Menu

القائد الذي رحل ولم يودع أحدًا الفارس الرمز أبو علي مصطفي

طارق حسين

خاص بوابة الهدف

في مثل هذه الأيام وقبل ١٩ عشر عامًا، غاب عنا قمر الشهداء، القائد الوطني الكبير الشجاع صاحب المبادئ والمواقف الثابتة التي لا تساوم؛ آمن بتحرير فلسطين.. كل فلسطين.. ولم يتراجع ولم يهادن. رحل أثر عملية اغتيال جبانة نفذتها أجهزة المخابرات الصهيونية وهو يمارس عمله في مكتبه، ولم يودع أحدًا وكانه أراد أن يقول لرفاقه في الجبهة الشعبية ولأبناء شعبه الذين أحبهم وأحبوه: أنا باق معكم .. لن أترككم... ونحن نقول له: لقد رحلت عنا وغادرتنا في مرحلة أحوج ما نكون فيها للقادة العظام أمثالك، ولكنك رحلت جسدًا وبقيت معنا فكرًا وموقفًا وممارسة.. فأنت ساكن فينا وباق معنا إلى الأبد.

لقد أرادت دولة الكيان من اغتيال الرفيق أبو علي مصطفي أن تغتال الجبهة الشعبية ودورها والموقف الوطني الفلسطيني العظيم الذي جسده قولًا وفعلًا .. نعم لقد عجزوا عن مواجهتك أيها الرفيق في ميادين الكفاح والمواجهة فاستهدفوك بعملية الغدر. إن عمليه الاغتيال التي استهدفت الرفيق أبوعلي لم تكن استنادًا لمواقفه وما مثله في السابق فحسب، وإنما أيضًا خوفًا من الخطر الذي يمثله في المستقبل، وهذا ما أدركه العدو لحجم الإنجازات التي حققها الرفيق في هذه الفترة القصيرة، بعد عودته على كافة المستويات جبهاويًا ووطنيًا وخوفها من ذلك.

لقد كان الرفيق أبو علي مصطفي الأمين العام الأول الذي يستشهد على أرض الوطن وتطاير جسده قطعًا بفعل الانفجار وروت دماؤه الطاهرة أرض فلسطين وزرعت فيها صمودًا وتحديًا ورسخت جذور المقاومة، حيث قامت الجبهة بالرد على عملية الاغتيال بقتل الوزير الصهيوني زئيفي.. وفي سرعة زمنية وتخطيط محكم أذهل العدو وأجهزة مخابراته، ووجهت من خلال هذه العملية الفريدة من نوعها؛  رسالة قالت للعدو العين بالعين والرأس بالرأس، كما قال أمينها العام الأسير أحمد سعدات في يوم السابع والعشرين من آب عام ٢٠٠١. 

تعرض الرفيق أبو علي لعدة محاولات فاشلة لاغتياله في الأردن ولبنان ونجا منها بأعجوبة، وهو الذي كان قد التحق في حركة القوميين العرب منذ عام ١٩٥٥، في ريعان شبابه، عندما اتصل مع الدكتور جورج حبش وانتظم في صفوفها. اعتقل في الأردن عام ١٩٥٧ وحكم عليه بالسجن بقرار من المحكمة العسكرية، حيث أمضي داخله أكثر من ٥ سنوات، مثل خلالها تجربة فريدة في الصمود والمواجهة.

بعد خروجه من السجن تزوج أبو علي من رفيقة دربه أم هاني، ومن المفارقة أنه أصر أن يكون يوم زواجه بتاريخ ٢٣-٧-١٩٦٤، هذا التاريخ الذي أحبه، حيث كان تاريخ انتصار ثورة يوليو بقيادة الزعيم عبد الناصر. شارك في دورة الضباط في أنشاص في مصر، ولعب دورًا أساسيًا في تشكيل الخلايا الفدائية الأولى وإرسالها إلى الأرض المحتلة، وكان من أبرز المؤسسين لمرحلة الكفاح المسلح. تولى العديد من المسؤوليات في الجبهة، حيث تحمل مسؤولية قيادة الداخل، ومسؤولية الجهاز العسكري في الأردن، وشارك في الدفاع عن الثورة في المعارك التي خاضتها مع النظام الأردني.. وشارك في معركة الكرامة، وكان أحد أبرز قياداتها. بعد خروج الثورة من الأردن توجه إلى لبنان، وفي عام ١٩٧٢ وفي المؤتمر الثاني للجبهة تم انتخابه نائبًا للأمين العام للجبهة، وبقي في هذا المنصب حتى انعقاد المؤتمر السادس في عام ٢٠٠٠، والذي انتخب فيه أمينًا عامًا.
في نهاية عام ١٩٩٩ عاد إلى أرض الوطن. كانت فترة وجوده في الداخل؛ فتره مميزة استطاع خلالها أن يعيد بناء الجبهة، كما استطاع أن يلعب دورًا وطنيًا كبيرًا، ولعب دورًا قويًا في تأسيس وتطوير انتفاضة الأقصى، وشكل نموذجًا وطنيًا بامتياز؛ من خلال صلابته وتواضعه والتصاقه بالجماهير، وخلال هذه الفترة القصيرة التي عاشها في الداخل، لم يترك بيت شهيد إلا وقام بزيارته، ولم يترك مؤسسة أو وزارة أو دائرة فلسطينية أو جمعية او حزب أو منظمة اجتماعية أو سياسية إلا زارها، وتحاور معها وناقش همومها وأعطى توجيهاته لها.

لم يتخرج الرفيق أبو علي من الجامعة، ولم يحمل شهادة جامعية في الطب أو الهندسة أو القانون وغيرها من الشهادات، ولكنه كان جامعة بحد ذاتها بوعيه وثقافته ودعوته للتعاطي بمنهج علمي مع القضايا الوطنية والاجتماعية. وأذكر عندما وطأت قدماه أرض فلسطين بعد غياب طويل وهو تقول: (عدنا لنقاوم ولم نعد لنساوم)، هذا الشعار الذي اختصرت فيه الكثير الكثير، وكان معبرًا أكثر من آلاف المقالات والخطب، كما اذكره وهو يحدد الفواصل والتخوم ويضع النقاط على الحروف أثناء جلسات الحوار الوطني الفلسطيني واللقاءات التي أتيحت لي المشاركة في بعضها معه، وعند احتدام النقاش كان يردد بوضوح مقولتك الشهيرة: (أن نختلف على وضوح أفضل ألف مرة من أن نتفق على غموض)، فلقد كان قائدًا فلسطينيًا عربيًا أمميًا بامتياز.

أذكر وصوته يصدح عاليًا في المجلس الوطني الفلسطيني الذي عقد في دمشق في أعقاب كامب ديفيد، عندما قام بالرد على هاني الحسن؛ عضو اللجنة المركزية لحركة فتح الذي قال في كلمته أمام المجلس: (بيننا وبين سوريا زواج كاثوليكي لا طلاق فيه؛ إذا قاتلت سوريا سنقاتل، وإذا خانت سوريا سنخون)، وعندما اعتليت المنصة قلت ردًا على هاني الحسن (أقول لأخي هاني الحسن بيننا وبين سوريا علاقات سياسية وتحالفية؛ إذا قاتلت سوريا سنقاتل معها وإلى جانبها، أما إذا خانت سوريا سنقاتل ضدها)... نعم هذا هو الوضوح وهذه هي الاستقلالية وعدم التبعية لأحد، وهذا هو الموقف الوطني الذي لا يجامل.. نعم هذا هو أبو علي القائد الصلب كالفولاذ، ولكنه الرقيق كالنسيم في حبه لشعبه ورفاقه.. وأنا افتخر أنني عرفت الرفيق أبوعلي من أيام الأردن وعاصرته في لبنان وجاورته في بغداد؛ أيام القيادة الخلفية، حيث كان بفصل بين بيتينا سور الحديقة، وعرفته في دمشق والتقيت معه مرات عديدة في براغ، وقامت بيننا علاقات عائلية متينة ورائعة؛ أفتخر واعتز بها مدى الحياة.

أبو علي بقي متمسكًا بالثوابت الوطنية رغم تخلي الكثيرين عنها، وظل مدافعًا عن منظمة التحرير والوحدة الوطنية.. وهو القائل: (منظمة التحرير مقدسة بمقدار ما تقربنا من فلسطين، وهي ليست كذلك بمقدار ما تبعدنا عنها)، وهو القائل أيضًا الوحدة الوطنية والمنظمة ليست هدفًا، وإنما وسيلة للتحرير.. أما الهدف فهو تحرير فلسطين كل فلسطين.

أذكرك الآن، وقد اشتدت المؤامرات على قضيتنا من صفقة القرن إلى قرار الضم إلى التطبيع، حيث يستهدفون تصفية قضيتنا ويصطف بعض الحكام العرب وأشباه المثقفين في طوابير الخيانة والتطبيع مع العدو الصهيوني.. أذكرك وأنت تقول ليس أمامنا؛ إلا الصمود ومواصلة الكفاح ولا زالت كلماتك تتردد على مسامعي: لا رهان على الحكام... إنهم ذاهبون... الرهان هو على الشعوب لأنها هي الباقية.. أذكرك.. وأنت تزرع الأمل والثقة في نفوسنا، رغم حالة الاحباط واليأس الذي زرعها المستسلمين.

نقول لك: الثوار يموتون لكنهم لا يرحلون، وكما قال غسان كنفاني : يرحل الجسد ويبقى الفكر والممارسة.. سنبقى أوفياء لك ولمسيرتك ونواصل الطريق، رغم كل الصعوبات؛ نستمد من تجربتك الصمود والثبات والتحدي، ولن نتراجع حتى تحقيق كامل أهداف شعبنا وتحرير فلسطين كل فلسطين وإقامة دولة العدالة والمساواة التي طالما ناضلت من أجلها.