Menu

قراءة في المشهد التطبيعي الخليجي

نُشر هذا المقال في العدد 18 من مجلة الهدف الرقمية

 

محمد أبو شريفة

كاتب سياسي فلسطيني - سوريا

(إن الجلوس مع العدو - حتى في استديو تلفزيوني- هو خطأ أساسي في المعركة، وكذلك فإنه من الخطأ اعتبار هذه المسألة ‏مسألة شكلية.‏.. غسان كنفاني ).

مشهد التوقيع في البيت الأبيض يوم الثلاثاء (15/9/2020)، بين الإمارات و البحرين والكيان الصهيوني ينقلنا إلى ذلك السؤال الذي قد نطرحه على أنفسنا في لحظة إحباط وضياع ويأس عندما نسأل: كيف وصلنا إلى هنا؟ وهل سنتمكن من الخروج؟

تلك اللحظة عندما تشعر أن كل شئ يحاصرك، وأن كل شئ يطاردك، وأن العالم كله يزدريك ويحملك مسؤولية ما آلت إليه الاوضاع.

ما يلفت النظر في المشهد أن يتحول الخضوع للعدو إلى قيمة سياسية اجتماعية، فحواها القمعي الخفي، يهدف ‏إلى تأديب الذهنية وصهر الوعي؛ من خلال التصريحات والإشارات والايحاءات التي صدرت عن ترامب ونتنياهو والمطبعين من قبيل (تفاصيل الاتفاق طي الكتمان – بمعنى ما خفي أعظم-، الامتنان الخليجي لنتنياهو، لا دولة فلسطينية الآن ولا في المستقبل، ضم الأغوار، السلام مقابل السلام، الاتفاق التاريخي وتسويق ترامب كصانع سلام).

ويمكن اعتبار ما حدث نوع من أنواع التماهي مع المتسلط كحالة نفسية دفاعية، يتنكر فيها هؤلاء المطبعون المقهورون لذواتهم ويسعون من خلالها لحل مأزقهم الوجودي والشعور بالخواء وانعدام الأمن؛ عبر التشبه بالمتسلط والانصهار في قيمه وتبنيها على حساب ذاته وهويته الفردية والجماعية، ويعد هذا من المثبطات الحقيقية في طريق انتصار أي مشروع وطني تحرري.

إن الهدف من وراء التطبيع صياغة بنية نفسية مشوهة للشعوب وهذا يلاحظ في سيكولوجيا التطبيع التي تعتمد على النظرية السلوكية في علم النفس؛ من حيث ترويج التطبيع وقياس ردة فعل الناس من دون إدراك. فليس مستغربًا عندما نسمع البعض من العرب يقارن وضعه بالحالة الفلسطينية، ويؤكد وبنبرة عدائية‏ أن (الفلسطينيين باعوا أرضهم، فلماذا يريدوننا أن ندافع عنهم؟! إذا السلطة الفلسطينية متصالحة مع أسرائيل نحن نريد أن نحاربها، لماذا؟!)، فإذا أنت لم تنتهز الفرصة، فقد لا تحظى بالغنائم، وهنا يصبح تفكير الفرد ذاتيًا وفيه أنانية، وتصبح غريزة البقاء والأنانية هي السائدة في ظل غياب المشروع الوطني القادر على بلورة وعي جمعي يكسر ثقافة الركون إلى التطبيع وتأثيراته السلوكية. فالتطبيع ليس ماديًا فحسب، بل هو سيكولوجي في الأساس وهدفه كسر الإرادة والقضاء على قيم الصمود والمقاومة.

ويأتي إعلان اتفاق التطبيع بين تل أبيب وأبو ظبي والمنامة، تتويجًا لسلسلة ‏طويلة مستمرة منذ سنوات شملت التعاون والتنسيق والتواصل ‏وتبادل الزيارات،‏ وأثارت ‏الجدل والتساؤل بشأن التسابق على التطبيع مع الكيان الصهيوني. ‏فلغة التبرير جاهزة لدى فريق "المطبعين" بتفاقم أزمات ‏المنطقة، هو الدافع باتجاه إعادة النظر في العلاقة مع ‏الآخر، ولا سيما (إسرائيل) التي وجدت الفرصة مواتية للترويج ‏لصفقة القرن، وتهميش القضية الفلسطينية وإزاحتها عن قائمة ‏أولويات الاهتمام العربي. ‏

إذًا ما هي مبررات هذه الخطوة البائسة، وفي هذا التوقيت الحرج من ‏تاريخ الصراعات في المنطقة؟

لا تحتاج هذه الخطوة التطبيعية إلى سبر أغوارها فهي ظاهريًا تلبي فرص ‏الاستثمار الانتخابي لكلا المأزومين نتنياهو وترامب، وتفتح ‏الطريق أمام تغيير القيادة الفلسطينية، وتهيئ الأجواء لتصعيد ‏العنف القادم في غزة، وتسرّع الهرولة العربية نحو التطبيع ‏المجاني، وحسب الادعاءات الإسرائيلية، فإن خمسة عشر نظامًا عربيًا لهم ‏علاقات ‏كاملة مع كيان الاحتلال والفترة المقبلة ستشهد توقيع تحالف مع بعض الدول العربية والإسلامية.

أما في العمق، فإن ما يجري الترويج له من شعار "التطبيع" أو فرضه على ‏المنطقة ليست مجرد إقامة علاقات لإنهاء أو تسوية الصراع العربي ‏‏– الإسرائيلي، وإنما تتخطى ذلك بشكل أبعد، فليس المقصود من ‏التطبيع إنهاء حالة العداء التاريخية بين العرب وإسرائيل، ولا ‏مجرد إقامة روابط تسووية عادية بين الطرفين؛ إن التطبيع بمعناه ‏الحقيقي كما يجري الترويج له الآن أو فرضه، يهدف إلى إعادة ‏ترتيب الخارطة الجغرافية – السياسية – الاقتصادية والأمنية ‏والثقافية في المنطقة على أسس جديدة تنسجم مع مصالح الولايات ‏المتحدة الأميركية ومع متطلبات إسرائيل وفق مشروع النظام ‏الإقليمي الجديد، أو ما كان متداول ومطروح سابقًا مشروع "النظام ‏الشرق أوسطي"، والذي عززه مطلع هذا العام 2020 الرئيس ‏الإميركي دونالد ترامب برؤيته السياسية وإطلاق ما يسمى صفقة ‏القرن "لحل" الصراع بين الطرفين الفلسطيني/العربي من جهة، ‏والاسرائيلي من الجهة الأخرى، والتي تستهدف تصفية القضية ‏الفلسطينية؛ عبر تشريع وجود إسرائيل في المنطقة، واعتبارها كيانًا ‏عاديًا، بل مركزيًا ومميزًا عن بقية الأقطار. والاستهداف ليس ‏مقصودًا به مصادرة الأرض الفلسطينية فحسب، وانما اعتبار كيان ‏الاحتلال شريكًا أساسيًا في المنطقة له النصيب الأوفر في الثروات ‏النفطية والمائية، واعتباره العقل المبدع في مجمل المحافل السياسية ‏والاقتصادية والثقافية والأمنية والتكنولوجية.‏ ومن الأهمية وعي خطورة هذه المرحلة الهادفة إلى إلحاق الكثير ‏من دول المنطقة بالمشروع الأميركي؛ بغية إنشاء تكتل إقليمي ‏تتوسطه/مركزه (إسرائيل)، ويستهدف تحقيق غايات سياسية وظيفية معنية، ‏بتعميق الفصل بين الدول العربية وفرض هوية سياسية ثقافية ‏هجينة في التركيبة الإقليمية الجديدة، تكون بديلًا للهوية العربية.‏

ولكن ما هي تداعيات هذا التهافت التطبيعي لدول مثل الإمارات والبحرين؟

‏الواقع يقول إن ثمة علاقة سابقة بينهم وأخذت ‏أشكالًا مختلفة بين وسطاء أو داخل الغرف المظلمة، وأن ما يجري ‏الآن من لقاءات ما هو إلا لقاءات روتينية، وليست الأولى من ‏نوعها، ولكن ما ميزها هذه المرة أنها انتقلت من السرية إلى العلنية‏، وبغض الطرف عن فحواها؛ إلا أن نتنياهو يريد تسخيرها ‏لمصالحه الذاتية في تحقيق مكاسب دبلوماسية لمساعدته في ‏صراعاته الداخلية أمام خصومه السياسيين، واكتساب حصانة شعبية ‏في وجه القضاء لتفادي محاكمته بملفات فساد ورشى. في حين ‏يرى آخرون أنها ليست؛ إلا محاولة للتطويع التدريجي ودفع ‏الآخرين من دول عربية في اتخاذ خطوة أكثر جرأة لتظهير العلاقة ‏مع (إسرائيل) ومغادرة سياسة الظل.‏

في المقابل يعتقد الكثير من الإسرائيليين بأن كيانهم لن يحقق أكثر ‏مما أنجزه طوال ال 72 عامًا الماضية على المستوى الجيوسياسي؛ ‏بسبب صمود ومقاومة الشعب الفلسطيني من جهة، وبسبب ‏محدودية الامكانيات وتفاقم الأزمات الداخلية وافتقاد القيادة ذات ‏الكاريزما والإجماع الداخلي من جهة أخرى. ويرى البعض منهم ‏أن تطبيع العلاقات مع دول خليجية نفطية سيضمن لإسرائيل ارتفاع مستوى ‏الدخل الفردي، وارتفاع حجم التصدير والاستثمارات الأجنبية فيها، وتسويق ‏منتجاتها واستيراد وتسويق النفط والغاز العربي، وبالتالي الحصول ‏على موقع إستراتيجي إضافي في علاقاتها مع الولايات المتحدة.‏

لنعترف أن القيادة الفلسطينية وكذلك العربية، لم تكن على مستوى الحدث، ولم تقم باستثمار تضحيات الشعوب في مراحل المواجهة بشكل مناسب، وخصوصًا مع بداية مسيرة التطبيع في سبعينيات القرن الماضي؛ فالمتبتع للشعوب العربية عمومًا، يستطيع أن يرى بوضوح حالة الإحباط وعدم الثقة التي يمر بها هذه الشعوب.

ونتسائل الآن هل من سبيل إلى الخروج من هذا المأزق؟

مهما كان تقصيرنا، ومهما ابتعدنا عن الهدف الرئيس، ومهما أوغلنا في انقساماتنا، فإن باب الثورة مفتوح دومًا للأحرار والشرفاء؛ لأن فلسطين لن تقبل من هم دون ذلك؛ فالثورة تعطينا الأمل مهما كان العدو شديدًا، فهي تأخذنا إلى أفق آخر، فيها نُحاول ونعمل لأن نتجاوز هذا المأزق البائس، وأن نجد باب الخروج من نفق المؤامرات.