بمحنة مثقفين، وسؤال كبير؛ "والثابت أن معرفة الرئيس عبد الناصر، الذي تأكدت زعامته الوطنية يومًا بعد يوم بالحركة الشيوعية المصرية، كانت قديمة وليس سرًا أن "حدتو" كانت تقوم بطباعة منشورات "الضباط الأحرار" وتسلمها لعبد الناصر من أجل التوزيع.." (ص 48). ورغم ذلك (حيث تذكر هذه القصة بمثيلتها في العراق، فقد أهدى الحزب الشيوعي العراقي بقيادة سلام عادل، آلة طابعة، إلى حزب البعث ودرب كادرًا له في مطبعة الحزب السرية، وكيف عومل سلام عادل بعد وصول حزب البعث للحكم، أشبه بما حصل لشهدي عطية أو أفظع)!، تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فعلى عكس المأمول والمتوقع، تكرر الصدام بين النظام الجديد، والحركة الشيوعية، رغم الأرضية السياسية والفكرية المشتركة وخسر النظام، بل خسرت مصر كثيرًا من هذا الخلاف الدامي (ص48). ويتساءل الكاتب: هل كان هذا الصدام حتميًا؟! ويعرف الكاتب أن الإجابة ليست سهلة، ويحتاج الرد الصحيح عليه إلى بحث تاريخي علمي معمق، لكن المؤكد أن هذا البحث له أهمية راهنة بقدر أهميته التاريخية (ص49) وما علاقة الصراع بالثقافة؟! سؤال آخر يبين دور الثقافة في هذه القضية التي ربما لم تبحث بعمق.
بالتأكيد هذه القضية ليست للتاريخ فقط، بل للحاضر والمستقبل، وهو ما تطرق له الروائي صنع الله إبراهيم في روايته، يوميات الواحات، وإشاراته إلى مذكرات العديد من الشيوعيين الذين واجهوا تلك المحنة ومواقفهم الوطنية التي تؤشر إلى خفايا وراء المحنة، لا يكون الرئيس عبد الناصر بالضرورة وراءها، أو على علم بها، ولكنه مسؤول عنها بحكم موقعه ودوره وثقافته وتحولاته، وحين واجهه أعضاء برلمان أو حزبيون في زيارته ليوغسلافيا بالاحتجاج على استشهاد شهدي عطية الشافعي في السجن، وقالوا له وهو يعلن لهم أن مصر في سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية ستتجه إلى نوع من الاشتراكية الديمقراطية، فقالوا له كيف تتحدث عن الاشتراكية وأنتم تقتلون قادتها في مصر؟ (انظر تفاصيل أخرى في رواية يوميات الواحات، ص(231). وهناك روايات عديدة للجريمة والتحقيقات وغيرها موجودة في كتب وملفات منشورة، كما وصف كثير من الكتاب المصريين المعتقلين تفاصيل التعذيب الوحشي، الذي تحملوه، وقد وصف السيد يوسف في "مذكرات معتقل سياسي" (الهيئة العامة للكتاب، 1999) كيف استوحى القائمون على التعذيب في البداية تجربتهم مع الإخوان المسلمين، فأمروا المعتقلين بأن يهتفوا للجمهورية في طابور الصباح، وعندما لم يعترض أحد أمروهم بالهتاف بحياة جمال عبد الناصر وترديد نشيد "الله اكبر"، وقد امتنع اسماعيل صبري عن النشيد فتعرض للضرب". 
وتطرح قضية استشهاد الشافعي وقضية فرج الله الحلو نفسها بقوة على المشهد السياسي والثقافي والهواجس الأمنية والأخطار، والقوى المتنفذة التي تدير الأمور من خلف موقع الرئيس، واتصالاتها وارتباطاتها المتعددة الولاء والانتماء، وهي خطايا لا يمكن أن تمر دون درس واعتبار، لا سيما من يتابع موقف الشافعي وجماعته من الثورة وجمال عبد الناصر يتفاجأ مما حصل له وكيف حدث، وهذه قضية كما ذكر الكاتب في قراءته؛ راهنة مثلما هي من التاريخ، ولا بد من زيارة موضوعية لها ولما يربطها بمثيلاتها في مصر أو خارجها، بنزاهة فكرية وأيديولوجية وحتى عاطفية، ولكن تظل صورة الملايين في وداع عبد الناصر معبرة عن "يقين أنه أخلص لوطنه، فاحتفظ له الشعب بمكانه الخالد في سويداء القلب، اختلفوا معه حول قضايا واجتهادات لصالح الوطن والناس، لكنهم لم يسيئوا الظن أبدًا به وبأحلامه. كان وطنيًا عظيمًا، عاش ومات من أجل قضية بلاده، أخفق وأصاب، لكنه كان باستمرار صاحب بوصلة صحيحة" ( ص57).
توفي عبد الناصر عن عمر قصير، لم يمهله زمنه، لا سيما بعد أن جرب وتعرف على منهج يقوده إلى بناء بلده وعمرانه وتنمية شعبه، (وكذلك هناك روايات عن الرحيل)! ومثلما فاجأت وفاته أو قطعت سلسلة تطوره العام وبروزه القيادي، فإن تذكره من هذه الزاوية تفتح أهمية الثقافة في مشروع القيادة والقرار والنهضة المنشودة،ِ وهنا الدرس والخبرة في هذه الدروس التي استخلصها من رواية توفيق الحكيم، وتجارب حركة التحرر الوطني والتحولات التاريخية في الفكر والسياسة وقيادة الشعب والوطن والأمة.