Menu

شيء من الفكر اليوم حول أوضاع البؤس التي تعيشها "امرأتنا" الكادحة بالأرياف

محمد صالح التومي - المعروفي

خاص بوابة الهدف

هناك نقاش لا بد من المبادرة بإثارته حول أوضاع " امرأتنا "الكادحة بالأرياف، فهذا النوع من النقاشات هو الذي ينبغي اليوم تطويره، والدفع إلى إنجاز الدراسات في خصوصه بغاية توضيح سبل الممارسة الجديرة، بأن يقع اتباعها قطعا مع اللهاث وراء بلاتوهات التلفزة والإعلام، وهو اللهاث الذي ظهر أحيانا في الممارسات، ويقع الاكتفاء بموجبه بالتصريحات الرنانة في رحاب تلك البلاتوهات حول أوضاع الكادحات والكادحين، ولكن بدون عمل مثمر ومفيد ميدانيا لفائدتهم.
ومن باب المساهمة في هذا النقاش الثرى غير الغائب تماما والذي رأيناه يتفجر أحيانا نثرا وكذلك شعرا، كاشفا عن رغبة تشرف اصحابها في تشخيص أحوال المرأة الريفية وفي محاولة الاهتداء إلى معالجة بؤس أوضاعها.
يجدر بالإنسان أن يلاحظ أن المرأة الكادحة بالأرياف تخضع في وجودها إلى سطوة عديد العوامل التي تعمل متضافرة على جعلها تعيش أسوأ الأوضاع بل أتعسها؛
فهي أولا:
ضحية التناقض القديم القائم بين العمران الريفي والعمران الحضري أو المديني، حيث تمتص المدينة النسغ الحي للأرياف سطوا على مقدراتها وخيراتها بواسطة عنف المجبى (الجباية) ومختلف أنواع الاستغلال الأخرى، لتجلب كل المنافع إلى المتنفذين في تلك المدن، تاركة الأرياف في الخصاصة والحرمان والتعاسة من جميع النواحي سواء من حيث نقص الماء والكهرباء، أو عدم تعبيد المسالك، أو انعدام المشافي، أو غياب البنية التحتية الضرورية للحياة اللائقة والكريمة.
وهي ثانيا :
ضحية بصورة أكثر فظاعة لسطوة المجتمع الذكوري ولمعطياته الثقافية المتوارثة، حيث يراد لامرأتنا، أن تبقى في المراتب الدونية مقارنة مع أخيها الرجل حتى وهو في دائرة الاستغلال مثلها، تعاني الاحتقار والازدراء، فذلك ما يتضاعف اليوم مع هبوب رياح التأسلم للناطقين باسم الغيب وللمتاجرين بمقدسات الشعب الذين يحاولون من خلال هذه المتاجرة لا خدمة أهداف روحية سامية، بل إعادة إنتاج وتأبيد أنماط من العيش عفّ عليها الزمن ولم تعد مواكبة للعصر، ولكنها تتعنت فقط... وبالعنف، إن لزم الأمر للبقاء.
وهي ثالثا :
ضحية استغلال المؤجربن في كنف ما وقع ذكره آنفا، لقوة عمل الكادحات والكادحين، فالعاملة الريفية تحصل حيث هي، وفي هذا النطاق، على أدنى الأجور، بل على أكثرها ضآلة، ولا تتمتع بالضمان الاجتماعي عند مرضها أو تعرضها لحوادث الشغل، ويقع نقلها إلى مقر عملها البعيد عن سكناها في الشاحنات متراصّة مع زميلاتها، كأنها متاع مهمل، فتسقط، وتتبعثر أشلاؤها في المسالك الريفية غير المعبدة؛ فتنتهي زهرة حياتها تاركة اليتم لأبنائها الذين كانت تقصد النهوض بهم وإعطائهم ما تستطيع من فيض أمومتها، كي يعرفوا حياة أخرى أفضل من حياتها؛
فكل هذه الأوضاع هي التي لا بد من التعبير عنها بأسخى العواطف وبأرقى المشاعر، وهي التي لا بد من التساؤل أمامها عن طرق العمل الممكنة للنهوض بأوضاع المرأة الكادحة الريفية، وعدم تركها فريسة لسطوة التناقضات الثلاثة المذكورة آنفا، ولعل أي نقاش مفيد في هذا الاتجاه لا بد له من أن ينتهي إلى طرح مهمتين ضرورتين متلازمتين:  
- أولهما هي:  ضرورة الاتصال المباشر بهؤلاء الكادحات لتوعيتهن ببؤس أوضاعهن، وهن من تعشن ذلك البؤس واقعيا، ولكن مع اعتباره قدرا محتوما، مهما كان استسلامهن له، مصحوبا كذلك بثورة غامضة الملامح بالنسبة إليهن، ومكتومة، ومعتلجة داخل الصدور.
- أما الثانية  :فهي ضرورة بعث الأطر النقابية والجمعياتية التي من شأنها تأطير تلك الاتصالات الممكنة، لجعل المشاعر تنساب في طرق نضالية صحيحة، وتعمل بالتراكم على تغيير أوضاع "امرأتنا" الكادحة بالأرياف للانتهاء بها إلى أن تأخذ مكانتها في الحياة كإنسانة فعلا، والابتعاد بها عن مسالك "الحُڨرة" مثلثة الأضلاع التي ذكرناها والتي تعيش فيها حاليا.
إنها مهمة رائعة بالنسبة لمن سينهضون بأعبائها، وذلك رغم الصعوبات الواضحة التي تحفّ بها...
ولكنها تبقى مهمة تدفع إلى الانكباب عليها حقا من طرف الطيف الوطني/القومي التقدمي، وذلك بدفع الكفاءات والطاقات المناضلة وخاصة في أوساط الشبيبة :
- إلى إعداد الدراسات المشخصة للواقع والموضحة لسبل العمل؛
- وإلى الانخراط في بعث الأطر التنظيمية من جمعيات أو نقابات التي تضع تلك التصورات في مجراها الصحيح ميدانيا... تجسيما لفكرة خلق حراك حقيقي ناشد للتغيير بالأرياف، حيث بقى عمل العناصر الوطنية التقدمية - والمقصود بتونس على الأقل - متأخرا عن مثل هذه المهمة، ومنحصرا تقريبا - وهذا إنجاز عظيم ولكنه منقوص - في العمل بالمدن أين توجد النقابات العمالية، والأطر المعرفية للإبداع الأدبي والفكري المحتج على المظالم الطبقية أكان ذلك بالصورة أم بالصوت أم بالحرف المكتوب شعرا ونثرا، والمنشور سواء في الكتب أو في وسائل الاتصال الحديثة.
إن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، ولكن لا بد أن يكون مفهوما أن هذه الرحلة التي يجب أن تكون واعية تماما لا تنطلق من العدم في بلد مثل تونس.. ولعله توجد في أرجاء الوطن العربي والأممي تجارب أخرى يمكن الاقتداء بها.. فهناك في التراث النضالي للشعب التونسي الإضراب العام العظيم الذي شنه الكادحون نساء ورجالا بضيعات الأراضي الدولية، وأطرته سنة 1977 الجامعة النقابية للفلاحة بالاتحاد العام التونسي للشغل، وساهمت فيه ولو من بعيد نقابة "الخماسين"، وهي النقابة التي اندثرت اليوم نتيجة التغييرات التي وقعت في عالم العمل وفي شروطه الاقتصادية.
كما هناك بعض العمل الجمعياتي أو الميداني الجنيني الذي انبعث في السنين الأخيرة، والذي جسمته:
- تجربة "جمنة" الرائدة التي يشرف عليها المناضل الطاهر الطاهري ومن معه من أهالي تلك الواحة... تفتيشا عن منوال تنموي جديد ينبع من جمهور الناس ويعود عليهم بالنفع.
-وتجربة ريف "الهوايدية" بطبرقة التي يشرف عليها المناضل منصف الهوايدي والأهالي هناك دفاعا عن عين "ذكارة" التي منها يشربون ويسقون مزروعاتهم... فوقع تأسين مياهها وتعفينها بفعل نشاط أحد أصحاب المقاطع الذي مُنحت له رخصة استغلال واستثمار بدون دراسة لواقع المكان ولحاجيات السكان.
- وتجربة " جمعية المليون ريفية" التي تشرف عليها المناضلة تركية الشايبي ومن معها من المناضلات والمناضلين، والتي تُعنى ببلورة رؤية متكاملة حول أوضاع العمران الريفي، والمتطلبات الضرورية للنهوض به.
- وتجربة مجموعة الدفاع عن السيادة الغذائية... ومن ضمن روادها المناضل غسان بن خليفة ورفاقه ورفيقاته والتي تعمل على إحياء زراعة البذور الأصيلة... والدفع نحو تحقيق الاكتفاء الغذائي الذاتي لتونس.
فمثل هذه التجارب هي التي يجب الاستلهام منها، كما يجب التفكير في كيفية دعمها وتوسيع مجال انتشارها، وذلك برفدها بالطاقات الحية المنغرسة ميدانيا، والمعززة بالبحث والدراسات والبحوث العلمية والتقنية المناسبة.
فهكذا يمكن البدء في تغيير أوضاع "امرأتنا" الكادحة بالأرياف، ورفع الضيم المسلط عليها في كنف سطوة الأوضاع ثلاثية الأبعاد التي أتينا على ذكرها.