Menu

مسرحية إلا أنت - القدس

حاتم استانبولي

خاص بوابة الهدف

قدمت الدكتورة المخرجة مجد القصص؛ عملًا مسرحيًا استطاعت فيه أن تحول الفكرة المجردة إلى عملًا ملموسًا؛ تداخلت فيه الحركة الايقاعية مع الموسيقى الترتيلية وأعادت ترتيب النص الشعري لقصيدة للشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي في القدس ، هذه القصيدة التي استطاع من خلالها أن يضع القدس وفلسطينييها في أيقونة تاريخية؛ امتزجت فيها ألوان الحرية والسلم والحرب والتحدي والأمل.

 استطاعت المخرجة مجد القصص وفريقها التمثيلي والموسيقي والديكوري أن يفككك نص القصيدة بأبعادها الإنسانية والروحية والنضالية، عبر مشاهد متعددة متداخلة يفصلها عناوين من مقاطع القصيدة التي أعادت ترتيبها لتتوافق مع السردية التاريخية للحكاية الوطنية، وأدخلت نصها بين فواصل العناوين الذي أبرزت فيه التناقض بين مفهوم الحب والكراهية الحب الذي مثله أبناء المدينة التي أصرت أن تبرز رمزيتها الجامعة لكل حواضنها الجغرافية والسكانية، وأعطت نصًا واضحًا مباشرًا للحوار بين الذات الإنسانية المحبة التي مثلتها القدس الجامعة، وبين الكراهية القادمة من خارج الحدود؛ عبر تفكيك النص التميمي لمفهوم أن للقدس دهرين.

المسرحية وعبر تداخل حركات الممثلين الذين امتزجت لغة جسدهم وتعبيراتهم في انسياب لم يتخلله، أي تردد، بل بالعكس جاءت تعبيراتهم ومخاطباتهم وحوارهم كأنها نصوص طبيعية، تعبر عن ما في داخلهم من أحاسيس امتزجت فيها نصوص القصيدة مع عدالة القضية، لقد أظهروا بحركاتهم وكلماتهم أن النص ليس غريبًا عنهم، بل هو يخرج من مسامات أجسادهم وينسال على

أجسادهم الفتيّة النضرة، كما تنساب جماليتها وموسيقاها التميمية الأصيلة.

مشاهد المسرحية في لغة حوارها كانت مباشرة مفهومة، تعكس إطار نصها الواضح المعالم، وأبرزت في أكثر من مرة معاني الرجولة، من خلال صوت أنثوي وقدمت نصًا حدد مفاهيم الرجولة التي لا تقتصر على الرجل، وإنما هي عمل مشترك بين ثنائية الرجل والمرأة، وكذلك قدمت عرضًا تاريخيًا متسلسلًا للنكبة الفلسطينية والتخاذل الذي عانت منه القدس وقضيتها ووضعتها وراء القضبان الذي تغيرت أوضاعه وأشكاله لتنتهي بعلامة النصر المصحوب بالتفاؤل الذي يحمل عنوان التحدي والصراع والأمل بالمستقبل، ما دام هنالك إمكانية في التجدد والإنجاب، وأن أطفال المستقبل سيحملوا رايات ذويهم.

الإخراج المسرحي كان رائعًا في استخدام الضوء والظل الخلفي الذي أبرز حركات المبدعين، وقدم عملًا في مسرحين بذات الوقت خشبة المسرح والجدار الخلفي للمسرح مستخدمة براعة منسق الأضواء الذي تلاعب ببراعة بلون الضوء وحركته وأشكاله الطولية والعرضية.

 المسرحية بتداخل النص الشعري مع النص الحواري المسرحي؛ قدم مشروعًا وطنيًا واضحًا لا لبس فيه. عدالة القضية انعكست على النص الواضح وطغى على بعض الخصوصية القانونية للمعيار المسرحي، وهي تكتسب أهمية قصوى من حيث الزمان والمكان، فهي قدمت في زمان فضائحي لأنظمة كشفت فيه وظيفتها، وفي مكان يشكل توأم ل فلسطين وقدسها بين تلافيف الحياة.

وعبر حوارها جاء في المسرحية: بأن الأرض لا تشرق فهي قائمة في مكانها، وبأن للمدينة دهران، وأن قضبان السجون لا تمنع النفوس الحرة أن تطير، وبأن الأسوار لن تكون موانع، وبأن لا يمكن اخضاع الرجال ما داموا في تلافيف الحياة، هذه كلمات من حيث توقيتها تعطي الأمل في ظل ما تشهده المنطقة من إعلان التطبيع لبعض الأنظمة التي لا تعبر إلا عن واضعيها وحماتها اللذين يخرجون مسرحية الحقد والكراهية والقتل والتدمير عبر أدوات تغيرت أشكالها وتعبيراتها عبر الزمان والمكان.

في المسرحية استطاعت المبدعة مجد القصص أن تطلق نص تميم وتحوله من كلمات مجردة إلى نصوص قصصية حية تتحرك على أنغام موسيقى ترتيلية، وحركات جمالية تحمل التحدي والأمل وتفكك النص الشعري التميمي؛ عبر حوار قصصي بصوت جهوري عبر مآذن مقدسية مغلفة، بترتيلة كنائسية تعلن القيامة الدائمة لأبنائها في وجه المحتل، وتحقق أن هنالك إمكانية للحب في ظل الاحتلال، وهو حب الوطن الذي يجابه كراهية المحتل الذي يمشي نائمًا، ولتؤكد أن من في القدس؛ إلا أنت الفلسطيني المقاوم وحمامها الذي يبني دولة بين طلقتين.

كل الشكر للمخرجة مجد القصص وللجهد الجمعي المقدم بتحويل النص المجرد إلى ملموس من خلال حركات ايقاعية؛ تبرز تداخل الحب والأمل والتحدي والمقاومة، عبر الزمن الذي استخدمت فيه المكعبات بوظائف متعددة؛ أبرزت التحدي عبر استخدامها كطبول وأداة قتل وتعبيرًا عن حركة الزمان عبر دورانها بحركة ايقاعية شبابية متجددة، تؤكد أن فلسطين لن تنسى وستتناقلها الأجيال. القدس أم العوالم.. القدس وطن في مدينة.