Menu

من أجل جبهة تقدمية مغاربية للوحدة والديمقراطية

الدكتور علي بوطوالة

نُشر هذا المقال في العدد 18 من مجلة الهدف الإلكترونية

تقديم:

في إطار مواصلة كفاح الشعوب المغاربية من أجل التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، أدت المشاورات بين أحزاب تقدمية مغاربية في الأقطار الخمسة (المغرب، والجزائر وتونس و ليبيا وموريتانيا) إلى الاتفاق على هامش الندوة المغاربية التي عقدت بتونس بمبادرة من حزب التيار الشعبي التونسي "حول راهن المغرب العربي ورهانات الاستقرار والبناء"، على إطلاق ديناميكية إعادة بناء حركة التحرر الوطني المغاربية، برؤية وحدوية جديدة ومتجددة، كأداة لا غنى عنها للنضال من أجل تفعيل قرارات ومتطلبات اتحاد المغرب العربي الذي مرت على تأسيسه حوالي ثلاث عقود.

إن موجهات تحديات وتداعيات السياق الدولي الراهن، سياق العولمة الليبرالية بتداعياتها الخطيرة على أوضاع ومستقبل شعوب المنطقة، يستوجب تأسيس إطار سياسي وحدوي للتنظيمات والأحزاب الديمقراطية والتقدمية المغاربية للنهوض بمهام ونوعية وتأطير وتنظيم نضالات الجماهير في الأقطار المغاربية، في أفق تحقيق المشروع المغاربي القادر على تلبية التطلعات والطموحات المشروعة والإنتظارات الكبيرة للشباب المغاربي الذي يعاني من قيود التجزئة والآفاق المسدودة للتنمية ال قطر ية؛ بسبب المنافسة العقيمة بين اقتصاديات المنطقة والصراعات اللامعقولة وغير المبررة التي تحول حتى الآن دون تحقيق اندماج ناجح للأقطار الخمسة.

1. تذكير بكلفة تجميد الاتحاد المغاربي

إن القراءة الموضوعية لواقع المنطقة المغاربية تبرز معضلة الانحصار الشامل الذي أصبحت تعاني منه الشعوب المغاربية؛ بسبب النماذج التنموية القطرية وإصرار أنظمة فاسدة وشوفينية ارتبطت مصالح نخبها الحاكمة بالتجزئة والتخلف والوساطة مع المراكز الرأسمالية في الغرب، هذا الانحصار الذي تبدو تجلياته ومؤشراته بارزة للعيان، لا يمكن تجاوزه كما تدل على ذلك تجارب الأمم الصاعدة؛ إلا بتكامل المشاريع المهيكلة وتوحيد الأسواق الوطنية الضيقة وتضافر جهود القوى السياسية الوفية لرصيد شهداء حركات التحرير المغاربية والحاملة لمشروع الدمقرطة والتوحيد والتقدم للمنطقة بأسرها.

فمنذ سنوات، والجميع يؤكد أن الوحدة المغاربية ضرورية لرفع وتيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وحل إشكالية البطالة وتلبية انتظارات شعوب المنطقة في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وفي مقدمة كل ذلك فتح الحدود أي فتح المجال لحرية تنقل الأشخاص والبضائع ورؤوس الأموال. وقد سبق لصندوق النقد الدولي أن أثار الانتباه إلى ضعف المبادلات التجارية بين الأقطار المغاربية، حيث لا تتعدى3% من مبادلاتها الخارجية، وقدرت من جهتها الكتابة العامة لاتحاد المغرب العربي أن تعثر سيرورة الاندماج المغاربي يكلف كل دولة من دوله 2% من نسبة النمو السنوية. في نفس السياق أوضح البنك الدولي سنة 2006 أن من شأن اندماج اقتصادات المنطقة المغاربية رفع الناتج الداخلي الخام للفرد بنسبة تتراوح بين 24% كأضعف نسبة و 34% كأعلى نسبة حسب مؤهلات كل بلد، وهكذا إذا انطلقنا من أرقام 1990 واعتمدنا فرضية ارتفاع نسبة النمو السنوية بنقطتين لكل بلد من البلدان الخمسة، فهذا يعني أن كل بلد أضاع على الأقل ثلث ناتجه الداخلي الخام الحالي ونصف الناتج الداخلي الخام للفرد.

وبطبيعة الحال لو تم بناء الاتحاد المغاربي كما تقرر سنة 1989 لكان وضع المنطقة المغاربية مشابها لوضع تركيا على الأقل، أي منطقة صاعدة وقوة اقتصادية متوسطة وذات تنافسية قوية ولها وزنها في التفاوض مع شركائها في أوروبا وأمريكا وآسيا، ولتفوقت على جنوب إفريقيا وأصبحت القطب الاقتصادي المهيمن في إفريقيا؛ فلنفترض أن هناك طريق سيار وخط سككي فائق السرعة يربطان عواصم دول المنطقة بعضها البعض، فضلًا عن ارتفاع وتيرة التنقل الجوي داخل المنطقة ووجود مشاريع كبرى مشتركة وعملة مغاربية موحدة، ومنتوجات صناعية مغاربية تصل إلى كل بقاع العالم... الخ. ألن تكون الشعوب المغاربية في وضع أفضل والعيش في بلدانها يغري بالهجرة إليها عوض الهروب منها؟!

هناك مجال بالخصوص يحز في نفس كل مغاربي هو هدر الفرص التي كانت متاحة من قبل، لو تحملت الأنظمة الحاكمة مسؤوليتها وتجاوزت صراعاتها، إنه مجال التكنولوجيات الجديدة. فنحن نتذكر أنه في بداية سبعينيات القرن الماضي كانت دول الجنوب التي أطلق عليها الاقتصادي الفريد سوفي (بلدان العالم الثالث) وسمتها منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي (بالدول السائرة في طريق النمو) سنة 1957، متشابهة في بنياتها الاقتصادية؛ نظرًا لخضوعها للاستعمار لمدة طويلة ومعاناتها من التخلف بكل أشكاله وأبعاده الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، لكن منذ منتصف السبعينيات استطاعت دول جنوب شرق أسيا (كوريا الجنوبية وماليزيا والباكستان والتايلاند ...) تحقيق إقلاعها الاقتصادي، وارتفعت نسب نموها الاقتصادي بشكل ملحوظ، بينما دخلت الدول المغاربية في صراع عبثي حول الريادة والزعامة بمنطق جاري يريد بي شرًا، وبدأ هدر الأموال والطاقات على الجيوش وشراء السلاح والحلفاء داخل أفريقيا وخارجها في تعارض تام مع حتميات التاريخ والجغرافيا! وبفعل صدمة التحولات الكبرى في نهاية الثمانينيات (انهيار الاتحاد السوفياتي وزحف العولمة)، بدا وكأن دول المنطقة استفاقت من سباتها وكوابيسها، وقررت العزم على تحقيق الوحدة المنشودة التي طالما انتظرتها شعوبها منذ بدية الاستقلال. لكن مرة أخرى سيتغلب شيطان التجزئة على طموح الوحدة بدعوى أولوية الأمن الوطني ومحاربة الإرهاب مع أن توحيد الجهود، بما في ذلك الجانب الأمني هو الجواب الصحيح على الإشكاليات المطروحة لكل بلد، وهكذا بدا انتهاز فرصة الثورة الرقمية وتدارك الفجوة التكنولوجية، لكن ظلت البلدان المغاربية من أضعف البلدان استعمالًا لتكنولوجية الإعلام والاتصال، والبيوتكنولوجيا والهندسة الوراثية.

إن كل تأخر في تحقيق المشروع المغاربي يصاحبه تدهور في الأوضاع المعيشية لشعوبه وانسداد آفاق العمل أمام شبابه، وهدر الطاقات في تنافس عقيم بين حكومات بلدانه والمقاولات المرتبطة بها، بدل تكوين قطب اقتصادي جهوي يتوفر على كل مقومات النهوض الاقتصادي والتقدم الاجتماعي والتطور الحضاري. إن المقاربة القطرية المستندة إلى وطنية ضيقة قد وصلت إلى حدودها القصوى، ولم يعد بإمكانها إخراج البلدان المغاربية من الوضع التي توجد فيه! وتبقى الشراكة الاستراتيجية وحدها المدخل الضروري للازدهار الاقتصادي والتنمية البشرية.

2. أي دور للقوى الديمقراطية المغاربية في تحقيق الوحدة المغاربية؟

لم يتحقق أي مشروع كبير في التاريخ دون رؤية استراتيجية وعمل متواصل للقوى المؤمنة به! ونظرًا لأن مشاريع التوحيد الفوقية أدت إلى ما أدت إليه من فشل وإخفاق رغم الطموح المشروع والإرادة الصادقة لأصحابها من قادة وحركات قومية في الغالب، فإن طبيعة المرحلة الراهنة وسياق العولمة المأزومة، وتداعيات الثورات المضادة في المنطقة العربية. كل هذه العوامل تفرض على القوى الديمقراطية والتقدمية بالمنطقة المغاربية الانطلاق من تشخيص استراتيجي يستحضر الإمكانيات المتاحة والمنهجية العقلانية والديمقراطية لبناء اتحاد مغاربي، يتيح لجميع شعوب المنطقة فرصة حقيقية للإقلاع الاقتصادي والتنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، وطبعًا لا بد من الوقوف على أوهام وأخطاء الماضي أينما كان مصدرها، والتقدير السليم للصعوبات والعراقيل التي تقف في وجه مشروع من هذا الحجم؛ إذ لا يمكن الاستهانة بمناورات وخطط أعداء الشعوب المغاربية المستفيدين من الوضع الحالي، بما فيهم بعض أبناء المنطقة التابعين لمشغليهم الأجانب والساهرين على تنفيذ وتمرير خططهم.

كثيرًا ما يتم القفز عن الأسباب التي أدت إلى توقف المشروع المغاربي والتركيز على الصراع المغربي الجزائري، وكأن باقي الأنظمة ومعها الشعوب لا دور لها إلا الانتظار! في الحقيقة هناك غياب ملحوظ لما يمكن أن نسميه الوعي المغاربي لدى النخب والجماهير؛ لأن الوعي بالمصالح المشتركة والسعي لتحقيقها يتجسد في الضغط الجماهيري على الأنظمة للاستجابة لمطلب حيوي كمطلب فتح الحدود مثلًا، بل الغريب أن القوى السياسية نفسها المفروض فيها توعية الجماهير لا تخرج عن التوجيهات العامة للأنظمة! فباستثناء بعض التظاهرات الأكاديمية، نكاد لا نسمع أي حديث عن الوحدة المغاربية، ووسائل الإعلام بدورها تعزف على نفس ألحان حكومات بلدانها.

 

إن مسؤولية القوى الديمقراطية والتقدمية في البلدان المغاربية، بحكم وعيها بأهمية الوحدة ورصيدها النضالي من أجل تحقيقها مطالبة أولًا وقبل شيء بتعميق الحوار فيما بينها وتأسيس إطار للتشاور والتنسيق المنتظم لاتخاذ مواقف مشتركة من القضايا المطروحة على الصعيدين العربي والمغاربي، والمبادرة بعقد لقاءات وندوات حول موضوع الاتحاد المغاربي داخل كل بلد متى سمحت الظروف بذلك، والقيام بأبحاث ودراسات لإبراز وتأكيد أهمية المشروع المغاربي لدى الرأي العام، ولما لا، تأسيس وتطوير إعلام مغاربي. فلا يعقل أن يتتبع سكان المنطقة المغاربية أخبار وتحاليل عما يجري في بلدانهم في قنوات فضائية أجنبية. طبعًا كل هذا يتطلب فرض وترسيخ الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في كل بلدان المنطقة وتعميق النضال الديمقراطي ببعديه المؤسساتي والجماهيري لا ينبغي أن ينفصل عن تعميق النضال الوحدوي الذي لازال غائبًا عن اهتمامات القوى الديمقراطية والتقدمية في البلدان الخمس.

 3. في الحاجة إلى إطار سياسي مغاربي

من كل ما تقدم يمكننا الاستنتاج أن الأولويات الاستراتيجية لنضال أحزابنا في المرحلة الراهنة في رأينا لا تخرج عن المحاور التالية:

  • تحقيق وترسيخ الديمقراطية داخل البلدان المغاربية في ارتباط بالأمن بمعناه الشامل.
  • بناء شراكة استراتيجية بين أقطار المنطقة في أفق اندماج اقتصادي بواقعية وتدرج.
  • التوظيف الخلاق لعلاقات دول المنطقة بإفريقيا كمجال حيوي للتجارة والاستثمار والتعاون وكبديل مستقبلي عن التبعية العمياء للاتحاد الأوروبي.

 

في هذا الأفق بادر حزب التيار الشعبي بتونس مشكورًا إلى تنظيم ندوة مغاربية يومي 21 و22 يوليوز 2017 بالعاصمة تونس شاركت فيها أحزاب وشخصيات من ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا. وصدر عنها بيان ختامي أكد على أن "اتحاد أقطار المغرب العربي هو القادر وحده على تحقيق طموحات شعوب المنطقة، والاستجابة للمتغيرات الكبيرة التي يشهدها العالم، حيث لا مكان إلا للتكتلات الجهوية السياسية والاقتصادية والعسكرية الكبرى". وبعد التذكير بأهداف وآليات إنجاز الوحدة المغاربية، خلص البيان إلى الدعوة لتشكيل هيئة مغاربية للتنسيق والمتابعة تتخذ المواقف المشتركة من مختلف القضايا المطروحة، تجتمع دوريًا وتنظم الأنشطة والندوات المختلفة لتوعية الرأي العام بأهمية وضرورة الوحدة المغاربية وانعكاساتها الإيجابية في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية".   

          والجدير بالذكر أن محاولات إحياء العمل المغاربي المشترك لم تنقطع رغم توتر العلاقات الدبلوماسية وجمود الاتحاد المغاربي، حيث تم تنظيم تظاهرات ثقافية وفنية ورياضية متعددة في هذا القطر أو ذاك، ولا زالت الأمانة العامة لاتحاد المغرب العربي تعمل على استكمال البناء المؤسساتي المغاربي، غير أن غياب إطار سياسي شعبي يجمع وينسق نضالات وجهود القوى الديمقراطية والتقدمية المؤمنة بالوحدة المغاربية وبضرورتها الاستراتيجية، ساهم في تعثر بروز وعي جماهيري ورأي عام شعبي ضاغط من أجل تحقيق الوحدة في سياق عالمي أصبحت فيه الاتحادات الجهوية المجال الحيوي الأمثل لمواجهة المخاطر الأمنية ومواكبة الإيقاع السريع للتحولات التكنولوجية.

         إن القوى الوطنية والديمقراطية في المنطقة المغاربية، قد أصبحت مطالبة بتحمل مسؤولياتها التاريخية وإطلاق سيرورة العمل المشترك لتوعية وتأطير النخب والجماهير بالمشروع المغاربي كمشروع حيوي واستراتيجي لا بديل عنه، للتغلب على حالة الانحصار والتجزئة، خاصة وأن المنطقة مقارنة مع عدة مناطق في العالم تتوفر على كافة عوامل التوحيد من لغة وثقافة ورصيد حضاري مشترك، وتكامل في الموارد الاقتصادية وطاقة بشرية وسوق واعدة قادرة على المناخ الإيجابي للإنتاج والاستثمار وخلق الثروة وتلبية الحاجات الأساسية لما يفوق مائة مليون نسمة إذا توفرت الإرادة السياسية والتأطير القانوني، والتدبير العقلاني.